لأن السلفية المعاصرة ليست مجرد ظاهرة عابرة أو هامشية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بل واقع الأمر أنك إن أردت أن تحدد قائمة الصيرة بالظواهر الأكثر تشكيلا المنصف قرن الأخير هلا بد أن تكون السلفية جزء من هذه القائمة.
ولأن التعرض بالتحليل والنقد للظواهر أحد الأدوات المهمة جدا. والتي تساعد على فهم طبيعة الظواهر وتكوينها وعلاقاتها باقي مكونات الواقع وظواهره الاجتماعية، على تقدم فائدة الفهم من العمليات النقدية حتى ولو لم تتفق مع نتائجها التحليلية.
ولأن السلفية المعاصرة تمر كما التيار الإسلامي كله يمتخلف شديد التركيب والتعقيد، ويوجب أن تجمع العقول البحثية أمرها على قراءة هذا المعطف ومتغير الله وتحولاته، وأن تحاول استشراف آفاق ونتائج هذه التحولات.
ومركز نماء للبحوث والدراسات يقمع هذه الدراسة الجادة ويطمح إلى إردافها بدراسات متنوعة أخرى تقبلي الحالة الإسلامية وظروف التحولات التي تمر بها تبعا للتحولات الضخمة التي يشهدها العالم كله في هذه الحقبة المفصلية من التاريخ المعاصر.
باحث علمي في التراث والفكر والفلسفة والثقافة،اشتهر باسمه المستعار الذي كان يكتب به في المنتديات الحوارية (أبو فهر السلفي).
ولد عام 1981 مـ الموافق لعام 1401 هـ في مدينة بورسعيد بشمال جمهورية مصر العربية.
معروف بنهمه للقراءة الذي صاحبه منذ السابعة من عمره،واقترب أكثر من القراءات الدينية والتراثية منذ الحادية عشرة من عمره.
له عدد من الكتب والتحقيقات القديمة كانت فيها بعض العجلة أو عدم الاستيفاء للأدوات لذلك ذكر أن ما يرضاه منها هو :
معجم التعريفات والفوائد والتقسيمات الاعتقادية في مصنفات ابن عثيمين - نشر : دار الكيان.
التعليقات المفيدة على منهج الأشاعرة في العقيدة - نشر : دار الكيان.
السبل المرضية لطلب العلوم الشرعية - والذي يقوم بإصداره كل خمس سنوات للتعديل فيه والإضافة، الإصدار الأول منه من نشر مكتبة التوحيد، والإصدار الثاني من نشر دار الفاروق بالمنصورة ثم الإصدار الثالث من نشر مركز تفكر للبحوث والدراسات.
شرح مسائل الجاهلية للألوسي- نشر : دار الكيان.
رياض الجنة شرح أصول السنة - نشر : مكتبة التوحيد. وقال عنه : ((باستثناء أني تراجعت عن الشدة وبعض العبارات التي غيرها أولى منها وبعض الحجج التي احتججت بها ولا أراها الآن صحيحة والتي في مبحث الإيمان وسط مناقشتي للشيخ ياسر،مع بقاء الرأي العلمي كما هو)).
أما كتبه الجديدة التي نشرت من بعد 2011 مـ
كتاب ((الدولة المدنية مفاهيم وأحكام)) والصادر عن المكتبة العصرية فقد اعتنى بها وخلت من أكثر عيوب تصانيفه السابقة.
كتاب ((واقع المسلمين بين فقه الاستضعاف وفقه التمكين )) عن المركز العربي للدراسات الإنسانية.
كتاب ((اختلاف الإسلاميين)) وهو كتاب فريد صدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات ثم طبعة مصرية عن مركز تفكر، وهو أول كتاب يرصد اختلافات الإسلاميين في مصر بشكل مفصل وشامل.
كتاب ((صورة الإسلاميين على الشاشة)) صدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات وقد قال عنه المؤلف أنه أحب مؤلفاته إلى قلبه.
كتاب ((جدل الدين والسياسية )) وهو من جمعه وتقديمه صدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
كتاب ((ما بعد السلفية)) بالاشتراك مع الشيخ عمرو علي بسيوني وهو الكتاب الذي أثار جدلًا كبيرًا في الساحة السلفية بشكل خاص والساحة الإسلامية بشكل عام وما يزال الجدل حوله مستمرًا، والصادر عن مركز نماء للبحوث والدراسات.
كتاب ((جمع القرآن)) الصادر عن مركز تفكر للبحوث والدراسات وهو من أعما ل المؤلف القديمة وقد كان مطبوعًا في الكويت وأعاد نشره في معرض القاهرة للكتاب عام 2016.
بحث ثري وضخم، يجمع بين التأريخ للسلفية ونقدها عرض أهم رموزها ومناهجهم وتناولها بالنقد والتفنيد كابن تيمية ، ومحمد بن عبد الوهاب ثم ابن باز، وابن عثيمين، والألباني وغيرهم ممن كان لهم تأثير محورّي على مراحل تطور السلفية بالنسبة ليّ الجزء الأكثر متعة هو الجزء الذي تناول فيه السلفية المعاصرة ونقد طريقتها في التعاطي مع الواقع ومع مخالفيها وجملة ما ارتكبته من أخطاء في مشاركتها في الحراك السياسي ولا سيما بعد ثورات الربيع العربي بدأت الكتاب بأسئلة كثيرة وانتهيت منه محملة بعلامات استفهام أكثر وأشياء ألزمني بالبحث والقراءة عنها
على كل، هنا محاولة نقد ذاتي للسلفية التي دائمًا ما نجد كتب في نقدها من تيارات أخرى ولم نجد يومًا من ينقدها من الداخل وصدقًا لم أكن لأجازف بقراءة كتاب ضخم لسلفي آخر بعد مأساتي الأخيرة مع سفر الحوالي في كتابه العلمانية ولولا معرفتي المسبقة ببعض آراء أحمد سالم لما جازفت بقراءة الكتاب لكن كما قلت، الكتاب للنقد الذاتي والداخلي وككل محاولات النقد الذاتي، تستحق الاحترام وإن جاءت على استحياء
تعودت الساحة الفكرية على أن ما يُكتب في نقد السلفية يكون إما بواسطة مؤلفين علمانيين، أو مؤلفين إسلاميين؛ لكن ينقدون فصيلًا سلفيًّا محددًا من ضمن السلفيين؛ كالسلفية الجهادية مثلًا، أو ينتقدون بصورة لطيفة وفي ثوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظواهر خاطئة برزت على الساحة السلفية
ومن الأمثلة على الكتب الناقدة للتيار السلفي من داخله: كتاب فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر للدكتور محمد يسري إبراهيم، وهو كتاب لأحد الرموز السلفية التي يُشار إليه بالبنان، تعرض فيه لمسائل كثيرة، سنشير إليه بعد قليل
لكن هذه أول مرة -في حد علمي- يقوم باحثان سلفيان بنقد السلفية المعاصرة بكافة أطيافها بهذه الجرأة، وهذا الوضوح الشديد، بل وطال النقد ابن حنبل وابن تيمية وابن عبدالوهاب أنفسهم، وهم أبرز الأيقونات التي يعتمدها السلفيون ضمن مرجعياتهم
كتاب ما بعد السلفية ذو السبعمائة صفحة أثار ضجة في الوسط السلفي النخبوي، فانبرى لنقده فور صدوره العديد من الباحثين السلفيين الشباب، في غياب تام لشيوخ السلفيين الكبار سواء في بلاد الحرمين أو في مصر، هذان البلدان اللذان يركز عليهما الكتاب لما ذكر أنهما يشكلان مركز الثقل في السلفية المعاصرة
ومن الأشياء الجيدة الملاحظة على المواد النقدية التي وُجهت للكتاب أنها حملت في كثر منها مناقشة هادئة لم تنتهِ بتبديع الكاتبين أو الحكم عليهما بالمروق من السلفية إلى البدعة، اللهم إلا بعض الكتابات القليلة
كانت بعض أطروحات الكتاب مفاجأة للغاية؛ كوصف الكاتبيْن فعلًا لأحمد بن حنبل بالـ"بغي"، وتحميله مسئولية بغي بعض أتباع مذهبه في التعامل مع المخالفين (ص193)، بل وقال الكاتبان إن ابن حنبل كان عليه الاعتذار من تكفيره للكرابيسي (ص97-98)، وقالا إن أهل الحديث بعد أحمد قد اعتمدوا أقواله كمعيار للسنة "لا يعرفون غيرها" ص112
وكجعلهما ابن تيمية بصورة ضمنية ذا مسئولية أيضًا عن ممارسات السلفية المعاصرة (ص158-160)، وأنه مع ابن حنبل مساهمان في تحويل العقيدة من كونها منهج حياة إلى علم كلام وسجالات مخترَعة، وأن ما كتبه ابن تيمية في الجدل الكلامي لو تم تقليله إلى الربع لما أثر ذلك في شيء، وأن هذا كان سبب ندمه في آخر حياته (ص99-100)، وكنقد المؤلفيْن ابن تيمية في تأويله تكفير الشافعي لحفص الفرد (165- 166)، وأنه -أي ابن تيمية- يتحاشى تخطئة أحمد (ص168)، وأنه خالف سُنة الفقهاء المتقدمين الذين كانوا يعتنون بالفقه والأحكام أكثر من الجدل والكلام، وأن الفقه كان له دور ثانوي عند ابن تيمية، وأنه قد أحيا بعض الخلافات الفقهية التي كانت قد ماتت. ص313-314
وتتوالى المفاجأت بتصريح الكاتبيْن بخطأ الوهابيين في قتالهم وتكفيرهم لكثير من المسلمين، وأن الوهابية تعتبر أول تحقُّق سلفي يحمل السيف من أجل نشر عقيدته ويعتبر مخالفيه من المسلمين مشركين (ص178)، وأنهم -أي الوهابية- لم يعذروا من قاتلوهم بجهلهم (ص180)، وأنهم كفّروا من لا يُكفِّر مَن كفروه من المسلمين على التعيين (ص187)، وأن هذه الممارسات الوهابية كانت مرجعًا أساسيًّا من مراجع الغلو إلى الآن (ص192)، وأن تعاطي الوهابيين مع الفقه كان أكثر تواضعًا وتخلفًا عن ابن تيمية (ص321، 335)، وأن كثيرًا من الفقهاء والقضاة وعلماء البلاد المجاورة قد وجهوا الاتهامات العقدية والفقهية والسلوكية للدعوة الوهابية، وأن أهم تلك الاتهامات كان ادعاء عبدالوهاب للاجتهاد، يقصدان بدون وجود حقيقة ذلك (ص319)، وأن الوهابيين حرصوا على مكافحة علماء نجد الحنبليين غير الوهابيين (ص326). وأرجع الكتاب سطحية الفقه السلفي إلى نشأته "في أجواء البداوة في نجد" ص377
اتسع نقد الكاتبيْن ليشمل رموزًا سلفية متأخرة أكثر؛ كنقد الألباني، الذي قال المؤلفان إنه قليل النظر النقدي للمتون (ص270)، وإن أسلوبه الشديد كان إرهاصًا لظهور المداخلة، وإنه يتحمل مسئولية الخلل الذي أحدثته المدخلية في البناء السلفي (ص273)، ووصفاه بأنه قليل البضاعة في أصول الفقه وفقير في المجالات الفقهية ص33
أما مقبل الوادعي فكان له وافر الحظ من النقد في مواضع عدة، كقولهما إنه أكثر ظاهرية من الألباني وإنه أنكر الإجماع والقياس (ص347)، وإن التسطيح الناجم عن الخلل المعرفي الذي يصدر عنه هو في الحقيقة كلام عامي ص350
وكذلك انتقد المؤلفان أيضًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بعض الرموز السلفية الأخرى؛ كابن باز وابن عثيمين وعبدالمقصود وحُطيبة والمقدم وغيرهم، وكان نقدهما لهم في سياق وصفهم بالضعف الفقهي، يتفاوتون في شدة ذلك وضعفه
ومن المواضع الأكثر جرأة في الكتاب، إنكار المؤلفيْن تكفير القائلين بخلق القرآن، وإنكارهما إثبات ابن حنبل لبعض الصفات الإلهية؛ لأنهما يريان أن هذين الأمرين لم يُعهدا عن الصحابةص95
منشأ مفاجأتي الأساسية ليس حدة النقد بصورة كبيرة -رغم أن هذا كان تناقضًا مع ما أخذوه على الألباني مثلا والوادعي من حدة النقد- وإنما لأن الكاتبين بنقدهما الجماعي هذا.. قد خالفا توجهاتهما السلفية السابقة، فشعرت خلال قراءتي للكتاب بأنهما ينتقدان نفسهما، أو بمعنى أصح: كأن هذا الكتاب هو إعلان مراجعات فكرية لهما
**
كان على الكاتبين -وفق أصول البحث العلمي- أن يستعرضا الكتب والأبحاث التي تم كتابتها في نفس الموضوع قبل ذلك، وفي هذا المقام نشير لكتاب فقه الأولويات الخطاب السلفي المعاصر، الذي تمت الإشارة إليه منذ قليل، وأهمية هذا الكتاب أن صاحبه من الرموز السلفية ذات الثقل في الوسط السلفي، وأنه تعرض لنقد جوانب كثيرة اتسمت بها السلفية المعاصرة. وبالمقارنة بينه وبين الكتاب الذي نحن بصدده نجد الفرق في "الروح النقدية الإسلامية" التي سادت الكتابين، ووضوح نطاق البحث، وجلاء معايير النقد والتقييم؛ كل هذا لصالح فقه الألويات من وجهة نظري
**
لا أخفي استمتاعي بمباحث ليس فقط السلفيون هم الذين يحتاجون إليها وإلى تفعيلها؛ بل المسلمون جميعهم بحاجة ماسة إلى ذلك لتحقيق نهضة شاملة، فبالفعل يوجد لدينا تخلف علمي، سواء في العلوم الشرعية أو الإنسانية أو التجريبية أو غير ذلك
لكن هناك أمر شديد الأهمية أريد لفت النظر إليه بالنسبة لتأخر (السلفيين بصفتهم المعنيين بالبحث) في جوانب الاشتغال العلمي عمومًا، وهو أن الميزان السياسي ليس في صالحهم، وكما جاء في الكتاب أن هذا الميزان "من أكبر العوامل المؤثرة في انتشار المذاهب" (ص150)، وأن تأسيس دولة للسلفيين في العصر القريب - كما جاء في الكتاب - ساهم المساهمة الأهم والأعظم في ازدهارها (كما يرى المؤلفان ص218)؛ فسبب كبير في عدم وجود كفاءات نوعية وتفوق في المجال العلمي أو الإصلاحي أو المجتمعي.. هو عدم وجود مؤسسات قوية تدعم تلك الجهود وتنظمها وتستخدمها بشكل صحيح وفق خطط مسبقة، وإنما الحاصل هو جهود فردية ومؤسسية هزيلة مما يبعثر الجهود ويؤدي إلى كفاءات معدومة أو نصفية ويؤدي إلى ظهور وتصدر متعالمين وأنصاف متعلمين بل ومرجعيات دخيلة، إضافة إلى عدم وجود أدوات حاكمة تضبط الخلاف وتنظمه وتحسم الضار منه
وما يقال في الجانب العلمي يقال في الجانب الإصلاحي والجهادي والمجتمعي؛ لذلك لا يصح قياس السلفية المعاصرة وجهودها على زمن تقدم المسلمين الذي كانت فيه الخلافة (أو الدولة) تدعم العلم والجهاد والدعوة الإسلامية وسائر المجالات، وتقوم بتوظيفه وتمكين الكفاءات والحجر على من دونهم أن يتصدروا المنابر المحتلفة العلمية والجهادية والدعوية... إلخ
لذلك ستبقى هذه المشكلة قائمة ما دام المسلمون محتلين سياسيًّا وثقافيًّا، ومرصودة تحركاتهم ومحاولاتهم الانعتاق من ذلك الاحتلال القابع على صدورهم، ولكن هذا لا يعني عدم النقد، ولكن توجيهه في هذا الإطار العذري
لذلك كانت أطروحة الكتاب بضرورة عدم وضع الإصلاح السياسي ضمن أولويات وأهداف الحركات الإسلامية، في الحقيقة تزيد ما ينقده الكتاب ولا يقلله؛ فليس الحل هو الهروب ولكن الحل هو العمل على إيجاد الطريقة الأنسب التي تحقق الأهداف القريبة والبعيدة بما يناسب وضع كل حركة زمانيًّا ومكانيًّا
من الأشياء المتميزة في الكتاب الفوائد التاريخية التي تم إيرادها في مواطن مختلفة والتي تبعث الرغبة في تجنب ما تؤدي إليه مرة أخرى، كالاستطالة في العداوة عند الأمور الخلافية، واستعداء السلاطين على المخالفين لقربهم منهم، واضطهاد العلماء لمجرد مخالفتهم، سواء كان ذلك بواسطة الأشاعرة أو بواسطة السلفيين. وكذلك إيراد الأقوال لبعض الرموز السلفية المعاصرة والتي تشددت فيما وسع فيه الشرع أو اعتبر خلافه، مما أدى إلى تناحر لا طائل تحته وبعثرة لجهود كثيرة وأعمار، وكذلك الجزء الخاص بالعلاقة الرسمية لرشيد رضا وأنصار السنة ورموزها ومطبعتها ومحب الدين الخطيب ومطبعة وجريدة الفتح وأحمد شاكر بالسعودية والملك عبدالعزيز، وغيرذلك
**
من الأشياء التي عابت البحث: كثرة النقول في مواضع كان يكفي فيها نقل واحد للدلالة على المقصود، مع الإحالة على باقي النقول في الحاشية
وكذلك ظهور الكاتبين بمظهر "الوصي" على السلفيين، وهذا مخالف لأصول البحث العلمي الذي يجب أن يكون كاتبه متواضعًا في أسلوبه وفي عدم الجزم بصحة آرائه ونتائجه التي توصل إليها، وهذا ما افتُقد في مواطن كثيرة من البحث
ومن الذي يؤخذ على الكتاب ذكره أن السلفيين المعاصرين هم من أضافوا إلى اهتمامات السلفية: العناية بمسائل الحكم السياسية والموقف من الأفكار والنظم (ص42)، رغم أن هذا كان من صميم اهتمامات سائر المحطات السلفية التي ذكرها الكتاب. وأيضًا ما ذكروه من دعوى خطيرة بوجوب مراجعة "الاعتقاد" منذ عصر أحمد بن حنبل لأنها مجرد "نظر اجتهادي" (ص52)، وهي سطور كان يجب على المؤلفين أن يضربوا الأمثال العديدة عليها لبيان ما هذا البعض من العقائديات
ومن الملاحظات أن جودة المباحث -بغض النظر عن صحة النتائج- متباينة في الكتاب؛ فهناك مباحث في الكتاب تم إقحامها من أدبيات قديمة للكاتبيْن وخاصة سالم، وهو ما أدى إلى شعوري كقارئ باختلاف القوة الكتابية والتكرار في كثير من المواضع لكن بألفاظ مختلفة، وأدى ذلك إلى حضور الأسلوب الخطابي الذي لا يصلح في بحث علمي كهذا، إضافة إلى كونه خارج موضوع البحث. ومن الأمثلة على ذلك مبحث علوم العربية في الفصل الرابع؛ فهو مقال قديم عام ليس خاصًّا بالسلفية، لم يتم تحريره بنفس طريقة تحرير المباحث السابقة في الفصل الرابع والتي اتسمت في كثير من مواضعها بجودة الإحصاء والسبر. وكذلك مبحث العلوم الإنسانية، إضافة لما فيه من إغفال لعلوم مهمة كالتاريخ، وجهود بارزة كجهود الدكتور مصطفى حلمي الفلسفية من منظور سلفي واسع، وفقه تاريخي، وتأصيلات منهجية
أما الفصل الخامس فقد كان التطويل والتكرار والوعظ وحشوه بعدة مقالات قديمة على موقع فيس بوك وغيره -سمة بارزة فيه، وكذلك الخروج عن نطاق البحث (السلفية) إلى جماعات أخرى كالإخوان المسلمين، وتعميم يشمل جميع أطياف الإسلاميين. وكذلك وُجدت أخطاء معلوماتية عابرة؛ كتاريخ نشأة داعش في 2015، وكون زهران علوش هو قائد الجبهة الإسلامية في سوريا، وكذلك اضطرب الكاتبان عندما قارنا بين داعش والوهابية من وجهة نظري اضطرابًا ظاهرًا (ص539-541) يخالف ما ذكروه من قبل في نقد الوهابية في السطور السابقة
هناك أمور هامشية لم أحبها في أسلوب الكاتبين؛ كقولهم مثلاً (ما يُعرف بالصحوة الإسلامية) مع عدم استخدامهما ذلك عندما تحدثوا مثلًا عن الوهابية والتيمية والألبانية، مما يُشعر بشيء من عدم الاعتراف بهذه الصحوة ككل، وكاستخدامهما لمصطلح السرورية وهو المصطلح الذي تقريبًا أنكره جميع من وُصفوا به، بل وأنكروا وجود معنى له أصلًا
كنت قد كتبت ملاحظات وتعليقات أكثر على الكتاب خلال قراءتي له، ولكن أكتفي بهذا القدر، وعلى من يريد المزيد مراجعة ما كُتب حول الكتاب، خاصة المقالات البعيدة عن الاتهامات
---------- التعديل والإضافة الأخيرة تمت يوم الجمعة 13/10/2017
----------
1- موضوع الكتاب من المواضيع النادر التأليف فيها ، تعودنا دائما أن يأتي النقد من المختلف باختلاف مدارسه واتجاهاته وليس من أبناء المدرسة نفسها ( خاصة في حالة السلفية المعاصرة ) ، وأيضا إما أن يأتي بأسلوب تشويه للإتجاه الإسلامي بشكل كامل وعام أو يأتي بنوع من المداراة والملاطفة والنقد السطحي دون التفريق بين سلفية وسلفية ودون التفريق بين رمز ورمز آخر ، ودون أدنى مراعاة لتطور السلفية نفسها ودون الـتأريخ لتحققاتها التاريخية والفروق بينها ، كم أحترم النقد الذاتي وأشجعه لأنه يتسم بميزة هي كون قابلية التعاطي معه كبيرة نسبيا بالمقارنة مع النقد الذي يأتي من الخارج ( الذي عادة ما يتم التعامل معه على أنه نوع من المؤامرة غايتها الهدم ) و ما يؤكد هذا ، الصورة التي جاء فيها نقد الكتاب وإن كانت هناك تجاوزات في النقد إلا أني لاحظت أن النقد السلفي للكتاب لم يكن بالصورة الشائعة التي تتسم بها ردة الفعل السلفية .
