ظلمات
تتكدس على مكتبي سبعة كتب تنتظر الكتابة عنها، مر زمن لم أكتب فيه مراجعات، كان هناك معرض كتاب خرجت منه بعشرات العناوين اللذيذة، تلت ذلك أيام مرض قضيتها في الفراش اقرأ وأعطس ومن ثم اقرأ وأكح، ثم تلتها أيام سفر رافقني فيها كتابان وعادت معي كتب – فلدي هذه الميزة في توليد الكتب في السفر -، والآن وأنا أتصفح العناوين المنتظرة لا أجد كتاباً يصلح كمدخل لي كـ (ظلمات).
قرأت (ظلمات) عندما كان مخطوطة مكسوة بأحلام مؤلفها – صديقي مبارك -، وها هي المخطوطة قطعت رحلتها الطويلة لتصير كتاباً رشيقاً بغلاف جميل، ولكني قبل الحديث عن الظلمات سأتحدث قليلاً عن صاحبها.
التقيت مبارك لأول مرة قبل أعوام بعيدة، وكان لقاءً يليق بالقراء، كان في معرض كتاب وكنت أقلب بعض الروايات عندما اقترب مني شاب أسمر طويل وأهداني بكل أدب روايته الصغيرة (أميرهم)، قرأت الرواية ووجدت لحسن الحظ العنوان البريدي للمؤلف في آخر الكتاب، فلذا كتبت له ومن ثم توالت الردود بيننا فقررنا عندها أن نفعل خيراً لأنفسنا ونلتقي، هكذا لجئنا إلى مقهى مزدحم في قلب العاصمة، وقد حافظنا فيما بعد على تقليد اللقاء في ذلك المقهى.
كان مبارك حينها متردداً وقد تجاوز تجربة الكتاب الأولى حيال العمل التالي هل يعمل على رواية أم مجموعة قصصية، فيما كنت أنا واثقاً أن عملي القادم سيكون رواية، حسم مبارك تردداته لاحقاً، هكذا صدرت بعدها مجموعته القصصية ذات العنوان الساخر (رسالة إلى جارتي العزباء).
في كل مرة نلتقي فيها يسألني مبارك عن روايتي الموعودة، وفي كل مرة أجيبه بأنني أعمل عليها، حتى بدأ مشروع هذه الرواية يتحول مع كل هذه السنوات إلى ما يشبه مشروع حكومي متعثر، فيما يتجاوز صديقي وبكل هدوء عمله الثالث والذي اختار أن يجعله هذه المرة في ملعبه وتخصصه، فلذا جاء رواية تاريخية قصيرة ذات لغة تراثية عالية.
إنها ظلمات كثيفة، تبدأ باعتقال رجل وإيداعه سجن الخليفة!! لماذا؟ ما الذي فعله؟ لا أحد يعرف، من هنا تنطلق الرواية لتكشف لنا لمَ كانت تلك الظلمات؟ هكذا ينقلنا مبارك من زنازين كئيبة إلى مجلس الخليفة، لنمر بعدها بمدن تطوف بها نذر الحرب وبمقابر يهودية وجريمة مخفية ورجال دولة فاسدين، كل هذا بلغة تراثية قديمة، وكل هذا في سبعين صفحة فقط.
شكراً يا صديقي على مشاركتك لي كتبك، وشكراً لأن مسيرتك تنفخ النار في الرماد الذي آمل أن تنهض منه عنقائي.