يملكنا الذهول في البدايات فقط، ثم نعتاد.. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان. ففي تلك السنوات، أسقطت الإنسانية عن الناس، فانمسخوا إلى مجرد أرقام مجهولة، وضاقت الفروع الأمنية على السجّانين حتى صاروا يتخمون بين أسرّة المرضى في المستشفيات.
تسللتُ إلى هناك، فرأيت الأحلام وهي تُسحق في الممرات المعقمة، وفهمت كيف يُجبر البشر على تقبّل ما لا يحتمله الحجر. وبلغ بي اليأس أن أبحث عن آخر آمالي في البرّاد، بين أكياس الجثث.
كانت المسارات تُدار ببرود، وآلة القتل تواصل حصد الأصوات التي تُطالب بالحرية. لم ترحم أحدًا، ولم ينجُ منها حتى عليّ، مجنون الحيّ. لم أكن بطلاً، ولكنني رأيت أبطالًا حقيقيين، متشابهين كالهياكل العظمية، يموتون سريعًا ثم يختفون، لكنهم يحفرون في الوجدان الإنساني أثرًا لا يُمحى.
في هذه الصفحات شهادتي التي كتبتها أداءً للأمانة، ورحمةً بالذاكرة، ورجاءً أن تهجرني الكوابيس.