2- الحكم على الشئ فرع من تصوره . الكتاب أيضا ليس فقط نقد للسلفية فهو تأريخ للسلفية كأفكار وتحققات تاريخية . أيضا وهذه إيجابية كون الكتاب لا يقدم النقد دون الإرتكاز على التأريخ للأفكار ، فأي نقد يأتي للكتاب لابد أن يرتكز أيضا على النقد للطرح التاريخي الوارد في الكتاب أو نقد طريقة التحليل وكل ما يخرج عن هذا الإطار هو مجرد هراء لا أكثر ، المفهوم الصحيح للسلفية ما هو ؟ وهل التحققات التاريخية للسلفية واحدة متطابقة ؟ وهل وجد تحقق تاريخي للسلفية يطابق جيل الصحابة بالضبط ؟ وهل السلفية مجرد مضامين معرفية من حازها فهو سلفي ؟ .
3- تقييمي للكتاب لا يعتمد على المدرسة التي أميل إليها وهم الأشاعرة والتنويريين ولو قيمت على هذا الأساس لخضت سجال طويل مع المحتوى لكن التقييم يأتي لقتناعي بما جاء في الكتاب من نقد موجه من سلفي إلى سلفي مثله ، وهذا لا يعني توظيفي للكتاب في مناوءة من لا أقتنع بطرحهم وإنما محتوى الكتاب هو منطقة تقاطع بين المختلفين .
4- الكتاب ليس فقط إلقاء حجر في بركة راكدة بل هو إلقاء طن من الحجارة ، حتى أن القارئ يتساءل هل بقي في هذه البركة ماء ؟؟!!!
5-البعض قد يعترض على الكتاب كونه لم يقدم إجابات شافية ووافية ، لكن ليس شرطا أن نخاف من السؤال كوننا لا نمتلك الإجابة ، فكجرد طرح السؤال هو مقدمة لتقديم الجواب ، ليس هناك هناك كتاب كامل (عمل بشري ) يقدم إجابة نهائية وهذا لا يقدح بأي عمل بشري مهما بلغ من الإتقان ، النقد ليس إغراقا في التنظير وليس كلاما نظريا فقط لا غير ولا يكفي أن يكون تشخيصا للمشكلة بل يحتاج إلى طرح بديل والخطاب المتبنى في الكتاب ليس عبثيا وليس رميا للأسئلة في الهواء فهو يعرض جذور الأفكار ويطرح السؤال ويقترح إجابة لكنه لا يكتفي بذلك بل يترك الباب مفتوحا لتقديم الإجابات .
6- هذا في النهاية عمل بشري وشأنه شأن غيره لابد من وجود أخطاء أو قصور معين أو سوء تحليل وغير ذلك من أوجه القصور ، لذا ضروري الإطلاع على النقد الموجه للكتاب حتى تكتمل الصورة ويحاكم الكتاب على أساس هذا التكامل بين الكتاب ونقده .
7- (ما يجب مراعاته أثناء القراءة ( وهذه النقاط جاءت متفرقة بين صفحات الكتاب :
1.هناك اعتراضات على تسمية الكتاب وتركيز على العنوان الرئيسي دون الإلتفات إلى العنوان الفرعي ؟ وطرح سؤال حول عنوان الكتاب واتفاقه مع المحتوى كون أن الفصل الأخير الذي أخذ عنوان الكتاب لا يزيد عن 25 صفحة . لكن إحدى المؤلفين أجاب في مقابلة له أن الفكرة ليست بالعنوان ولا تقف عند الإسم بقدر ما هي محاولة لمعرفة وتسليط الضوء على مشاكل السلفية المعرفية وأوجه القصور في الطرح السلفي المعاصر ، فمحتوى الكتاب بأكمله يدور حول هذا العنوان ، وإثبات أن هناك عملية أفول ويطرح الكتاب تصورا لمرحلة ما بعد الأفول . ولاحظت كمتلقي الوحدة الموضوعية للكتاب . وهنا أعرض الصفحات الخاصة بتفسير المابعدية المقصودة فالأفكار لا تموت .
2.قضية التعميم والتي جاءت ردود كثيرة حولها ، يوضح المؤلفان عدة نقاط بخصوص التعميم الوارد في الكتاب ، وهذا الأمر يجب الإنتباه له عند التعامل مع أي تعميم :
3. موضوع التصنيف ، فهناك اعتراضات على التصنيف عادة بأنه نوع من التفرقة وخلق النزاع وهذا الكلام لا ينطبق على كل تصنيف فلابد من مراعاة الآتي بخصوص التصنيف :
وفي موضع آخر في توضيح الفرق بين التصنيف المعرفي والعقدي
وفي موضع آخر بخصوص التصنيف
4.النسبة والتسمية إلى مرجعية معينة .
**********
مراجعتي على هذه الورقة العلمية بخصوص الفرقة الناجية وحديث الإفتراق تبين المعنى الذي تبناه الكتاب لحديث الإفتراق .
البعض قد يظن ان الإشارة للمراجع لا حاجة له كونها موجودة في الكتاب لكن أبرر إيرادها هنا لعدة أسباب : 1.النسخة المصورة لا تحتوي على قائمة بالمراجع . 2.كون بعض الكتب التي أشرت إليها في القائمة لم تكن مرجعأ في محتوى الكتاب وإنما تم التطرق لعناوينها للإستزادة أو تم ذكرها فقط للإشارة إلى بعض المسائل. 3.القائمة ضرورية للتوسع والإطلاع على مواضيع مهمة جاءت في الكتاب وللتحقق من صحة الإقتباس من هذه الكتب دون اجتزاء أو بتر . 4. هذه النقطة الأهم وهي إدراك أن الكتاب لم يكن عالة على كتب أخرى في نقد السلفية فالملاحظ من قائمة المراجع أنها من التراث والنتاج المعرفي السلفي بتحققاته التاريخية المختلفة فهو تعامل معها كونها مادة خام للنقد والتحليل وهذا يعطي قيمة كبيرة للكتاب .
وهذه قائمة بأسماء الكتب .
-----------
تكملة المراجعة فيما بعد في أقرب وقت ممكن وهي بخصوص النقد ومناقشات الكتاب .
الكتاب إجمالاً من أفضل الكتب التي وجّهت نقداً للسلفية المعاصرة لا من باب النقد الحدّي الصفري (وهو ما يُعدُّ نقضاً لا نقداً) والضارب في الأساسات المعرفيّة للتيارات قيد النقد، بل هو نقدٌ موجّه من داخل الصفّ.. وهو نقدٌ صادق متخوّفٌ لو أدرك المعترضون من السلفيّة هذا بدلاً من سدّ الآذان وعُلوّ الصوت وتجفيف منابع النقد بالطعن في شخوص الناقدين (كعادة التيّارات الإسلاميّة المعاصرة للأسف).
1. يمتاز الكتابُ حقيقةً بالتدرّج السلس في سرديّته ووضوح بناءه مما يعدُ ميزةً لشتّى أنواع قرّاءه حتّى ممّن لم يعلموا شيئاً عن السلفيّة (إن افترضنا ذلك)..
2. أعجبني جدّا محاولة إيضاحه لمعنى الكتاب بإزالة اللبس عن معنى "الما-بعدية" وهل هي ما بعدية ناهية أم ما بعدية التجديد والانزواء إلى أن يحين وقتُ تحققٍ آخر.
3. كنتُ أودُّ، رغم إشادتي بهذه النقطة قبلُ، ألّا يطول الحديث عن السلفية وطرقها وتحقيقاتها المختلفة وألّا يتأخر ورود فكرة الكتاب الرئيسية إلى ما يقاربُ الثلث الأخير منه ممّا قد يصيب القارئ ببعض الملل واستشعاره بأنّه كتابٌ تأريخيّ عن السلفيّة وتحققاتها التاريخية.
4. وككلّ كتاب تقرأه فيعلّمك شيئاً فما أفادني هو رؤية ابن تيميّة الأكثر تسامحاً والأكثرُ تقبّلاً للخلاف عكس ما شاع عنه وما رأينه فيمن يدّعون الانتساب إلى منهجيّته فحسبه يقول "أمّا الاختلافُ في الأحكام؛ فأكثرُ من أن ينضبط، ولو كان كلّما اختلف مسلمان في شيءٍ تهاجرا؛ لم يبق بين المسلمين عصمةٌ ولا أُخُوّة" وهذا ما أكّد عندي أنّه مفترىً به وعليه (بحسب تعبير د. يوسف زيدان في خضمّ حديثه عنه في سلسلة مقالات "منارات الحكمة العربيّة") والذي يمكنكم الرجوع إليه لمزيدٍ من الاستزادة في الرابط التالي:
5. وجدتُ فكرة التعدد المذهبي وانتقاء ما يتوافق من المذاهب مع الكتاب والسنّة إذا ثبُت الدليل فكرةً وجيهة تماماً فهي بذلك تقضي على الجمود والتحزّب لرأي إمام بعينه مما يُعدُّ، لو أُحسن استغلاله، عاملاً مساعداً من عوامل لملمة الشتات والقضاء على الفرقة والتشظّي فيقول ابن تيمية في هذا قولاً وجيهاً ونصّه "وأمّا أن يقول قائلٌ: إنّه يجب على العامّة تقليدُ فلان أو فلان فهذا لا يقوله مسلم. ومن كان موالياً للأئمّة محبّاً لهم يقلّد كل واحدٍ منهم فيما يظهر له أنّه موافقٌ للسنّة؛ فهو محسنٌ في ذلك. بل هذا أحسنُ حالاً من غيرهِ ولا يُقال لمثل هذا مذبذبٌ على وجه الذمِّ". وهذا ما يقودنا إلى مفهوم "الاقتداء" وهو ما يتنافى و"التقليد" من حيثُ كونه اقتداءاً غير مشروط وهو مذمومٌ بطبيعة الحال مؤدٍّ إلى التحزّب.
6. تداعيات النزعة الظاهريّة والاستدلال بظواهر النصوص على المسائل ومنها واضحٌ جدّاً في مسائل مثل (الأخذ من اللحية، وإسبال الثوب، وعند بعضهم في تحريم الصور الفوتوغرافيّة... إلخ) إلّا أن هناك افتراق للتيّار السلفي عن الظاهريّة في اثنتين وهما (الميل للتحفّظ والتحريم و افتقار الاشتغال السلفي في الفقه إلى الأدوات التي امتلكها ابن حزم، رحمه الله، من منطق وسعة علمٍ بالآثار ومواضع الاختلاف والإجماع).
7. يُلاحظُ أيضاً تفوق وتميّز فقهي سلفي فيما يخص التعاملات المالية والمصرفيّة بما يتخطّى حتى الأزهريين لكن يبقى هنا تساؤلٌ وهو: هل توجد علاقة بين ما ذُكر آنفاً وبين ما أشار إليه كارل ماركس من العلاقة بين البنية التحتية (الأنساق الاقتصاديّة وما يتولّد عنه من قوى إنتاج وعلاقات إنتاج) وبين البنية الفوقية (الأيديولوجيا، الأخلاق، الفلسفة، والحقوق.. إلخ)؟!.
8. قلّة الاهتمام ببعض علوم اللغة مثل البلاغة والصرف ودونهما بمراحل الأدب والتقصير في تناول المجاميع الأدبية الكبرى مثل الأغاني للأصفهاني، كذا استياء بعض السلفيين من كثرة استشهاد ابن كثير بأبيات شعريّة غزليّة في سياق التفسير. 384
9. قلّة عناية السلفيين بالعلوم الاجتماعيّة ومنها السياسة ( ما ظهر أثره، ويظهر، جليّاً في تناولهم للوقائع السياسيّة وبعد بعض فتاواهم عن استيعاب الواقع استيعاباً تامّاً مما يجعل هناك انفصال بين الفتوى وبينه.)
10. سجّلتُ اعتراضاً، أو هو استشكال أو استفسار، خلال تفكيكه لمنطق الممتنعين عن ممارسة الديموقراطيّة تحريماً من باب عدم المشاركة في الكفر الذي هو جعل التشريع في أيدي الناس في المقابلة لتشريع الله وذلك بإقراره أن الديموقراطيّة مركّبة لا بسيطة كما ادّعى المعترضون (وذلك في أمر المساواة بين المسلمين وغيرهم وبين الرجل والمرأة في التشريع وجعله في جانب الديموقراطيّة الكُفْريّة).. لكن أليس في هذا مخالفة لما طرحه الأستاذ فهمي هويدي، وخصوصاً في المساواة بين المسلمين وغيره في الدولة، في كتابه "مواطنون لا ذمّيون"؟!
11. الكاتبُ في خضمّ تفكيكه لاعتراضات المعترضين على البرلمان والتحزّب يثير من جانبنا اعتراضات، أو قُل تساؤلات، على المنطلقات والسياقات التي انبنت عليه تفكيكاته تلك.. فهو يشترط "التقوى والدين" في أعضاء البرلمان.. واعتراضنا هنا ليس على المبدأ، فالمبدأ حسنٌ جدّاً إذا ما تمّ تطبيقه لكن الـ"كيف" هو المشكلة.. كيف سيتمّ التحقق من شيئين هما باطنييّن بالمقام الأوّل؟!.. كيف سيتمّ الاطّلاع و، من ثمّ، قياس تقوى المرشّحين لتلك المجالس ثم الحكم على صلاحيّة أحدهم عن الآخر بِناءاً على ذلك القياس؟
12. استكمالاً للنقطةِ السابقة، يبقى لدى الكاتب ردٌّ وجيه على الممتنعين على مسألة الأحزاب وهو كما قال "ومحلُّ الإشكال في تلك النظرة: التسوية بين التفرّق في الدين والتفرّق في العمل السياسي. فإنّ المباني الاستدلاليّة الكبيرة التي يستدلُّ بها المانعون، على ذمّ التفرّق والتحزّب كلها في التفرّق في الدين"
13. انكشاف الأصل السياسي في اعتراض الدعوة السلفيّة بمصر على المشاركة السياسيّة (التزامهم بالصلابة الأيديولوجيّة قبيْل الثورة، ثم انفتاحهم على المشاركة السياسيّة بعدها بل والتأصيل الشرعي لهذا الانفتاح وصولاً إلى استغلال معارضتهم الشديدة للإخوان خلال حكم الرئيس السابق محمد مرسي واتفاقهم مع قوى 30 يونيو المدعومة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة لخلعه) وهذا ما يقودنا إلى النقطة التالية.
14. صرّح الكتاب بأنّ اللجوء إلى كثرة الاستشهاد بأقوال برهامي والشحّات هو كثرة ما كتبوه وما قالوه لأنّهما كانا هما أبرزّ منظّريْن للرؤية السلفية بمصر.. إلا أنّ كثرة الاستشهاد هذه تتحوّل إلى نقد موجّه إلى برهامي لا نخرج منْه بشيْء ذا فائدة فيما يخصّ موضوع الكتاب نفسه أو ما تناوله هذه الباب من نقدٍ للسلفية الممتنعة عن السياسية (شرعاً أو مصلحةً).. باختصارٍ، فقد أطال الكتاب في هذه النقطة ولا أقول أنّه أخطأ.. المشكلة، ومن وجهة نظري المتواضعة، فقط تقع في احتمالية انجراف القارئ وتشتتّه قليلاً عن موضوع الكتاب.
15. ما يؤكّد النقطة السابقة هو ما يذكره الكتاب تالياً حيث يقول (فلا ترى بعد ذلك عجباً في أناس آخرين كانوا في شبابهم جنوداً في جماعاتٍ تعمل من أجل الإسلام، بل وأقسموا وبايعوا على ذلك، فلما وصلوا إلى ما رغبوا فيه من السلطان والجاه والملك صاروا سيوفاً مسلّطة على أمّتهم ورفقاء طريقهم، بل صاروا أداةً طيّعةً في أيدي أعداء دينهم وملّتهم، وبلاءً على شعوبهم أذاقوهم سوء العذاب في سبيل تنفيذ مخططات الأعداء طالما بقوا في كراسيهم.) وأنا إذ أؤكّد على خطأ ورود هذا النقد في الكتاب من باب الخروج على منهجيّة النقد وهدفه إلّا أنني ألتمس كلّ العذر للكاتب.
16. ذكر الكتاب لكثيرٍ من مثالب الحركات التنظيمية الهيكلية. وقد أصاب حقيقةً في كثيرٍ منها إلا أنّي أزيدها، من وجهة نظري البسيطة، عيباً إضافياً في سياق المعارضة السياسية للأنظمة الاستبداديّة وهو قابليّتها للكسر بعكس الدعوات اللامركزية.. فكلما ازدادت حركةٌ ما في لا مركزيّتها، كلما زادت صعوبة اختراقها وكسرها وأصبحت أكثر قابليّة لتصحيح أخطائها عن تلك التنظيميّة الهيكليّة القائمة على السمع والطّاعة.
17. في خضمّ تناوله للرؤية القطبيّة، يطرح المؤلّف عدّة أسئلة وجيهةٌ ومنطقيّة فرضتها لغة قطب في كتاب المعالم الشهير نورد منها، على طوله، الشاهد التالي "فعباراتٌ ضبابيّةٌ من نوع لابد من الأخذ بأسباب القوّةِ = لا تحلّ شيئاً، لأنّ بناء تصوّر إصلاحي على إمكان إقامة مجتمع مسلم بين يدي خصم بينك وبينه قرون دون توضيح ما هي هذه القوة التي تبلغنا هذا وكيف يمكن تحصيلها = يجعل الكلام شعاراً حالماً أكثر من كونه تصوراً إصلاحيّاً، وهو لا يختلفُ كثيراً عن شعار سنقذف إسرائيل في البحر". وبالتالي فالمسألة كما هي. كيف سيقوم المجتمع، ومن سيسمح لك؟ إن عدم جواب السؤال سيترك التصوّر القطبي في نفس المنطقة التي يقف فيها التصوّر السلفي عن التصفية والتربية التي تُنتج الخلافة = مجموعة من التصوّرات المجرّدة الخياليّة" ص 536 - 537
18. يورد الكاتبُ تساؤلاً جريئاً وصادماً وشجاعاً على وقوع السلفيّة الجهاديّة في أخطاءٍ متكررّة تجعلها منعزلة عن الناس مستعلية متساهلة في عدم الرفق بالمخالف ومتّصفةً بالحزبيّة المقيتة قد ورد على لسان أحدِ قادةِ أحرار الشامِ أبي أيمن الحموي ونصّه كالتالي "هل سُرقَ ((المنهج)) في كلّ مرّة؟!" بما يحمله ذلك السؤال من إشارة إلى خطأٍ بالمنهاج نفسه مدلّلاً على ذلك بحالة حركة "طالبان" الحنفيّة التي ابتعدت عن ذلك المنهاج السلفيّ القتالي والتحمت بالناس وتمكنت من دحر جحافل المعتدين على أفغانستان.
19. نقد الكتاب للاتجاه السلفيّ الثوريّ والذي أُجمله في أنّ الاعتقاد بفكرة التغيير السلميّ وحده يعدّ ضرباً من السذاجة والإفراط في المثالية، والتي أعترف أنّي كنت مستغرقاً فيها حتّى وقت قريب، وكيف أيضاً أنّ ذلك الحراك السلميّ هو مسار من عدّة مسارات تدعم مسار القوّة وتوجّه قرارته ولا تغني عنه ثم تعليقه على الإصلاح الثقافي عند السلفيّة باتجاهيه المحافظ الكمونيّ والانفتاحي وتوجيه انتقادات إلى مفهومي التصفية والتربية وبعض الشعارات السلفيّة من حيث أنّها مفرطة في الطوباوية والمثاليّة ومن حيث انعزالها عن الواقع.. والجيل النقيّ المثالي الذي لم ولن يوجد أبداً.
20. وفي إطار النقد الموجّه لفلسفة تناول النصّ الأصلي والرجوع إليه دون تأويل ولا أدنى اشتغال من ناحية القارئ له يستعين الكاتب بما قاله د. طه عبد الرحمن في هذا الموضوع "السلفيّ الداعي إلى الرجوع إلى النصوص الأصليّة، يرى أنّه بالإمكان أن تتمّ قراءة النص بدون تأويل ولا أدنى تصرّف من لدنّ القارئ، في حين أنّ هذه الدعوى تخالف طبيعة الخطاب اللغوي..." والشاهد بأكمله في غاية الأهمّية. يمكن الرجوع إليه في آخر ص 570 وبداية ص 571
21. بعد تقدمة لنظرة كلا من التيارين السلفيّ الحركيّ والجهاديّ للغرب يقدّم لنا الكتاب نقداً جيّداً لتلك النظرات وتفكيكاً داخليّاً لها من حيث المنطق.. نذكر له أيضاً نقده للنرجسية الرابضة في أعماق الإسلاميين عن جهوزية الحل البديل لأطروحات وأفكار وأنظمة الغرب الفكرية فنذكر له جزءاً من مقولته ".. فلا يمكن حل المعضلات المعاصرة بمجرد الاقتباس الساذج من نصوص الوحي أو التراث، دون تفعيل ذلك بجهد بحثيّ جاد، بأدوات المعرفة الصحيحة، والملائمة للمجالات المعرفية المختلفة. فضلاً عن أن نفس الفهم لشمولية الوحي لا يستلزم النصّ، أو حتى الدلالة الواضحة على كل أمرٍ من أمور الدين والدنيا..." يستمرّ الشاهدُ وصولاً إلى قوله "... فتصوّر الصحوي الذي يكتب رسالة صغيرة يتصور أنّه يهدم بها الأسس الفلسفية للعلمانية، أو الحداثة، أو الشيوعيّة، بمجرّد الاستناد الساذج لنصّ الوحي وبعض التأصيلات التراثيّة، دون شغل معرفي موائم لتلك المجالات" ص 591
22. الكاتب الكريم في خضمّ نقده لما يوجهه بعض الإسلامييّن، أو قل جلّهم، من نقدٍ إلى الحضارة الغربيّة يذكر بعض الأخطاء التي وقع فيها اثنان من أشهر النقاد لها وهما أ. محمّد قطب والشيخ سفر الحوالي لينطلق إلى إقرار قاعدة لطالما اقتنعتُ بها ورأيتها في التيار الإسلامي عموماً لا السلفيّ فقط وهي الانتقائيّة في العزو إلى مصادر النقد واختيار ما يتوافق والرؤية التي ينطلق منها الناقد فيما يُعدّ مظهراً من مظاهر الأدلجة بامتياز.
23. ثم ينتقل الكتاب إلى تناول علاقة السلفيين بالمجتمع وكيف أنّ كثيرٌ من الشباب السلفيّ يجد لذّة في فرض عُزلةً بينه والناس مع وجود شيء من التعالي والشعور بالتميّز منطلقها نظرته إلى الناس على أنّهم غير ملتزمين.. على ما في ذلك من تعارض مع قوله – ص – "الذين يَألفون ويُؤلفون"
24. سعدتُ كثيراً باتفاق ما قاله الكاتب معي على أنّ النظرة الملتزم لغير الملتزم يُنبغى أن تكون نظرة إشفاق وخوْف لا نظرةَ استحقار واستعلاء واشمئزاز مما يجعل الداعية أكثر قرباً للناس والتحاماً بهم.. وقد فسّر لي الكاتب، جزاه الله كلّ خير، ظاهرةً كانت تحيّرني وتُغضبني كثيراً وهي ظاهرة تجاهل إلقاء السلام من أصحاب اللحى عليّ إلا إذا كنتُ بصحبة ملتحٍ آخر فيقول متحدثاً عن بغض كثيرٍ منهم لغير الملتزم "كثيرٌ من الظواهر السلبية عند السلفيين تدلُّ على الأمر نفسه، مثل تخصيص وتحرّي الملتحين والمنتقبات – بالنسبة للنساء - بالسّلام".
25. أعجبني قول الكاتب حين يقول "والخطأ العظيم = هو جعل منظومة المفاهيم والأفكار – وإن كنتَ تعتقدُها الدين ومذهب السلف – حقيبة دعوية، وتطلب أن يحفظها كل الناس" وهذا البابُ يعدُّ، هو والسابق، من أفضل أبواب الكتاب من حيث الأفكار والنقد الموجّه بداخله للخطاب السلفيّ المعاصر.
26. ينتقلُ الكتاب إلى أخطر فصوله لما فيه من تنبّؤ خطير بأفول السلفيّة المعاصرة، وباعتقادي أنّ هذا ما قد جلب عليه الكثير من الضجيج والصخب واللغط بل والاتهامات العديدة. فيعدد العوامل التي، إن استمرّت ومن الواضح أنّها ستستمر، ستساهم في أفول السلفيّة وإزاحتها من مركز الحراك الإسلامي مرّة أخرى إلى الهامش بعد فترة ازدهار قاربت على النصف قرنٍ من الزمان.
27. 1- التفرّق (تشظّي السلفية إلى سلفيّات عدّة تتناحر فيما بينها وينفي كلّ منها عن الآخر سلفيّته).. 2- فقدان الأجوبة لصلاحيتها أو جاذبيّتها(مما أدّى إلى بحث العديدين إلى تلك الأجوبة عند تيارات أخرى سواء كانت أشعرية، والتي اشتغلت على نقد مناطق الضعف في التيّار السلفي، أو تنويرية إصلاحية تتجاوز الحد السلفي لكنّها دون الحدّ العلماني).. 3- الفقر الرمزي (أو نضوب منبع ال��موز السلفيّة وهو مرحلة غياب تام للرمز الذي يرأب الصدوع بين حركات السلفيّة المختلفة بما يعمل على تجميعها كلها تحت راية واحدة وإن وُجدت الخلافات أمثال العلماء الثلاثة الكبار المشاهير "ابن باز، والعثيمين، والألباني"، رحمهم الله، ومحاولات غير موفّقة لتصدير رموز أخرى لرأب الصدع وتوحيد راية السلفيّة والتي يغلب عليها، أي تلك المحاولات، الفردية والتحيّز لأصحاب الفرقة السلفيّة التي تصدّرهم).. 4- قنوات الدعم وعوائق التدفّق (يتلخّص الأمرُ في غياب أسس دعم ذاتيّة تحمل الهمّ السلفيّ وتعمل على نشر دعوته، وكل الاعتماد على الدعم المادّي من بعض صغار رجال الأعمال أو دعم الشبكات السلفيّة بالعالم العربي وهو دعمٌ غير كافٍ نوعاً ما).. 5- تحوّلات السلطة
28. هذا الكتاب الممتاز، وأنّى لي أن أُنكر امتيازه، قد أكّد عندي فكرةً قد كنت أدور حولها كثيراً، وهي أنّ كل جماعة تتبنى أيديولوجيا ما لا بد لها من يوتوبيا ما مُتخيّلة "ما ينبغي أن يكون" وهذا الأمر موجودٌ ومتحققٌ حتى على مستوى الدولة نفسها.. وكلّما زاد الفارق واتّسع بين "ما ينبغي أن يكون" و "كيفية تحقيقه ووعيه بما هو كائنٌ" كلّما زادت سُرعة انهيار تلك الأدلوجة، وبالتالي، الجماعة التي بُنيت على تلك الأدلوجة.. التماس الواقع وأخذه في الحسبان، ولا أقول عبادته وتصنيمه، وخيطٌ رفيع بين هذه وتلك، هو ما سيكفل قابليّة جماعةٍ ما على الاستمراريّة والوصول والاقتراب قدر الإمكان من "ما ينبغي أن يكون".. مع الإدراك التامّ والقارّ في الوعي الجماعي لأفراد تلك الجماعة بأنّ "ما ينبغي أن يكون" لن يكون أبداً بقدر ما هو محاولة اقتراب منه..
انقضت صفحات الكتاب على طولها النسبيّ.. وانقضى آخره بأسرع مما انقضى به أوّله.. كل ما يسعني قوله الآن هو أنّه كتاب عظيم يستحقّ المتابعة والاهتمام.. أُعدّه حجر أساس لبناء نقدي متكامل يجدد ثوب السلفيّة ويجعلها أكثر ألقاً وتآلفاً مع الواقع..
أنهيت قراءة هذا الكتاب المهم والمثير للجدل للمؤلفين الفاضلين أحمد سالم و عمرو بسيوني وخرجت منه بخلاصات كثيرة ليس هذا موضع بسطها لكن أكتفي ببعض النتف: 1- حسنات الكتاب وهي كثيرة بل هي بحر يغمر قطرات سيئاته: قرأت الردود الكثيرة على الكتاب قبل الشروع فيه جعلتني أعتقد أنني سأقرأ كتابا ضاربا ثوابت الدين ناسفا لأصوله وبعد القراءة تبين أنها لا تعدو أن تكون ردود أفعال معتادة بين المختلفين من حاملي الأفكار ومنتحلي المذاهب.. أتعجب من تهجم كثير من طلبة العلم على هذا الكتاب بالرغم من أنه يحوي كثيرا من الحق الناصع والفقه العظيم والنظرة الثاقبة والاطلاع الواسع؛ والمتعين على المشتغلين بالمعرفة الشرعية تطلب الحكمة وجعلها ضالتهم وإن من مخالف في الديانة، مابالك والظن بالمؤلفين أنهما من خدام الإسلام المنافحين عنه.. كتاب عظيم الفائدة و شكل رجة كبيرة للسلفيين لأنه جاء في وقت غير مناسب في نظرهم.. فصول الكتاب أعجبتي لاسيما الفصل المتعلق بالعمل الفقهي عند السلفيين وأوافق المؤلفين الرأي في أن السلفيين عموما فقراء فقهيا (لا سيما حاملوا لواء اللامذهبية)، ويتبجحون كثيرا بالأحوط والدليل واتباع الراجح وفي ذلك تهافت كبير واضح لكل من شم رائحة طلب العلم.. كون أكبر مزالق الدعوة السلفية المعاصرة ذمهم وابتعادهم عن الاشتغال بالفقه المذهبي = رأي صواب جدا.. الفقر المعرفي لدى عوام السلفيين بالرغم من كثرة تبجحهم بالعلم وطلبه كذلك مسألة مهمة ناقشها الكتاب.. الفقر في العلم الآلي كذلك شعار عموم السلفيين لاسيما اللامذهبيين منهم بخلاف المعتنين بالفقه المذهبي.. السلفيون ومعضلة الإصلاح فصل مهم كذلك لأنه يرصد حقيقة يعيشها السلفيون، وأحداث الربيع العربي خير كاشفٍ لها مبدٍ لعوارها والنموذج السلفي المصري أبين نموذج.. غالب ما ذكر عن الدعوة النجدية والسلفية الألبانية وتيار الوادعي اليماني والمدخلية (رحم الله الجميع أحياء وأمواتا) في مسائل الفقه وغيره صواب وحق.. هذا وإن الكتاب نافع جدا لن يضيع وقت طالب العلم والإنصاف في النظر فيه إن شاء الله.. 2- سيئات الكتاب: الكتاب مليء بالأخطاء المطبعية ويبدو أنه لم يعط له الوقت الكافي للتنقيح والتصحيح وأخرج للطباعة قبل الأوان.. لا ينبغي التدثر بالتأريخ للأفكار للتنصل من مسؤولية توقير أهل الفضل والعلم بل توقير المسلم عاميا كان أو عالما لاسيما من باحث في العلوم الشريفة.. بالرغم من تردد التأريخ للأفكار على لسان المؤلفين على طول الكتاب إلا أن ذلك لم يمنعهما من ذاتية واضحة.. الحكمة والرفق في إيصال الحق مطلوب.. الفصل الأول في نظري والمتعلق بمسائل الفرقة الناجية والطائفة المنصورة لم يحرره المؤلفان تحريرا وافيا كافيا شافيا .. وختاما بارك الله في المؤلفين وأصلح نيتهما.. وأنصح طلبة العلم بقراءة الكتاب..
مدخل: "السلفية منهج يطلب، وليست حقيقة تحاز". ما اطلعت عليه هنا أقرب لأن تكون روحه روح كتاب من تأليف: جيمس بونابرت أو جون أليكسي أو مالكم ستيوارت، فالكتابة وصفية من الخارج، وهو أمر يصعب غالبا تطبيقه لمن يقع داخل الصورة فكيف بمن يشير إلى النقاط العمياء وهو داخل الإطار.
بعيداً عن دقة وصحة ما ذكر، أنا هنا أرفع القبعة للكاتبين، لجرأتهما في تناول موضوع حساس، وتأريخ حقبة معقدة، ويصعب وصفها لمن بالداخل، ولا يخلو من ملامسته لعدة خطوط، أحييهما على الشجاعة، إذ الكاتب "الإسلامي" يميل غالبا للكتابة الفكرية عن موضوعات خارجية لا تمس معتقدات وأفكار بني قومه، ويضمن بها تصفيق الأخ والصديق، ويشعر بالرضا عن نفسه، أما الكتابة عن مثل هذه المواضيع، فلا يورث غالبا إلا الجدل من العزيز، والعتب من الصديق، والاستدراك من هنا وهناك، مما يستنفذ جهد الكاتب وهمته، ولا يحول بينه وبين الرضا سوى صدق النوايا في هكذا مواضيع (وقد وقعا بالفعل على ما يوجب الاستدراك والتصحيح، إلا إنني أظن أننا بحاجة لهذه الأخطاء لتحسين وتجويد الكتابة مستقبلا، ولشحذ الأقلام في التمحيص والنقد، فنخرج من ذلك بحصيلة نافعة، عوضا عن الطبطبة على المريض عوضا عن علاجه). والحق أننا وفي أي مجال بحاجة لهذه "الحلحلة" والمساءلة الداخلية ما بين الفينة والأخرى، للتوقف قليلا وتقييم المواقف ومعرفة مواقعنا من الخريطة.
من حيث المنطلق، أعجبني انطلاق الكاتبين من تأسيس القول بأن السلفية ليست مجرد مضامين معرفية، من حازها فهو سلفي. وهو تنبيه يكشف عن الرؤية التي يتبنيانها، وبها ينبهان إلى المزلق الذي وقعت فيه السلفية، ومساءلة الأسس النظرية لمقولاتها مثل: "كتاب وسنة بفهم سلف الأمة" بسؤالات مثل: "هل هي مبرهنة عقلا ونقلا، أم مجرد مسلمة أيدلوجية؟". من المقدمة، يضع المؤلفان توضيحا إجرائيا للمفاهيم المفتاحية للكتاب، فالـ"ما بعد" البارزة في العنوان، تقرأ بصفتها تجليا جديدا وتفسيرا مختلفا، لا سالبا، لما يجيء بعدها، أو: كيف تبدو لنا السلفية اليوم بعد كل عوامل التشظي الداخلية، والغلبة وحصار القوى الخارجية والضغط المتنوع عليها، في سلسلة من المتغيرات التي تفرض عليها إما أن تعيد بناء نفسها أو أن تتحلل، لتنتج "سلفيات صغرى" تستمد قواعدها من هاهنا وهنالك. وبعد استعراض السلفية من ناحية المصطلح والمفهوم تعرضا لأهم تحققاتها التاريخية وصولًا إلى حقبة نشأة السلفية المعاصرة وازدهارها، وذلك في الفصول الثلاثة الأولىٰ. والحق أن النصف الأول من الكتاب كان ضروريا للمهتم بتتبع تاريخ الأفكار، قبل معالجة الواقع وإشكالاته المجتمعية. وتبرز أهميته في لفت الأنظار لسبب قوة وحضور بعض الأفكار والمقولات السلفية، لتكتشف أن العامل التاريخي كان له دور في ترميز بعض الأفكار والمقولات وتقديسها، كما تنبع قيمة التتبع التاريخي من كشف النقاط العمياء التي غابت عن أصحاب المنهج، وأثر تقديس الرموز أحيانا في التحيز لمقولة دون أخرى. كذلك تسمح لك الرؤية التاريخية بملاحظة كيف يدخل في السلفية من أقوال خصومها بعد أفولها، وتجري مصالحات بين بعض من ينتسب إليها وخصومها، ثم تعود الكرة بصحوة سلفية تنكر على المتساهلين، وهكذا دواليك. وحينما تصل للحقبة "التيمية" تعي كيف استطاع أن يجعل من اسمه مرحلة تعد من مراحل البناء السلفي، وكتبه من كبرى مراجعه، ورؤاه معيارا من معايير التسليف. فالسلفية متحققة بدونه، لكنه كمن "وجد أعمدة وأحجارا فصنع منها بناء معماريا". يليه المرحلة "الوهابية" لأثرها الواضح والمباشر على الواقع السلفي المعاصر، ولسماتها البارزة التي امتازت بها عن سابقيها حتى ممن استقت منهم المنهج وادعت لهم التبعية المطلقة. ليصل إلى السلفية المعاصرة، متمثلة ابتداء في الدولة السعودية الثالثة، وما يريانه من رفض نسب انتشار التسلف لها وحدها، وإنما كان دورها نشره وازدهاره عبر سلطة السياسة والمال، اللذان قابلا واقعا جاهزا يحمل هذه الأفكار وبذورها، وأبرز تلقي تعرض له الباحثان كان التلقي المصري. أما على مستوى الأجيال، فجيل الصحوة، كان هو الجيل الأبرز، الذي تفجرت من خلاله القيم والأفكار السلفية، فأصبحت تقدم نسقا كاملا يحتوي على خمسة أركان: "رؤية: إبستمولوجية تراثية، عقدية تراثية، فقهية تراثية، معاصرة محافظة في وجه الثقافة الغربية وامتداداتها، جواب إصلاحي عام على سؤال تقدم المسلمين"، أنتج هذا= مسارات إصلاحية أساسية: سلمي بوجهه الثقافي، حركي مشارك في السياسة والإصلاح، عنفي يتمثل في حركات الجهاد الإسلامي". لذات العوامل التي ازدهر بفضلها، والظروف التي أنتجته، وطبيعة استجاباته لإشكالات الواقع، تكونت علله وأمراضه الداخلية التي ستؤدي إلى أفوله، وخسارة مكتسبات حقبة الازدهار. ثم بعد ذلك في الفصول التالية تحدث عن التكوين المعرفي للسلفية وإشكالياته من خلال خمسة نماذج مختارة للاشتغال المعرفي، ومن أبرز نتائجه: أن من محدثات السلفية المعاص��ة التأسيس العلمي للنفور من الاختلاف، وخلط الاختلاف السائغ وغير السائغ، وتضيق الخلاف السائغ. مضافا لذلك: الخلل الحاصل في أبواب التيسير والمقاصد والذرائع، وتنزيل الرواية منزلة السنة، والاعتماد على أصول فقه لم يكتب بها فقه. كما يرى المؤلفان أن ذروة التطور السلفي في الاشتغال الفقهي الاجتهادي يتمثل بالألباني، فالحالة السلفية المعاصرة تستدعي أهل الحديث على مستوى الاعتقاد والفقه، فسعة اطلاع الألباني والوفرة النصية التي كانت مناط عمل الشيخ أكسبته تفوقا علميا، كانت بمثابة التعويض للفقر في المجالات الفقهية والأدوات المساعدة لها. يقابله المحدث اليمني مقبل الوادعي الذي يمثل تفاقم الاتجاه السلفي في الاشتغال الفقهي والذي كان أكثر ظاهرية منه حتى نسب إلى المذهب الظاهري. والسلفية المعاصرة جعلت من المقولات الفقهية مكونات اعتقادية، وذلك لنهجها بوجوب التزام الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وجعل ذلك مقولة منهجية تقابل المذاهب الفقهية لا الهوى. والخلل في مثل هذه الإطلاقات يتمثل في أمرين: الأول: التصور، فالسلفية تتصور مجرد الأخذ بظاهر الحديث والقول بالدليل دون تصور للحدود المفارقة بين ما يتبادر لهم وبين مراد الله من النص. والخلل الثاني: خلل في الممارسة، وذلك للفقر الشديد في آلة الاجتهاد. فالسلفية تتبنى الدعوة دون امتلاك آلاتها -كما يؤكدان-. كذلك جعلت الالتزام بالإجماع وعدم إحداث قول لا سلف له مقولة منهجية في وجه الاجتهادات الفقهية المعاصرة. وهي مقولة صحيحة ابتداء، لكن ينبغي أن نفرق بين النوازل المحدثة وادعاء الإجماع على مسألة من مسائلها، والأقوال القديمة المتداولة في عصر الصحابة مما تحقق القول فيه بالإجماع. كذلك التطرف بِعد بعض مظاهر الالتزام علامة على التسلف وتفسيق المخالف بسلسلة إلزامات لا تلزم. والمنتج الفقهي للدعوة السلفية هو مجرد دروس تفهيمية للطلاب معنية بـ"فقه الدليل"، أو "فقه الراجح". و"الفقه السلفي بسيط، لا يحب التفصيل، ولا تعداد الحالات، يميل إلى المباشرة، والقول الواحد، وعدم التعقيد اللفظي أو المعنوي. وقد يكون السبب في ذلك نشأته في طوره الحديث في أجواء البداوة في نجد". في باب العلوم الإنسانية، نجد أثر الضعف في تحصيلها منعكسا على ضآلة الرؤى التي قدمها السلفيون لواقعهم ومجتمعاتهم، وفشلهم على مستوى التحليل والتقويم، والخلل الإدراكي العميق بالتاريخ والسياسة والاقتصاد الذي يظهر على تأصيلاتهم لموضوعات مثل الديمقراطية وغيرها، مع استثناء الحالة الفقهية المعاصرة القريبة في السعودية في مستجدات المعاملات المالية. مع الشهادة جزئيا بالمشاركات الملموسة في جوانب الاستشارات الأسرية والعناية بها، والدعوة لتوثيق الاتصال بين الحقل الاستشاري والشرعي، القضائي والعلوم الإنسانية، لتحصيل تكامل التصور= ومن ثم تكامل الأحكام. في الفصل الذي يليه تحدث المؤلفان عن معضلة الإصلاح، ومواقف السلفية منها وكيف تجلت بعض جوانب خلل الاشتغال المعرفي، في تعامل السلفية مع العملية الإصلاحية. وتعرضا للمغالطات المنهجية التي تبنى عليها بعض المواقف، مثل التعريض بالمصطلحات بتأثيلها، وقد يكون المقدم عند نقدها هو واقعها الاستعمالي، كذا الإجمال والتبسيط لكثير من القضايا الفكرية، والمصطلحات المعقدة عند تناولها وتحريرها. ومن الغرائب التي تتضح لك مع التصوير البانورامي، أنك تجد خصمين سلفيين متضادين، أحدهما يكفر الآخر والثاني يقول بخارجيته، قد يصلان لنتيجة واحدة رغم اختلاف مناهجهما (مثال: المشاركة السياسية الحداثية= كفر، عند المداخلة وعند الجهاديين). يذكر المؤلفان أن رمزا مثل ابن باز، يعد مرحلة لا رجلا فحسب، وهو عالم دولة لا عالم سلطان (وهو تفريق دقيق وموفق). والدولة السعودية التي قامت تحت راية الدين "لم تكن تقدر على العدو سريعا بقاطرة ثقيلة كترسخ المتدينين في الدولة"، فكان ابن باز القنطرة الوسيطة بين المتحمسين وبين الدولة، وعليه هو وابن عثيمين والألباني اجتمعت السلفية، إلا أن الفتوى بجواز الاستعانة بالجيوش الأمريكية لتحرير الكويت، يعد الحدث التاريخي الذي انشقت بعده السلفية على نفسها، ولم تلتئم بعدها. فانقسمت ما بين تيارات متماهية مع السلطة، غالية في طاعة الحكام، وغالية في جرح مخالفيها وتبديعهم وإخراجهم من السلفية. وقد أبان المؤلفان عن استقرائهم الناقص للأدلة، وبيان عوارها وفوات كثير من الأدلة عليهم، وسوء فهمها وقصر النظر عند تفسيرها. وتيارات مالت للعمل المسلح، غلت هي الأخرى واتخذت موقفا متطرفا، وساهمت -مع الأسف- بعد التفاف المجتمع على السلفية في معاداتها وتشظيها وإذكاء نيران الحروب الأهلية، واستغلت الدول الفرصة للقضاء على السلفية وتشويهها، بالاستدلال على أسوأ إفرازاتها كالدواعش وغيرهم. فبعد أن كانت الشعوب محتقنة على "طواغيتها"، رمتها الجماعات المسلحة إلى أحضان تلك "الطواغيت"، هرباً من التطرف. أما السلفية المتمثلة في لجان الفتيا الرسمية، فقد بان عوار منهجها في الباب السياسي، إما لقصور النظر، أو لترسب كثير من الأفكار المتماهية مع السلطة، وقدرتها على تهويل الواقع أو تهوينه، ويظهر ذلك جليا في الفتاوى المتعلقة بالمظاهرات وأحكامها، كنسبها للكفر وأهله، مع الغفلة أو التغافل عن حقيقة قيام الدول الحديثة على أنظمة كفرية -مثلا-! المؤلم أن الإطلاقات المتكررة بغير ضابط ولا تورع في التحريم والتفسيق والتبديع أورثت في الشباب المسلم "هوان المعصية"، التي تتحقق بأدنى الصور كما بأعلاها! فالمتظاهر "خارجي" و"متشبه بالكفار" و"مشاق لله ورسوله= لأنه اتبع غير سبيل المؤمنين (لاحظ كيف التصعيد :))"، إذن ما الذي أبقيته لهذا الشاب لكي لا يلتحق بالجماعات المسلحة (دامها خاربة خاربة)؟ تحديدا هذا التساهل وعدم الضبط الوصفي عند الفتيا هو ما كنت ألمسه شخصيا وأجد تأثيره علي في تهوين الحرام لصعوبة تجنبه. من الاعتلالات أيضا: التناقض المنهجي، الذي أفضت له الحدية في الآراء، فالخروج على الحاكم حرام، فإذا سقطت حكومته تباشروا بزوال هذا الظالم، وإن أفضى الخروج للعنف والاستبداد حلت اللعنات على الخروج ومن دعا إليه، وإن حصلت انتخابات فيجب القبول بالحاكم الجديد، وإن حصل انقلاب عليه، فيجب القبول بالحاكم المتغلب= هذا كله لا أظنه (على المستوى النفسي) ينتج مسلما سويا يحمل مبدأ واضحا يحركه ويقوده. ناهيك طبعاً عن الموقف الجامي الغالي الذي راح يبحث حكم خلع هذا الحاكم بعد خلعه (مازوخية فكرية =))! الميل النفسي في الاختيارات السلفية المعاصرة الفقهية للمنع والحذر وسد الباب واضح، ويدل على نفسية حذرة خائفة وجلة مترقبة؛ لذا نجد هذا منعكسا على فتاواها المحرمة بداعي الحذر، وطبيعة أسلوبها الدعوي القائم على ردة الفعل، فهو أسلوب دفاعي مترصد، وكأنه لايملك منهجا يدعوه للإقدام والبناء والتجربة -وإن لم تخل من خطأ-؛ لأن التجارب علمتنا أن الحذر والاكتفاء بإغلاق الأبواب لا يعني بالضرورة الحفاظ على ما لديك وإن لم تتقدم، بل أثبت لنا أن الآخر العامل سيجذب شريحتك إليه، ويضطرك لقبوله والعمل بقواعده، لأنك إن لم تتقدم تتقادم. باختصار: كما أن التجويز والإقدام قد يلزم عنه لوازم و"أعراض جانبية"، كذلك الحذر والمنع أسلوب لا يسلم من أن يلزم عنه لوازم قد تعود على صاحبه بالخسائر. على العموم أبرز حقبة يستشهد بها على مثل هذه الفتاوى هي حقبة الثورات، والتي كشفت بوضوح أن ليس لدى التيارات المحافظة من السلفيين إلمام كاف بأدوات النظر، لتعلقها بعلوم لا يشتغل بها الفقهاء عادة، والفقيه الذي ليس لديه معرفة حقة بالسياسة وبعض العلوم المؤثرة مثل علم الاجتماع وغيره، لا يختلف عن المفتي الذي يفتي دون إلمام بالفقه وعلومه. كما إن إشكالية السلفية المعاصرة تتمثل في النكتة الشهيرة القائلة: "سأل رجل صديقه: لماذا لا تعالج السقف كي لا تتسرب منه الأمطار، فقال: كيف أعالجه والماء يتسرب؟ فسأله: لم لم تعالجه قبل نزول المطر؟ فأجاب: لأن الماء لا يتسرب حينها" هذه هي الدائرة المغلقة التي يدور فيها. تفجؤه الأحداث فيستقبلها بفقر في الأفكار والأدوات وضحالة في الموارد والكفاءات المناسبة لها، حتى إذا ارتفعت، غاب الدافع لتجهيز العدة لما قد يستجد بعدها. عند حديث المؤلفين عن الإصلاح الثقافي عند السلفية ذكرا نقطة هامة جدا متعلقة بالنظرة والتصور الطوباوي والكموني المحرك لمشروعها، والذي يقول بضرورة خروج جيل نقي العقيدة كامل التربية لتقوم عليه النهضة، وكأنه بذلك ألجأ الإصلاح السياسي إلى الثقافي المجتمعي، بعد مروره بالفرد فالأسرة، وليس هذا فحسب، بل يشترط نقاءه وكماله، ليحيله هذا التصور إلى محاولة تحقيق مشروع متخيل، غير قابل أبدا للتحقق، يكذبه التاريخ بجميع صور انتصاراته التي جاء فيها مشوبا لا خالصا، دائريا لا خطيا. وعلى المستوى المعرفي يلحظ أمرين: عدم الفقه بالعلم نفسه مثل السياسة والاجتماع، أو التأخر التاريخي، والنقد قبل استفراغ الوسع عند تحرير المادة المعرفية (يظهر هذا جليا في الكتب التي تحدثت عن العلمانية والصهيونية ونحوها، فجاءت مبتورة، ناقصة، بعضها يشبه الكتب التجارية في رداءة المحتوى وضعفه). بالنسبة لي أعد الجزء الناقد للتصورات الصحوية عن الغرب من أحسن وأجود ما وضع في الكتاب. وقد طرح فيه ملاحظتين تخصان خطابه: -تصوير الغرب: الوقوع في مغالطة الاختزال، والجنسنة، والتفويت الزمني. -أوهام الخطاب البديل: القائم على توهم أن حسم أي صراع وحل كل معضلة، يكمن في الاستناد للتراث، مقابل تحقير العلوم المعاصرة المتعلقة بالواقع، الناتجة عنه. وقد مثل عليهما بمثال رائع، دائما ما يمر علي فأمتعض لتسليمنا بالمثال دون مراجعة صحة تحققه من عدمها، وهو اختزال التاريخ الغربي ورفضه للدين في ظلم الكنسية وتحريفها للدين، والحقيقة أن الواقع أعقد من ذلك، كما أن التخلص من الدين بالتصور المتخيل لم يتحقق، وإنما تجددت صور التدين. والواقع أن الخطاب الصحوي هنا إنما يتبنى رواية الخطاب العلماني، بينما كان يجب عليه أن يسعى لبناء روايته الخاصة. كذلك العزو الدائم والكسول لليهودية عند نقد الرموز "الملحدة" أحيانا، كفرويد، ودريدا، وماركس..إلخ، مع تجاهل حقيقة أن فلسفاتهم تفضي لهدم الدين نفسه، فكيف ينسب ذلك لأثر الدين! كذلك الكليشيهات الجاهزة القائمة على بعض الأدبيات اليسارية والمابعد حداثية، التي تميل للتطرف عند الحديث عن الواقع الغربي وانتكاسه واقتراب نهايته، وبعيدا عن صحة ذلك من عدمه، يتم تجاوز الحديث عن المجتمع الشرقي الذي يعد تبعا، فاقترابه للنهاية أسرع؛ لاشتراكه مع الغرب في علاته، فضلا عن العلل التي تفرد بها ونزل إلى القاع. وأنا أحيل ذلك للكسل المعرفي الذي يوافق جمهورا كسولا أيضا، لن يسائلك لأنه غير معني بتصحيح هذه النظرة أصلا، فلِمَ يأبه بتصحيح معلومة "وجود كيان يدعى بالماسونية ويتحكم بالعالم وهو مصدر الشرور" ما دام يتواءم مع تصوره عن هذا "الآخر"، ومع واقعه المغتصب المستسلم؟ تقريرات الكاتبين التي جاءت في إطار الحديث عن "السلفيون والمجتمع" كانت رائعة. جاءت للتذكير والتنبيه على معان مهمة، مثل: حقيقة: إن العلاقة بين الإصلاح ومساراته، وبين التمكين= ليست علاقة سبب ومسبب. والأمثلة النبوية ناهيك عما سواها خير شاهد على ذلك، فالله لم يكتب على عباده الظهور والغلبة، وإنما استفراغ الوسع. هذا المفهوم يجب أن يكون حاضرا في الذهن دوما عند بناء المشاريع الإصلاحية. خُتم الكتاب بالحديث عن أفول السلفية، ومحاولة استشراف طبيعة حقبة ما بعد السلفية، بالتأكيد على أن: "الأفكار لا تموت"، لكن قد تأفل، وتنبأ المؤلفان بصورة هذا الأفول، وأنه: نوع من التشظي المعرفي والنسقي، وضيق الانتشار، وقلة الأنصار، وفقدان الرموز. كما أن التركيز الغربي على الأصولية السلفية وتحول الصراع ليكون بين السلفية والمجتمع لا بين السلفية والثقافة الغربية ساهم في أفولها (والمستقبل القريب = واقعنا الحالي يشهد بصحة أغلب ما ذكراه). كما يرى المؤلفان -وأتفق معهما في ذلك-، أن التيار السياسي الذي سيتمدد، هو تيار الفجور السياسي، وأن سلاح الفجور الأخلاقي المسيس، هو سلاح المرحلة القادمة (الحالية).
ما يجعلني أقف مكتوفة اليدين أمام بعض الآراء وعدم تحديد موقفي منها، قلة البضاعة في مجال الحديث أو الفن الذي يشير إليه المؤلفان، فلا أملك تصحيح ولا تخطئة قولهما، ويحتاج قارئا ملماً عارفاً تكسبه معرفته ثقة بإبداء رأيه، لذا كان رأيي هنا حول مسألة: فتح باب النظر والنقد والتصحيح والمساءلة، بصفتها خطوة هامة في سبيل الإصلاح، بعيدا عن الاختلافات الجزئية على مسألة أو أخرى. أما بخصوص آراء الكاتبين، فأنا أميل معهما في الأفكار الرئيسة، إلا إني لا أسلم بكثير مما يعرضانه ويقررانه، فسؤال "هل غاب هذا عن من هو أعلم منهم في هذا الباب كفلان وعلان؟" حاضر دوما، وعدم الإلمام بمقولات علم ما ومؤلفاته يحيلك أيضا للتوقف، وعدم التسليم بصحة ما قد يذكر من عدمه. كذلك لو عرضنا الكتاب على علوم الآلة، كالمنطق، لظهر اعتوار بعض الأقوال، وفسادها بالوقوع في كثير من المغالطات، أو مناقضة بعضها البعض. كذا يتسم بالفوضى المنهجية، وعدم الاطراد، كما أشم رائحة العجلة بين ثنايا الكتاب، استعجال في إطلاق الأحكام، والتقريرات، وإصدار الكتاب (وأنا هنا أتعاطف معهما لاشتراكي معهما في ذات العلة، امتلاك أدوات تحليل جيدة، لكن ينقصها خيط ناظم، ونار هادئة، وبعد نظر تكسبه طول التجارب لا كثرتها). والعجيب أنني ممن يحب سماع آراء المؤلفين وقراءة انتقاداتهما، فلما شرعا في تشييد صرح علمي، ظهر عوار بعض أدواتهما، واستبانت جودة المعمار، وعُلم أن استعمال الأدوات للهدم أيسر من البناء. هذا ما يلجئني في أحيان كثيرة لأن أجبن عن طرح آرائي، هيبة للعلم، وتقديرا لأهله. عيب الكتاب الأبرز وقوعه في الأخطاء التي وصم بها السلفية، وحمله لأفكار بقدر أهميتها كان استعراضها مسقطا لها، وتناول للرموز والتيارات يستفز أصحابها عوضا عن تبصرتهم. بناء الكتاب خالف توقعي من حيث ظني أنه سيكون أمتن، وأقرب لنموذج منهجي يحتذى به عند العرض والنقد، وهذا ما لم أعثر عليه، حيث شعرت أن كثيرا مما هو مكتوب جاء عفو الخاطر، لا طول تأمل وتحليل وتركيب ينطلق من أنموذج، ويعرض على اختبار به يتحققان من التقريرات -الجافة والحدية في كثير من الأحيان-، قبل أن يطلقاها دون حذر أو قيد، فلا علو ودقة علمية ملحوظة، تشعر معها بأنك ارتقيت مرتقى صعبا، وقابلت بناء غير مسبوق، وإنما تقييد مهتم بالساحة، يحمل فكرا منفردا أصيلا، يرى من خلاله ويحكم، وعلى الرغم من شموله الأفقي (مجتمعيا) والعمودي (تاريخيا)، فإن هذا الطمع بالإحاطة فوت عليهما كثيرا من المسائل والموضوعات الحقيقة بالتناول، والتي تفنى في سبيلها الأعمار. وقد كان تركيز الكاتبين على الواقع المصري والسعودي، مع الإشارة إلى غيرهما إشارة سريعة، فغابت صور التسلف في بقية المناطق، لطبيعة قوة الحالة السلفية في هذين البلدين دون غيرهما، وربما لكونهما يمسان واقع الكاتبين ويتعلقان به أكثر من غيرهما. لذات الظرف الذي ذكرته سابقا -التغير الملفت والواضح للواقع "السلفي"- فإن بعضا مما انتقده الكاتبان، لا نجد له اليوم أثرا، أو أن التحسن والتجويد فيه اليوم ملحوظ، مثل ما ذكراه من العناية بالعلوم الإنسانية ونحوه. يعيب الكتاب أحيانا غياب الخط الفاصل بين كلام الكاتبين ومنقولاتهما، فقد كتبت نصا طويلا في بيان تناقض مواقفهما ثم حذفته بعد أن خالجني الشك بعد إعادة القراءة من أن النص امتداد لنص سابق يستعرض فكر غيرهما. شعرت مرارا بعدم الرضا التام عن كثير من المعالجات لبعض المسائل أو الصور، مثل معالجة "السلفية الجهادية"، وذلك لتعقيد الصور وتنوعها، واستحقاق كل صورة منها بدراسة خاصة قبل التحليل والمعالجة، والحق أنه غير منتظر منهم هذا التفصيل، لكن يقابله عدم تسليمي بالضرورة لما ذكر؛ للاقتضاب الحائل بيننا وبين إطلاق الإحكام قبل اكتمال الصورة ووضوحها.
أنا هنا أقرأ بعين عالم الاجتماع، والمؤرخ، والمعالج، لذا أثناء قراءة الردود والأجوبة تجاوزت الملاحظات النقدية المتعلقة بتصحيح نقل أو تحرير مصطلح (وأنا هنا أعترف بضعف حصيلتي العلمية، ولست مشغولة بمعرفة هل صحت هذه العبارة عن فلان؟ وهل صح فهم مقولاته؟)، لأن المشكلة التي يسلط عليها الكتاب مجهره، هي "رصد (الواقع) السلفي ومعالجته"، فالمحك عندي أثر هذا الطرح، لا كيفية بنائه. الكتاب كتب بلغة فكرية اجتماعية، ثم نوقش بلغة تراثية عقدية، وما يحتاجه الطرفان توحيد اللغة. الكتاب ملاحظاته "تطبيقيا" واقعية وصحيحة، لكنك عندما تعرضه على الأفكار "نظريا" فقد يستبين عواره ويفقد مصداقيته. أغلبنا خرج من ذات البيئة، وتجده أشار مرارا لبعض ما ذكر في الكتاب مستاء من واقعه، أو تحدث بصوت خافت عن بعض الملاحظات التي ذكرها على الرموز، لكنه لا يملك التنظير لها في كتاب، لأنه لا يملك بناء به يواجه المجتمع العلمي، ولا شجاعة بها يتعرض لكبير الأفكار والرموز.
- في المجمل؛الحالة التي أثارها الكتاب والردود عليه حالة إيجابية، فالخلاف المهدي يحفظ الله به الحق كما قال الشيخ أحمد سالم نفسه. - ليس معنى ذلك نفي وجود أخطاء في كتاب تجاوز السبعمائة صفحة أو وجود بغي وتجاوز في الردود عليه.
** مما لم أعجب به : ــــــــــــــــــــــــــــــــــ - تفسيرهما لمفهوم السلفية .. أرى فيه عدم وضوح جعل د.العجيري يكتب السلفية السائلة "مفهوم السلفية في مسارب "ما بعد السلفية"
- عدم وضوح المعايير في حكمهما على العديد من الأمور؛ فمثلا بعض المسائل وقفا فيها خلف حاجز تأريخ الأفكار واقتصرا على الوصف المجرد بينما في أغلب مسائل الكتاب غاصا فيها نقدا وتضعيفا وترجيحا!
- ومن ذلك أيضا؛ التعميم وإطلاق الأحكام .. وللأسف أي رد على إطلاق ما بأنه غير صحيح سيجابه بما سطراه في المقدمة بأن التعميم في كلامهما لا يُشترط له أن يكون غالبا على النموذج فضلا أن يكون مستغرقا لكل أفراده. ويمكن التماس شئ من ذلك في مقالتي الشيخ مشاري بن سعد الشثري معضلة التناقض وأزمة التقييم في الخطاب الما بعد سلفي http://twitmail.com/email/326331532/6... صورة (الاشتغال السلفي الفقهي) على (شاشة ما بعد السلفية)http://twitmail.com/email/326331532/6...-
- لم أفهم حرص الكاتبين على التجرد التام من أي انتماء في مناقشة بعض مسائل أعلم أنا قولهما فيها؟!..وهل هذا دافع مثلا لقبول كلامهما في المسائل الأخرى من المخالفين.
- شاب أسلوب الكاتبين حدة واضحة وشدة لطالما انتقداها على الشريف حاتم في نقده للسلفية المعاصرة.
- بعض الخلل الظاهري في المعلومات .. فمثلا ذكرا أنه من المستبعد أن يكون الشيخ مقبل الوادعي دُعم من المملكة بعد إبعاده منها عقب حادثة جُهيمان، ثم نصا بعد ذلك على دعم الشيخ ابن باز المادي(وهو رأس المؤسسة الدينية في المملكة) للشيخ مقبل في فصل آخر.
- ومن ذلك أيضا؛ عند الحديث على واقع السلفية المعاصرة في البلدان المختلفة شعرت بنقص في المعلومات بالإضافة لغياب مراجع سوى الحالة التونسية والتي اعتمدا فيها على كلام الشيخ كمال المرزوقي.
_________________________________________
** ما أعجبتُ به أكثر من أن يُعد في نقاط .. ولكن على سبيل المثال :
- التفرقة بين السلفية المنهج وتحققاتها الخارجية.. وإن كنت لا أتابعهما في كافة تفاصيل مفهومهما عن الفرقة الناجية.
- كلامهما عن العمل الجماعي والتنظيمي والاجتماع على الأهداف المشتركة بلا أدلجة، ورصدهما لأزمة النافرين عن التنظيمات ومشاكلهم.
- رؤيتهما للإصلاح: بالعمل تحت أي مسار لنشر الدين العام في الناس وتحسين النسيج المجتمعي .. بشرط ألا تتحول من مسار لهدف ذاتي، وألا نتورط في أمر غير مشروع أو معجوز عنه مع تقبلهما لمن سلك مسارا مختلفا عن اختيارهما بشرط الأمور المذكورة.
ختاما؛ أسوأ ما يصد عن تقبل الحق: التعامل بنفسية الألتراس مع الكتاب أو ضده وأعجب من أناس يهاجمون الكتاب بكل أفكاره ولا يستقيم مخالفتهم لممارسات الوهابية وبعض آراء ابن تيمية إلا ببعض تأصيلات الكتاب.
كما أن هناك من يدافع عن كافة أفكار الكتاب دون حتى أن يقرأه قراءة متأنية!
وأفضل النماذج التي رأيتها في التعامل مع بعض أفكار الكتاب هو ما فعله د. سلطا�� العميري حيث قام بتحرير مبحث كامل وضح فيه ما رآه حقا ورد على بعض مفاهيم الكتاب دون حتى أن يشير له أو للكاتبين مع إنصاف واضح في تبيين مواطن الخلاف وما هو مخالف لرؤية السلف، وما هو من الاجتهاد المأجور صاحبه، وما عده من الخلاف اللفظي من الأمور التي لا أظن أن يعدها كذلك غيره من الرادين على الكتاب.
غالبا سيكون التعقيب من الكاتبين على كافة الردود عقب الحج إن شاء الرحمن.. وطالما كان السجال بالعلم والعدل وبعيدا عمن ضاق صدره بكل اختلاف أو من يعيش في أوهام المؤامرة الكونية من الكاتبين والناشر على السلفية فهو أمر إيجابي محمود
في بحث يمكن تسميته بالمطول جدا .. فى أكثر من سبعمائة صفحة وبضع يقع بحث مفصل عن السلفية .. ربما منذ أكثر من ثلاث سنوات لم يقع تحت يدي بحث فى غاية الاتقان مثل هذا .. خناك كتب رائعة - هناك كتب جيدة جدا أيضا .. ولكن نحن أمام متقن بالانجليزية :~ it is perfect .. بمنتهى الاختصار فإن مؤلفي الكتاب يتحولا إلى أصحاب مشارط جراحية بدلا من أصحاب أقلام ولكن هم لا يقوموا بعملية تشريح حيث يقوموا بالتقطيع وحسب لان مريضهما هو :~ ميت ميت .. وإنما يقوما بعملية بالغة الدقة حيث يسيران من نقطة إلى نقطة في غاية من الهدوء .. يضعا مقدمة هي من أروع المقدمات التي قرأتها لدراسة يوما ما ... فيفصلان فيها أهمية التلاقح اللغوي ويحددان مسؤليتهما عن الكتاب ويضعان تصور كامل لنتائج البحث دون كشفه أو احراقه .. ثم يضعان تعريف السلفية ويستعرضان موضوعيتهما فى رشاقة لغوية صدقا مبهرة ..فلا هما يتمايلا باللفظ فيهملانه ولا هما يشددان عليه فيغلقوه .. وما فعلوه باللفظ فعلوه بالمعنى وبالافكار .. ثم ينتقلوا إلى التطور التاريخي ليقوموا بدور مؤرخ الأفكار .. وفي الحقيقة لا أخفى أني من درجة اعجابى بما فعلوه أثناء تأريخ السلفية بكل هذه الدقة أنى أخذت معي الكتاب في سفر يفوق الثلاث ساعات ولم ابرحه من يدي حتى انتهيت .. إنه تأريخ للأفكار لا يمكن ولا يمكن أن أجد كلمات تصفه وفى فصول أخرى تجد المؤلفين قد تناولا عناوين مثل السلفية والاصلاخ والسلفية والعنف والسلفية والثورات وهم ثلاثة مواضيع اشفقت وربي من كم الرجم اللذي يسحصل عليه المؤلفان بعد كل هذا التحليل المنضبط والختام أكثر من رائع فهو بسيط جدا ومنتج جدا أيضا .. بل وربما إن لم يكتب أحمد سالم وبسيونى مع حفظ اللقب الختام .. لكان للقارىء أن يكتبه بنفسه .. في غاية السعادة من الكتاب الاكثر من رائع
كتاب عظيم.. الأهم من كل هذا النقد الدقيق والعميق موضوعيا هو سمة الأدب والتهذيب التي تحلى بها الكتاب، عدد مما كُتب ونُقل كان يليق به لو أعقبه بشيء من السخرية والاستهزاء وربما بعض الشتائم.. لو كان الكاتب مختلفا! يندر لشخص من داخل التيار أن ينقد تياره بهذا التفصيل، ولو أن غيره كتبه لقيل حاقد.. وربما قيل أيضا ذلك بحقه رغما عن كل شيء. وهنالك مباحث فيه هي أقرب لنقد الإخوان.. لاسيما مبحث التنظيمات.
من بين التيارات الدينية النشطة في مصر في فترة ما قبل الثورة، كانت السلفية هي أكثر التيارات الكبرى المسكوت عنها. فبينما مثلا كان يحظى الإخوان بكثير من الأضواء الإعلامية وكثير من أقلام الصحفيين والكتاب في الفكر أو التاريخ ـ سلبا أو إيجابا – ، كان هناك صمت كأنه تجاهل تجاه الصحوة السلفية ورموزها، حتى إنهم إذا تعرضوا لها، عرضوا صورة سطحية تنم عن جهل مفرط وسذاجة غبية.. في الحقيقة لقد كانت السلفية أكثر الدعوات توغلا وانتشارا في نسيج المجتمع، وهذا الصمت كان من الأسباب التي سهلت عليها ذلك..
يعتبر هذا الكتاب بمثابة موسوعة عن السلفية المعاصرة وتياراتها والأسس الفكرية التي قامت عليها.. ويتميز مؤلفاه بقدرة عالية على التحليل الموضوعي لا تجعل من هذا الكتاب كتابا دعائيا بأي حال، على الرغم من أن مؤلفيه سلفيان (ومن الآن فصاعدا ستجري الإشارة إلي المؤلف بكلمة المؤلف تخفيفا) ، بل هو بحث تاريخي عن الأفكار السلفية وتمثلاتها في هذا العصر، ومدى مطابقتها لأصولها التاريخية التي تزعم الانتماء لها..
لقد درج سلفيو العصر على الترويج لفكرة أن الطرح الذي يطرحونه في فهم الدين هو "القرآن والسنة بفهم سلف الأمة" حتى صار ذلك بمثابة الشعار الذي "يُعرف به مذهبهم"، وهو شعار مطمئن، بما فيه من وضوح للمرجعية التي عنها يُفهم الدين.. ولكن إذا كان سلف الأمة هم القرون المفضلة ومن اتبعهم فلا بد لهذا الشعار أن يصنع إشكالا، لأن في القرون المفضلة الشيعة والخوارج والمعتزلة والمرجئة والقدرية، وهي الفرق الكبرى في الإسلام من وجهة نظر السنة، فأي سلف يتبع السلفيون؟
في جزء أعتبره من أهم الأجزاء في الكتاب، يتتبع المؤلف تاريخ نشوء النظرية السلفية كنظرية معرفية في الدين كما نعرف شكلها الآن، بدءا من طبقة الصحابة وانتهاء بالسلفية الوهابية ثم السلفية المعاصرة.. ويمكن لنا أن نلخص أهم الأفكار التي انبنى عليها كل شيء آخر في ذلك التتبع كالآتي:
1. معيارية جيل الصحابة بالنسبة لتصور المؤلف عن السلفية كمنهج: أي أن الجيل الوحيد الذي تعوّل عليه السلفية (الحقة في نظر المؤلف) في فهم الدين هو جيل الصحابة، وتحديدا فيما اتفقوا عليه.. ويستشهد المؤلف بمجموعة من الأحاديث والآيات ثم يؤكد عليها بأقوال لابن تيمية. وفقا لهذا الفهم فإن الوقوع الزمني في القرون المفضلة لمن يخالفون فهم اجتمع عليه الصحابة ـ في نظر السلفية ـ مثل الشيعة والخوارج هو فهم لا يعتد به ولا يثير إشكالا.. أي أن مفهوم السلف صار يقصد به "بعض سلف الأمة" وهم تحديدا: الصحابة ومن اتبعهم واتبع طريقتهم.. لكن هذا لا يلغي الإشكال. لماذا؟ لأن أكثر هذه الفرق المناوئة للسلفية في فهمها لا تنازع في ذلك، ولكنها تنازع في: أي الفهم هو فهم الصحابة؟ فالشيعة والخوارج والمعتزلة والأشاعرة كل أولئك يزعمون - زعما موازيا لزعم السلفية - أن فهم السلفية ليس هو فهم الصحابة – أو بعض الصحابة على الأقل - . وهنا الإشكال الحقيقي الذي لا يمكن العمل على حله إلا من خلال البحث التاريخي في نشأة الأفكار، لا من خلال الدعاية الأيديولوجية أو السياسية.
2. أهمية طبقة أهل الحديث (طبقة ابن حنبل) في التأسيس للنظرية السلفية: تمثل طبقة أهل الحديث الجيل الرابع بعد الثلاثة المفضلة، وتأتي أهمية هذا الجيل في التأسيس للسلفية من موقعه الزمني الذي اكتمل فيه تشكل باقي الفرق الإسلامية الكبري المناوئة للسلفية، باستثناء الأشاعرة، ولذلك فإن أسس الخلاف كان لها مكانها البارز في تراث هذا الجيل، وذلك أمر لا نجده فيمن قبلهم .. وقد ادعى هذا الجيل لنفسه تمثيل "سلف الأمة المعياري: جيل الصحابة" أي أنهم "تابعو سلف الأمة المعياري" دون من شاركهم زمانهم وخالفهم آراءهم مثل الفرق المذكورة آنفا.. ثم أتت من بعدهم أجيال تبنت النظرية السلفية وأكدت على نفس المعنى.. أي أن لهذا الجيل معيارية ولكنها معيارية تابعة لا أصيلة.. وعمليا لا يختلف الأمر كثيرا سواء كانت تلك المعيارية تابعة أو أصيلة، لأنه يكفي أن يكون لهذا الجيل رأي في مسألة أو أصل من الأصول متميز عن من خالفهم حتى يتم اعتباره هو مذهب "السلف المعياري" دون الحاجة للتحقق التاريخي لذلك. ويذكر المؤلف أمثلة لذلك منها "الكلام في أن القرآن غير مخلوق وتكفير من قال [غير] ذلك، فإن ذلك لم يُحفظ عن أحد من الصحابة ولا القرون المفضلة، وإنما اعتمد تقريره معتقدا سلفيا على تقرير علماء الجيل الرابع له، وأنهم ممثلون صادقون للجيل الأول الذي لم تنشأ هذه البدعة في زمانهم" (ص 95)، فمسألة الإحالة المباشرة إلى أقوال "طبقة أهل الحديث" دون الحاجة لتتبع قول "للجيل المعياري" في المسألة، ثم التوسع في إطلاق اسم "السلف" على هذا الجيل هو أمر شائع عند الأجيال السلفية التابعة بما فيهم سلفيو العصر.. وهذا هو الموضع التاريخي للإشكال والنزاع (السلفي-غير السلفي) سواء كان غير السلفيين هؤلاء سنة آخرين مثل الأشاعرة أو غير السنة مثل الشيعة والمعتزلة أو غير مسلمين أصلا مثل الباحثين من الانتماءات الأيديولوجية الأخرى، ولا يُفترض أن يرجح رأي على الآخر إلا بتحقيق معتمد على الأسس العقلية وحدها في دراسة تاريخ الأفكار..
3. السلفية بين طبقة أهل الحديث وابن تيمية متهمة في نظر المؤلف: يشير المؤلف في الفترة ما بعد طبقة اهل الحديث إلي سلفية طابعها الأساسي الجمود النقلي وضعف النظر العقلي والتعصب ضد المخالفين بالاشتداد عليهم.. أما الجمود النقلي وضعف النظر العقلي فيبدو أنهما رد فعل على توسع الفرق الآخرى المناوئة في إعمال دور العقل، مثل: المعتزلة ثم الأشاعرة، حتى إنه ليبدو من أقوال بعض أئمة هذا العصر كما سيأتي أن تجميد العقل هو لازم للتعبد إلي الله. وأما الاشتداد على المخالفين فيظهر في المناوشات المذهبية الفقهية والعقائدية في هذا الزمان وذيوع امتحان علماء المذاهب الأخرى بالمسائل الاختلافية. و ذلك ناتج بشكل مباشر عن التأسيس لمعيارية فهم أحمد بن حنبل ومن يليه من الحنابلة لمذهب أهل السنة دون غيرهم، واعتبار أي خلاف لآرائهم بدعة،.. ويترك لنا شيخ الحنابلة في عصره الحسن بن علي بن خلف البربهاري (المتوفي في النصف الأول من القرن الرابع أي بعد حوالي قرن من موت ابن حنبل) كتابه "شرح السنة" والذي يطابق فيه بين مذهب الصحابة ومذهب جيل أحمد، فلا يقبل خلاف من خالف أحمد أو طبقته، ثم يجعل تابعي أحمد هم الحائزين لهذا المذهب، إذ يقول : "فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر، وأصحاب الأثر، والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد يعني للنبي، وأصحابه. ومن قبلنا لم يدعونا في لبس، فقلدهم واسترح، ولا تجاوز الأثر، وأهل الأثر" ... "فمن أقر بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماما ولم يشك في حرف منه، ولم يجحد حرفا واحدا فهو صاحب سنة وجماعة، كامل، قد كملت فيه السنة، ومن جحد حرفا واحدا مما في الكتاب أو شك في حرف منه أو شك فيه أو ووقف فهو صاحب هوى" .. إذن فالسنة تدرك بتقليد الحنابلة، الذين هم الورثة الشرعيون للدين تلقوه بالفهم الصحيح دون غيرهم عن أحمد وأصحابه عن التابعين عن الصحابة عن النبي، ثم كل من خالفهم فهو مبتدع، ولو كان حرفا واحدا مما سطره البربهاري في كتابه هذا..
4. أهمية ابن تيمية في تشييد للقالب المعرفي السلفي بشكله الحالي: شيء نلاحظه عند المؤلف في كل ما سبق ذكره من النقاط وفي الكتاب كله عموما هو الإكثار من النقل عن كتب ابن تيمية تدعيما للرؤية التي يطرحها، فمثلا يبتدئ الجزء الخاص بالسلفين بين ابن حنبل وابن تيمية بتأصيل لابن تيمية عن الأدلة العقلية. ويرى المؤلف أن ابن تيمية هو من "شيد المعمار السلفي" كما نعرفه الآن. والسبب التاريخي الذي يجعل من غير الممكن أن يتم ذلك البناء الفكري قبل ابن تيمية هو أن أكثر ما هو ضروري لهذا البناء وضروري له هي مسائل لم تكن شائعة ولا مثارة ألا في عصر ابن تيمية أو قبل عصره بقليل(النزاع الأشعري السلفي عن الأحقية بمذهب السنة مثلا). أما ما يجعل ابن تيمية بشخصه فريدا، هو موسوعيته المعرفية التي جعلته قادرا على كسر جمود الرؤية السلفية وينضج بتلك الرؤية إلي قالب معرفي ينتمي في معياريته للجيل الأول بالإضافه إلى قدرته على الهجوم والدفاع العقليان. ولا شك أن السلفية المعاصرة لا تجمع على أحد ولا تكثر من الاستشهاد بأقوال أحد كما تفعل مع ابن تيمية، حتى ليصح أن يُسمى "الأب الروحي للسلفية المعاصرة"، والخلاف السلفي – غير السلفي المعاصر كثيرا ما يأخذ صورة الدفاع والهجوم على ابن تيمية، والخلاف السلفي – السلفي المعاصر كثيرا ما يأخذ صورة الخلاف على فهم وتفسير ابن تيمية.
5. أهمية السلفية الوهابية في كونها أكثر التجارب السلفية الحديثة نجاحا اجتماعيا وسياسيا: يفرد المؤلف جزءا كبيرا في نقاش إلي أي مدي تتفق مواقف سلفية محمد بن عبد الوهاب مع المعيار المحدد آنفا (فهم الصحابة وتابعيهم....الخ)، وخاصة في مسألة مقاتلة من لم يستجب لدعوتهم قتال المشركين. وينتهي المؤلف بعد إجراء مقارنة بين موقف ابن عبد الوهاب، وموقف ابن تيمية ـ بحر السلفية الذي لا ينضب - إذ يتعذر أن نجد مسائل مشابهة فيما هو أقدم من ابن تيمية!- إلي تقرير أن ذلك السلوك كان "ممارسة جديدة لا تساعد التصرفات السلفية السابقة لهم وفق معرفتنا لها على أن نعد الوهابية مماثلة لها من هذا الوجه، وإن كان هذا لا يخرجهم من كونهم أحد التحققات التاريخية للسلفية" ص 183. فهذه المسألة المحورية والتي اعتمدت عليها الدولة السعودية الأولى عمليا لتثبيت شرعيتها، قد اخطأ فيها ابن عبد الوهاب وجانبه الصواب السلفي. ورغم ذلك فالسلفية الوهابية محورية، وهي مع (السلفية التيمية) أحد دعامتين فكريتين وعمليتين قامت عليهما السلفية المعاصرة، وتتميز الوهابية بكونها أكثر تحققا على أرض الواقع في صورتها الاجتماعية والسياسية والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.
بهذا تنتهي مناقشة الأسس الفكرية التاريخية التي انبنت عليها السلفية المعاصرة، ثم يأتي بعد ذلك طور آخر وهو طور تشكل السلفية المعاصرة ناهلة من أسسها الفكرية حينا، ومستجيبة للتغيرات الجارية من حولها حينا آخر، متمايزة فيما بينها إلي سلفية علمية وسلفية حركية.. ولكن هذا في لقاء آخر..
وهو عمل رصين كتبه أحمد سالم وعمرو بسيوني، ينتمي لمكتبة الفكر الإسلامي يدرس في الأساس الدعوة السلفية نشأتها وسيرورتها وما يتوقعه لها الكاتبين في القادم من الأيام، يكتب عنها أبنائها بقلم منصف حكيم قد وعي العلم من منبعه السلفي وزاد عليه ونظر في الفكر العربي والغربي بقدر يسبق به معظم رموز الدعوة ذاتها بسنين!، هو متعة خالصة على ما أعتقد لمن سيقرأه ممن انتمى يوما لأي تيار إسلامي دعوي أو اصلاحي. الكتاب أوسع من أن يكون موجها لدراسة السلفية وحسب، والمنطق الذي خط الكتاب من الجمال بحيث يصبح تأمله في ذاته رياضة عقلية ماتعة. الثقافة المتنوعة وسعة العقل والإلمام الجيد بالعلوم الشرعية والمعرفة الجيدة بالحركات الإسلامية والإخلاص وحب الدين … كلها مجموعة في من كتبوا هذا المؤلف الثري، تقبله الله منهم. الكتاب خطوة فكرية إسلامية متجاوزة للغاية عقولا تحجرت وأفكارا تجمدت فتكسرت على صخرة الواقع ولم تعد صالحة ولم تعد مصلحة! … بأمثال كتب كهذه قد تدرك الجماعات الإسلامية المخلصة القطار الذي هو على وشك المغادرة مخلفا إياها خلفه تئن من جراحها. وكذا نحتاج لكتب تحليلية كهذه في الفكر الإصلاحي بشكل عام لننهض بأوطانٍ سُرقت واغتصبت من قبل بعض الذئاب بسبب جهلنا وقلة فكرنا وتأملنا. أحد أبناء السلفية هو من خطا الخطوة الأولى لتقييم ما مضى وذلك سعيا لتقويم المسار الذي تسير فيه حركته الآن. كل من يعملون على الساحة الإصلاحية في البلدان الإسلامية في حاجة ماسه لمن يقومون بجهد مماثل.
- الكتاب ماتع لأي مفكر حر وأي مهتم بالشأن الإصلاحي والعمل الإسلامي الدعوي المحض.
هذا الكتاب هو بلا شك أكثر أدبيات السلفية الجديدة إثارة للجدل حيث يمثل تحولا جذريا في الخطاب السلفي، وهو ما يفسر كل النقد اللاذع الذي تعرّض له من قبل رموز السلفية الجديدة. لكن السؤال: هل يخرج الكاتبان حقا على التقليد السلفي؟ ربما يكون الفصلان الأخيران هما الأهم في الإجابة على هذا السؤال حيث يضع فيه الكاتبان الضابط أو الحد الفاصل بين ما يمكن من التجديد أن يبقي على انتمائه لمفهوم السلفية كما يريانه، وبين ما يخرج عن هذا المفهوم.
إلى أن أقرأ الكتاب، أحب أن أبين فضل الدعوة السلفية علي خاصة وعلى ليبيا عامة من حيث اهتمامها بالتوحيد -وهو أصل دعوة اﻹسلام- وإظهارها وتبيينها لحقيقته و توضيح ما يمكن أن يشوبه من شركيات ومخالفات عقدية سكتت عنها بقية المدارس والتوجهات اﻹسلامية فيما تحمل السلفيون هذا العبئ وتبعاته من انكار مجتمعي و رسمي في بداية اﻷمر.،فشكر الله سعيهم وجزاهم على مجهوداتهم كل خير..بعد ذلك يمكننا اﻹنتقاد وتبيين مواقع الخلل التي هي من صفات كل عامل ومجتهد
أتفقنا ام اختلفنا مع رؤية الكتاب و أطروحة الباحثين ..يفوت من لا يقراء هذا الكتاب الكثير ما كل يوم يصدر كتاب بهذة الجودة https://archive.org/download/abdalrah...
كتاب ممتاز ، قد أحسن في عرض أفكار السلفية وخاصة المعاصرة بطريقة قريبة جدا من الموضوعية. اعجبني فيه عرضه التحليلي. أحسن فصل عندي هو فصل ؛ السلفية والمجتمع لأن لي في ذلك تجربة شخصية. ما يمكن انتقاده في الكتاب هو استطراده في بعض مواضع تحتاج الاختصار، واختصاره في مواضع تحتاج إلى الاستطراد .
القراءة الثانية، بعد 6 سنوات من صدور الكتاب لا تزال المشاكل هي ذاتها، ولا يزال الكتاب يقول (استشرافي يتحقق على أرض الواقع)
أولا: اقتباسات مدخلية لمراجعة الكتاب: "ينبغي أن نستحضر هنا السؤال السلفي -الحصري- حول أي المذاهب أقرب إلى الكتاب والسنة، بما يتضمن من مفهوم مستتر حول أن المذاهب، من حيث الأصل، بعيدة عن الكتاب والسنة!" "يمكننا القول: إن العلوم الإنسانية تقوم من معرفة الواقع وفهم الظواهر بنفس الوظيفة التي تقوم بها علوم الآلة التراثية من معرفة مراد الشارع وفهم نصوصه" " وأعظم العمل للدين ضررًا: ما كان عن قدرة لا تجزئ، لا هي معدومة فيقنع صاحبها بعجزه، ولا هي كافية مجزئة فيحصل الفعل بها على وجهه الذي يرضاه الله ويعذر صاحبه" "ولو شئت أن تجد حقبة دالة على إشكاليات التكوين الشرعي والتكوين الثقافي للرموز السلفية=فلن تجد أكثر من حقبة الثورات العربية وما حصل فيها من غرائب الفتوى وعجائب التفقه"
ثانيا: المراجعة: بداية؛ أعتقد أن أصدق نقدٍ هو نقد حيادي موضوعي نابع من الداخل ينتقد لأجل الإصلاح لا الإسقاط، محترمًا الضوابط الشرعية والعرفية ومنازل العلماء، وهذا تمامًا ما حاوله المؤلفان -بحسب رأيي الشخصي-. لكنهما للأسف ابتعدا كثيرًا في تفسير حديث الفرقة الناجية، وهذه النقطة السوداء الأبرز في الكتاب لأن القول يعرف خطؤه بمآلاته. كتاب موسوعي ممتع وجميل -خصوصًا للمهتمين بالمواد المطروحة فيه (وأخص منها العقدية التي تم ربطها وتحليلها عن طريق عدة ظواهر في الكتاب)- ويجدر ��لإشارة إلى أن كتابته عن طريق كاتبين بدلًا من كاتب أعطته إثراءً معلوماتيًا ومصادريًا وفكريًا وتحليليًا لم يكن ليصدر لو كان كاتبه واحدًا، وكم تمنيت أن تكون هناك قائمة مصادر كاملة في الخلف ولا يقتصر على الهوامش، لأنني أكاد أجزم أنها تتجاوز المئة!
يبدأ المؤلفان بمقدمة ذكية تسعى لإزالة أي تشويش وإسقاط لموضوع الكتاب عبر عنوانه الأصلي أو الفرعي، ويبيّنان معنى المابعدية التي اختاروها عنوانًا، ويبينان حكم التعميم في اللغة وأنه لا يسلتزم الاستغراق وغيرها مما يمكن أن تكون مداخل لمريدي إسقاطه دون قراءته حتى!.
في البداية يحرر الكتاب مفهوم السلفية، وحقيقته ومعناه، ثم ينتقل لتحرير جواب لسؤال مهم وهو: (ما مستويات الخلاف الانتسابي للسلف؟) مع تفصيل لكل منها، فيقسمه إلى: "خلاف سلفي سلفي" و "خلاف سلفي غير سلفي" ثم ينتقل للمسألة المشكلة مسألة (فهم السلف) منتقلا منها إلى مسألة محورية في الخطاب السلفي المعاصر، ألا وهي (الفرقة الناجية) ويقرر الكتاب أن الفرقة الناجية لا يسلتزم أن تكون أهل الحديث فقط، بل الحديث أشمل من هذا وأوسع بكثير، وفي الطريق لذلك يجيب على سؤالين مهمين: (لماذا تعرض البعض للإسناد بالتضعيف لسبب استشكالي في التفسير لا لسبب منهجي؟) و (كيف فهمت فرق الإسلام هذا الحديث؟) ثم عرض الكتاب رأيه في تفسير الحديث وفي الغلطين اللذين أخطأهما من فسر الحديث حتى أدوا لفهم مشوش حوله -برأي الكاتب-. وانطلق بعدها لتصنيف السلفية المعاصرة مؤكدًا أهمية ذلك بقوله: "التصنيف العلمي والفكري لأقوال الناس ومذاهبهم ضرورة معرفية، والغرض منها فصل ما بين أقوال الناس". ومجيبا في هذا الفصل على سؤال هام وهو: (متى تخرج الفرقة من مسمى السلفية؟).
ثم ينتقل الكاتب لتطور السلفية، وهو الجزء المخزي في غالبه الذي يكشف ما يكشف من تعصبات خفية ظهرت باسم الدين وباسم السلفية والأشاعرة وغيرهم، فيقسم الكاتب التطورات السلفية لعدة أطوار، تبدأ من القرون المفضلة، ثم الجيل الرابع، ثم ما بين الجيل الرابع وابن تيمية، ثم يجعل زمن ابن تيمية زمنًا متفردًا في المعمار السلفي؛ بل ويدعي أن ابن تيمية يعتبر أول مؤسس لمعمار سلفي متكامل -وهو مرئي وواضح جدًا لأدنى باحث في تراث العقل العظيم ابن تيمية!-، منطلقا بعدها لمرحلة ابن عبدالوهاب والدعوة النجدية.
ثم يقرر الكاتب عوامل وأسباب نشأة وازدهار السلفية المعاصرة، بداية من الدولة السعودية الثالثة ومرورا بالتلقي المصري للدعوة السلفية بحرارة، ثم جيل الصحوة السلفي الذي أثر في تطورها كثيرًا حيث يقرر الكاتبان في جملة موجزة التالي: "إن الصحوة لو سمّيت الصحوة السلفية لما كان بعيدًا". ثم يقرر الكتاب الرؤية المتكاملة التي تم تكوينها عند السلفية المكونة من خمسة أركان: رؤية أبستمولوجية ثقافية-رؤية عقدية تراثية-رؤية فقهية تراثية-رؤية معاصرة محافظة ضد المد الغربي-جواب إصلاحي على سؤال التقدم الإسلامي (لا يصلح آخرنا إلا بما صلح به أولنا).
من ثم ينتقل للفصل الأكثر ضربا للجذور السلفية الحالية، وهو الاشتغال المعرفي للسلفية، الذي يبين كم من التقصير ناب السلفية الحديثة من حيث عدة أدوات شرعية وإنسانية جعلتها لا واقعية في بعض الأحيان ومنبوذة في أحيان أخرى، ثم ينتقل لباب آخر وهو (السلفية ومعضلة الإصلاح). وحقيقة لا أستطيع تلخيص هذين الجزئين لأنهما الأهم والأكبر وكل كلمة فيهما يجب قراءتها للإجابة على سؤال مهم وهو: (كيف نؤسس صحوة وإصلاحًا إسلاميًا حقيقيًا قويًا قادرًا على إنشاء مصادره ومدوناته ومحاججة ومقارعة كل البدائل في الساحة؟).
ثم في الفصل الأخير يذكر العوامل التي ستكون سببًا في أفول السلفية المعاصرة (وهو ما يحصل) ويطرح البدائل التي ستستلم الساحة بعدها بناءً على نظرة شاملة للساحة الإسلامية.
يبقى أن أشير لنقاط مهمة: ١- أسقط البعض الكتاب كله، بل والكاتبين حتى، تحت ما يسمّى (السرقة العلمية) وللأخ أحمد سالم رد عليهم يدعي أنها في موضع واحد فقط ويعتذر عليها (شخصيا لا أملك الخبرة الكافية للحكم) ٢- تتبعت انتقادات الكتاب، فما وجدت نقدًا واحدًا مركّزًا لمادة الكتاب، فهي إما نقود مشتتة حول أفكارٍ بسيطة -وغالبا ردود تلفزيونية غير منهجية أبدًا بهدف الإسقاط فقط- أو انتقادات لأشياء وهمية افترضها المنتقد فقط لأن الكتاب ضربه في صلبه ٣- الأسلوب الذي انتهجه الكاتبان لا يعتبر أفضل الأساليب في التعامل مع المنقول عن علمائنا، فهو أسلوب في كثير من الأحيان يجمع كل زلات العالم في مكان واحد حتى يظن القارئ أن فلانا أو فلانا من العلماء (كما حصل مع البربهاري) ليس إلا مجموع هذه المواقف
"العجلة ناصح سيء" اقتبس هذه العبارة من رواية "انقطاعات الموت" لجوزيه سارماغو في التعليق على كتاب "مابعد السلفية" كانت كلمات ربما استحى منها المؤلفان فآثروا إبداءها على وجه الاندفاع والتوتر، لم يخل الكتاب من أمور يُفاد منها، ولكن كان بالإمكان جعل الكتاب ذو قيمة أكبر لو تأنى المؤلفان في صياغته كما ينبغي.. عندما تستخدم الصياغات الصحفية في الحديث عن تاريخ علمي فأنت كمن يستخدم قلم الرصاص عوضاً عن طلاء الجدران، هناك كم كبير من المعلومات والتحليلات والمواقف والأدوات التي لن تكفي سنة ولا فريق لجمعها وإخراجها دون تمحيص كاف.. قد تكون جوهر الفكرة رائعة، بل إنني اراها أكثر من مذهلة لحديث عن التاريخ السلفي بعيون اليوم، لكن الذي حصل حصل، وقد واجه المؤلفان ضغطاً من ردود الأفعال، واضطرا لبذل مجهود كبير لتصحيح رسالة الكتاب فخفف ذلك شيئا من الآثار التي نتجت عنه..
أعجبُ ما في الكتاب، وأظنُّه كلَّ شيء فيه، أن المؤلفَ -بأنَّهما ارتضيا أن يُحسبَ صوتُهما صوتًا واحدًا- صَبَغَ الكتاب بصبغة الموضوعية، ثُمَّ لا تكادُ تنتقلُ من فصل إلى فصل، بل ومن سطر إلى آخر أحيانًا، إلا وتسمعُ صوتَ النُّصح يشتِّتُك من حيثُ لا تدري..
فبعدَ أن تُنهي الكتابَ، ورزقك اللهُ من الصبرِ في تلك المهمة ذخيرةً لا تنفذُ قبل أن تأتي على آخرِه، تجِدُ أن صوتَ النُّصحِ ذلك مشوَّشًا، لا تكادُ تستبينُ منهُ شيئًا، وكذلك لا تستطيعُ أن تُمسِك من الكتابِ بنسقٍ معرفيٍّ واضح البنيان، متماسك الأركان، يُمكن أن يُعوَّلَ عليه فيما بعدُ..
وعلى كلٍّ، أحسُّه يلعبُ لعبة من ألعابِ الجمعِ والتأليف، التي ليس فيها فكرٌ، كالمرأة العقيم، وليس من ورائِه إلا وجع العين..
كتاب أكاديمي - يريد أن يرقى كمرجع مجهود كبير معرفة عظيمة مستفز لله ف لله تخرج منه بأسئلة كثيرة الأشياء كما أنه يزيدها الكتاب وضوحاً يزيدها غموضاً من ناحية أخرى مع أن الكتاب كما يبدو له كاتبين ولكن أسلوب أحمد سالم هو الطاغي كما يبدو تطرق لمباحث كثيرة لم يتطرق لها أحد من قبل محاولة للتجرد في البحث جيدة لحد ما
رغم أن عنوان الكتاب يشى بأنه عن ورثة السلفية و عوامل افولها الا أنه فى جزءه الأكبر يتناول السلفي بالعرض المفصل سواء بالسرد التاريخى أو الاشتغال المعرفى للسلفية المعاصرة و هو عرض رغم ما يتسم به من حياد و موضوعية إلا أن نقد المؤلف يتسرب الينا بين ثنايا الكتاب و هو فى أغلبه نقد متوازن و ثرى لغة الكتاب سهلة قريبة و فصوله حسنة الترتيب و ميزته أن عرض السلفية و نقدها صدر ممن هو بها خبير و ليس بالحاقد أو المزرى لها و هى مزية قلما وجدناها فيمن تناول السلفية و التى وقعت بين أما مادحيها بإسراف أو شانئيها بغلو جاء الكتاب فى سبعمائة صفحةعلى سبعة فصول الاول نقاش عن مصطلح السلفية الثانى سرد تاريخ للتحققات السلفية من لدن الامام أحمد مرورا بأهل الحديث بالقرن الرابع وصولا لابن تيمية الثالث عن السلفية المعاصرة و بزوغها مع الدولة السعودية الثالثة الرابع عن الاشتغال المعرفى للسلفية المعاصرة سواء للعلوم الشرعية كالحديث و الفقه أو العلوم الإنسانية الخامس عن اشتباك السلفية مع معضلة الإصلاح ز تباين الحل السلفة بين السلفية العلمية و الحركية و القتالية السادس عن اقول السلفية و أسبابه مثل تشظى السلفية لفرق عدة و فقدان الجواب على اسئلة الواقع و غياب الرموز المؤثرين مجتمعيا و تحول مزاج السلطة عنهم السابع كان عن ما بعد السلفية حيث بين أن السلفية سترحل عن المركز الى الهامش ز سيحل محلها صعود لتيارات أخرى كالاشعرية و التنويرية
طبعا ليست كل الابواب على درجة واحدة من القوة و الفائدة بل كان افضلها هو الرابع ( الاشتغال المعرفى )و الثانى ( السرد التاريخي) ام الفضل الخامس ( معضلة الإصلاح ) فقد كتب بلغة الفيس بوك بل أحسبه اشتمل على منشورات سابقة على الفيس و تم جمعها بالكتاب و لا بأس فى هذا لكن كان ينبغى إعادة تحريرها و اختصارها بما يتلائم مع لغة الكتاب التقريرية بعيدا عن الاسهاب غير المفيد خلال رحلة إلى القراءة و بعدها اثار الكتاب الكثير من الأفكار فى ذهنى و لعلى احاول جمعها فى نقاط عدة ١) رغم اشادتى بالفصل الثانى لكنه استبطن فكرة اتصال السلفية المعاصرة بالامام احمد و بمنهج المحدثين و هذا الأمر هناك من يرفضه و يرى أن السلفية المعاصرة اقرب لفرقة جديدة و أنها لا تندرج ضمن التجليات الحنبلية ، و هذا الأمر ليس فى فيه قول حاسم غير أن المذاهب ما دامت شملت حقبا زمنية مديدة و مناطق متفرقة فإنها ولا بد ستختلف و تتنوع و يبقى السؤال هى اختلافاتها عن جذورها الاولى يعد اختلاف تنوع و تطور مقبول أم أنه اقوال جديدة مبتكرة لا تشملها عباءة المذهب ، يبقى سؤالا صعبا يحتاج إلى دراسة واسعة بالمذهب مع هدوء نفس و اتزان يعصم صاحبه عن شهوة الإقصاء و الاستعلاء التى ابتلينا بها امر آخر و هو أن المذاهب لا بد لها من طول مزاولة و ادمان نظر حتى تستجلى حقائقها و تبين مراميها أما محاولة تحرير مذهب العالم من جملة مبتورة أو اقتباس مقتطع فلن يصل بنا إلى شىء و لن يزيدنا الا اضطرابا و حيرة ٢) الدعوة الوهابية نموذج عملى لتحالف الدينى و السياسى ( ابن سعود و ابن عبد الوهاب) و تجربة ثرية لنتدبر كيف تعزز السلطة انتشار الفكرة الدينية و كذلك كيف يكون ذلك بلاء على المذهب الدينى حيث يؤطره و يصبح محامى السلطة مما يسقطه شعبيا ٣) كما أسلفت ربما يكون فصل الاشتغال المعرفى. هو افضل ما بالكتاب حيث عرض للدرس السلفى المعاصر للفقه و الحديث و الأصول و المؤلفان خبيران بالداخل السلفى ، كذلك رصدا التباينات السلفية الداخلية و هو أمر هام ، فلطالما تم التعامل مع السلفيةكوحدة واحدة لها قول واحد فى أبواب الفقه و العقيدة و للحديث و هو أمر مجافى للحقيقة بل ثمة تباينات داخلية ينبغى استيعابها قبل نقد السلفية حتى لا توصم السلفية بقول هو لاحد رموزها لكنه ليس القول الوحيد ولا حتى المركزى بها ، و الحق أن الكاتب أبدع فى هذا العرض أظهر الاختلاف بين السلفية النجدية و بين الالبانى فى مسائل السياسة و فى مسألة كالنقاب مثلا يشتهر عن السلفية قول واحد فقط فيها رغم أن رمز بحجم الالبانى له قول مغاير لما هو معروف مشتهر ، كذلك رصد الكتاب لتفاعل الوهابية من المعمار التيمى حيث كان متأثرا بصورة أكبر بالقول العقدى دون الممارسة الفقهية ، فمثلا تبنت الوهابية اقوال ابن تيمية النظرية فى نبذ التقليد لكن عند الممارسة العملية كانت أقرب كثيرا للحنبلية لدرجة أن المعتمد فى فتوى مسألة الطلاق الشهيرة هو قول الحنابلة لا قول ابن تيمية ،و قد أظهر الكتاب ام التفعيل الحقيقى للدعوى التيمية فى نبذ التقليد كان مع ابن عثيمين و الالبانى لا مع بواكير الدعوة الوهابية مع ملاحظة البون الشاسع بين ملكات ابن تيمية و ملكات السلفيين المعاصرين، هذه النقاشات كلها مفيدة للنقاش الحالى حول فقه الدليل و يفتح آفاقا أرحب فى هذا النقاش ٤)مارس الكتاب نقدا شديد اللهجة للتعاطى السلفى مع المجتمع حيث وصمه بالاستعلاء و رغبته بصناعة حالة اغتراب عن المجتمع ،كما أنه نقد تعامل الحركة الإسلام مع المجتمع بمبدأ الصياد الساعى لاصطياد فريسته ليلحقها فى ركب الإتباع ( تحويل الدعوة إلى الله إلى تجنيد للتيار) و هى أمور لا تثريب على الكاتب فيها لكن مع ملاحظة أن التيار السلفي استطاع التغلل إلى أعماق المجتمع المصرى سواء فى الريف أو المناطق الشعبية بالحضر مما يجعلنا نعيد النظر فى دعوى الانعزال بل أرى أن الخطاب تلسلفى خاصة فى مطلع الأليفة ارتكز على الوعظ و تبنى حالة شعبوية تخفف كثيرا من الخطاب العلمى مما ساهم فى انتشاره مجتمعيا و تعمقه مستفيدا أيضا الجدب الفكرى لمنافسيه و ضعف خطابهم الدينى و لم يكن ينافسه تقريبا الا خطاب الدعاة الجدد
٥) سرد الكتاب عوامل اقول السلفية لكن أبرزها عندى هو الإفلاس فى مواجهة اسئلة الواقع و كذلك الفقر الرمزي بمعنى عدم القدرة على إنتاج رموز مؤثرين قادرين على جاذبية جماهير من خارج التيار السلفي ٦)يظل سؤال ما بعد السلفية سؤالا ملحا ، نعم لن تنمحى السلفية تماما على الأغلب فالافكار لا تموت لكن ربما تتحور إلى صور و تشكلات جديدة ،كذلك من هم ورثة السلفية؟ هناك بشائر أن المدرسة التراثية الأزهرية مرشحة بقوة بذلك نظرا لما تقدمه من تماسك علمى و بنية تراثية تليدة قادرة على جذب شباب متعطش لها بعد سنوات من التيه الفكرى لكن فى رأيى تعانى هذه المدرسة من كثير من مثالب السلفية كالعجز عن الإجابة على تسئلة الواقع و بدلا عن ذلك تثير أسئلة قديمة ثم تتبرع بالإجابة عليها مثل سؤال الأضرحة و التوسل (فكأنها مقلوب السلفية ) و قطعا هذه الاسئلة هى ليست مركزية بالمرة فى المجتمع بل ربما نحتاج لحديث عن اداب زيارة الساحل أكثر من اداب زيارة الأضرحة ٧) تظل الوهابية تثير فى ذهنى تساؤلا و تعجبا عندما أتامل تعاطى مفكرى مطلع القرن العشرين معها ، طه حسين و العقاد و احمد امين و محمود شاكر كل هؤلاء نقلت عنهم مقولات تفيد بأن لهم اراء مؤيدة و مرحبة بالوهابية و هو الأمر الذى نجد عكسه مع المفكرين متأخرين بعدهم الذين يرون فيها.دعوى للتطرف و الجمود ٨) اطربنى نقد الكاتب لأفكار محمد قطب خاصة مسألة مادية الغرب و الحق أن كثير من نقد الغرب فى عالمنا العربى صار جملا متكررة ممجوجة تكتسب قوتها من تكرارها بلا اى محاولة لإعادة النظر فيها ، مثلا مادية الغرب تصور كحقيقة مكلفة رغم أنه الغرب نفسه الذى أبدع فى الفنون و الاداب و الرسم و منح العالم كلاسيكيات أدبية رفيعة تفيض رقة و عذوبة ٩) ختاما و قد أطلت جدا ينبغى ملاحظة أن الحالة السلفية شديدة الديناميكية بخلاف الانطباع السائد عن جنودها و تخلفها نجدها قد استخدمت التكنولوجيا الحديثة بشكل مبهر و فريد فكانت سباقة بداية من شرائط الكاسيت ثم الفضائيات الدينية ثم معاهد التعليمو الالكترونية ، كل هذا الأمور استطاعت أن تفوق خصومها باشواط واسعة بل لا نبالغ ابدا أن قلنا إن الانتشار السلفى فى العقد الأول من الألفية كان لقناة الناس اليد الطولى فيه يكفيك فقط أن تقارن جمهور القناة فى الماضى و جمهورها الان بعد استيلاء خصوم السلفية عليها نعم نقر أن السلفية الان تعيش مازقا خطيرا خاصة السلفية المصرية و تعانى من فقر حاد فى الرموز و إفلاس تام لا تخطؤه العين لكن تظل السلفية السعودية أنشط و افضل حالة و قادرة على اجتذاب قدر لا بأس به من الأنصار خاصة عبر برامج التعلم الالكتروني الساحة مفتوحة و المخاض طويل و ما زالت الخريطة الفكرية لم تستقر بعد
لم أكمل الكتاب بعد، لكن هذه بعض الاقتباسات التي خرجت منها من قراءتي للكتاب حتى الآن
فمفهوم «ما بعد السلفية» هو مفهومٌ إجرائيٌ، نطرح به أنموذجًا لفهم السلفية، ضمن أفق جديد، لا يَفرِض عى السلفة موتًا، ولا يستشرق لها فناءً، وإنما غاية ما يتقصده أن يحلل خطاب السلفية المعاصرة بتنوعاته المختلفة، ويُظهر مآلات هذا الخطاب في تنوعاته، ضمن الراهن اليوم، الذي تدل شواهده على تراجع وانحسار لجاذبية السردية الكبرى التي نسجتها السلفية المعاصرة، وقدمتها لواقعها، واجتذبت بها أنصارها. (ص: 14)
وعدم فض الاشتباك بين السلفية كمنهج لتلقي الدين وفهمه، وبين تمثلات هذا المنهج الواقعية= يُعد هو أعظم أسباب الإشكال في التعامل مع الحالة السلفية، كما أنه أحد أهم مشكلات التيارات السلفية نفسها في وعيها بذاتها وعلاقتها بمنهجها. (ص: 41)
وإن أولى الأبواب بالمراجعة في النظر العلمي للتراث السلفي هو مراجعة الحيز الضيق الذي تجعله السلفية لفروع الاعتقاد التي تجعل المخالفة فيها من جنس الاختلاف المباح السائغ، في مقابل الحيز الواسع الذي تجعله للأصول الاعتقادية التي تجعل المخالفة فيها من جنس الاختلاف المحرم غير السائغ. (ص: 52)
وهذا الملحظ يتلاشى تدريجياً مع التحققات المتأخرة للسلفية كحالة السلفية المعاصر، حيث يمكن أن تقيم أصلا عقدياً، تجعله معتقد السلف، وليس عندها فيه إلا قول لتابعي، أو بعض التابعين، دون الهيئة التركيبية لإثبات قول الصحابة التي تقدم بيانها، وليس معنى ذلك أنه لا يسوغ والحالة هذه أن يقال إنه قول سلفي، لاسيما إن لم ينقل خلاف، ولكن الإشكال في إمكان أن يقال إنه القول السلفي، أو قول السلف، بحيث لا يجوز العدول عنه لغيره بحجة مقبولة. (ص: 91)
نحن نجد تطبيقات معاصرة مشابهة من السلفية المعاصرة، فبعض التحقيقات تتصرف في الكتب بما يزيل منها المكون العقدي المخالف، وقد تعلق، تعليقات طويلة أشبه بالحواشي على كل موضع مخالف أشعريا أو غيره، وبعض اتجاهات السلفية المعاصرة كالحدادية تحظر قراءة غير الكتب السلفية، ككتب النووي، ابن حجر، وسائر شروح الحديث والفقه التي كتبها الأشاعرة. وبعض المتطورين من الحدادية يمنعون قراءة كتب ابن تيمية الكلامية لأنها في الأول والأخير كتب كلامية بدعية. أما السلفية العلمية المعتدلة فلا ترى جواز ذلك، ولكنها قد تكتب رسائل أو كتبا في بيان المؤخذات العقدية على الشاطبي، أو المؤخذات العقدية على ابن حجر في فتح الباري. وهذا ضرب مستقل من التأليف على كل حال. (هامش رقم: 3، ص: 154-155)
كانت أفكار ابن تيمية تنحسر جيلاً بعد جيل، لا بسبب ضعفها وإنما بسبب الحرب الشديدة التي شُنت عليها … وتواصلت الحرب حتى إننا نجد بعض الملوك يشترون نسخة كتبه بالأثمان الغالية ليدمروها، ونجد بعض الشافعية يفتي بأن من أطلق على ابن تيمية لقب شيخ الإسلام فهو كافر، وجمع ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه: (الرد الوافر) فتاوى تدافع عن ابن تيمية من هذه الناحية، لكنها لا تنزله منزلته أيضاً، بالإضافة لردود السبكي وتقي الدين الحصني وغيرهم، إلى آخر معالم الحرب الفكرية على ابن تيمية، والتي تصلح كأنموذج يدرس. ولم نجعلهاً حرباً من جهة أنها ردود وإنما من جهة ما فيها من البغي والاعتداء الذي لا ينبغي أن يجادل فيه منصف. (ص: 172)
والقول الذي نريد تقريره هنا: أن هذه الممارسة التي قامت بها الوهابية من تكفير المعينين الواقعين في تلك الأفعال وقتالهم قتال المشركين كانت ممارسة جديدة لا تساعد التصرفات السلفية السابقة لهم وفق معرفتنا لها على أن نعد الوهابية مماثلة لها من هذا الوجه، وإن كان هذا لا يخرجهم من كونهم أحد التحققات التاريخية للسلفية. (ص: 183)
لكن الممارسة الوهابية في مجموعها وقلة نصوص التحرز من الانحراف في التكفير والقتال فيها = كانت مرجعاً أساسياً من مراجع الغلو منذ إخوان من طاع الله إلى الآن، وهو مرجع يختلف عن ابن تيمية مثلاً الذي تحتوي نصوصه على احترازات، وتخلو من اقتران التكفي بالتوسع في تكفير المعينين، أو بالقتال، وتخلو أيضاً من نصوص صريحة في التكفير ببعض ما تكفر به الوهابية. ولا يعني هذا أن حكم الوهابيين في الميزان كحكم الغلاة الذين يلتحق بعضهم بالخوارج، بل قد أدرك بعض علماء الدعوة أنواعاً من هؤلاء الغلاة الذين يتكأون على نصوصهم فحكموا بضلالهم. لكن هذا لا يعني أيضاً تخلص الدعوة كمجموعة من المسؤولية، وهو شيء يشبه المسؤولية الجزئية التي يتحملها أحمد رحمه الله في بعرض تصرفاته تجاه أهل البدع أو حتى أهل السنة الذين نطقوا في المحنة، وهي التصرفات التي أعانت بعد ذلك على تطور تيار الغلو الحنبلي في القرنين الرابع والخامس، والمسؤولية الجزئية لا تعني المسؤولية التامة، ولا تعني المساواة في الحكم بين من أنتج أفكاراً أو تصرفات هي أخطاء في نفسها، وبين من أخذ هذه الأخطاء فدمجها وبنى عليها ليصنع صورة أشد خطأ وأبعد ضلالة وأقل في مسوغات الإعذار.
و بعيدا عن أمر الكتاب الحقيقة يوجد بالساحة طرح الذي هو تركت السلفية المعاصرة و كان فيه قول واحد و شددوا علينا .. هذا الطرح أوردني المهالك و وصلت لمرحلة سيئة فعلا لأنه فتح لي باب الانحلال من الشريعة و البحث عن أي مخرج وهمي و البعد عن مركزية إرضاء الله و سوء الظن بعلماء المسلمين المعاصرين و من ثم المتأخرين ومن ثم المتقدمين .. أحذرك يا أخي يا من تقرأ كتابتي هذة إن كنت دخلت هنا متأثرا بالحداثة أو تبغي إباحة شئ أو ما شابه .. و القبر غدا للجميع مرقد فاحرص يا عبد الله و يا أمة الله على مركزية إرضاء الله و السعيد من اتعظ بغيره
ها أنا أمامك في أول أمري اتبعت هذا الطرح الذي هو شددوا علينا يا راجل واتبعت أقوالا شاذة و زدت في اتباع الهوى إلى أن وصلت لدرجة سيئة جدا و ضيعت سنوات من عمري .. ربما لا يمكنك رؤية مقدار التحسر و الندم وراء هذة الكتابة ..
رأيت الكثير يا أخوة ممن دخل هذا المسلك و رأيت كيف أنه لم أر واحدا منهم زاد قربا إلى الله بل إلى سوء وسوء على اختلاف بين درجات السوء .. و السعيد من اتعظ بغيره
علماء أهل السنة و الجماعة المعاصرون وسمهم باسم مخترع و كأنهم فرقة لها أصول فكرية مخالفة لدين الله و هذا الاسم الذي دخل منه و استعمله كثير من أهل البدع العقدية و الأهواء و حصل منه فساد كثير و تأذى منه خلق كثير منهم العبد الفقير إلى الله .. و أظن أن المؤلفين وفقهما الله لما يرضيه لو أحبا أن يتفكرا في نماذج لهذا سيجدان الكثير .. نسأل الله السلامة من الفتن و مما يزخرفه الشيطان من نتن الدنيا ..
و ختاما أقول السعيد من اتعظ بغيره"
عن النبي صلى الله عليه و سلم : الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَ��هَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ. رواه البخاري
كتاب كثيف وعميق استمتعت واستفدت منه كثيرا اشكر مجهود المؤلفين على هذ الكتاب ولدي بعض المناقشات للكتاب ١-محاكمة السلفية بممارسات بعض الجماعات المنتمية لهاغير صحيح وهو كمنيحاكم الاسلام بممارسات بعض المسلمين ٢- تصنيفالناس بانهم سلفيون او لا فيه اشكالية كبيرة في الكتاب وتم اخراج علماء وجماعات من النتساب الى السلفية بدون حق وخاصة اصحاب الدعوات الاصلاحية مثل الامام محمد عبده رغم ان تفسير المنار الذي هو عبارة عن دروسه في التفسير مليء بالدعوة الى فهم السلف للقران ونبذ للخرافة وعبادة القبور صحيح ان لهاراء شاذة وغير مقبولة ولكنها لا تخرجه عن السلفية ٣-اعترف الكاتب ان الدعوات الاصلاحية المعاصرة سلفية فلماذا اخرج الدعوات الاصلاحية في بداية القرن الماضي ٣- ذكر الكاتب نقلا عن الامام احمد وابن تيمية ان الاختلاففي الفروع لا يخرجالانسان من السلفية ومع ذلك اقر الالبانيومقبل الوادعي على الزام السلفيين بالظاهرية في التعامل مع الكتاب والسنة ٤- انتقدالكاتب الامام محمد بن عبدالوهاب في مقاومتهالعنيفة للقبوريين والخرافيينوالقران الكريم مليءبالايات المره بالتوحيد والمحذرة من الشرك الذي هو بالضبط مايجري من القبوريين واظن ان هذه النقطة اكثر ماساءني في الكتاب فاهم ماجاءت به السلفية هو القضاء على الخرافة فاذا حذفنا ذلك فلامزية لها ٥- اخيرا اعتقد ان السلفية هي ما يتعلق بالعقائد اما الاجتهادات الفقيةفالامر فيها واسع واضم اليها وبدرجة اكبر السياسة ومالاجتهاد فيها فالامر واسع فالنصوص في السياسة قليلة ومتروكة لاجتهاد الامة وهو يختلف من بلد لبلد ومن زمن لاخر وليس فيه قطعيات بل الامر فيه واسعجدا اشكر الكاتبين على مجهودهما
القدر الوصفي والتأريخي جيد -على أن المؤلف لم يكن فيه محايدا تماما- الكارثي في الكتاب هو كلامه عن تعريف الفرقة الناجية كتاب أحدث ضجة في زمنه، لكن صدق بعض النقاد الذي وصفه بالمفرقعات الفكرية التي طواها التاريخ خصوصا بعدما صرنا نرى مآلات الطرح هذا وما فعل بأصحابه بين رجل تناسبت لحيته عكسيا مع سنه حتى تحول للايف كوتش وآخر يوهم الناس أنه معالج نفسي متخصص في علم الجنس
ناقش الكتاب عدة، وأثروه ولهم مقالات وتسجيلات منشورة: منهم فهدالعجلان