"يرقص أمامي السؤال: أي سرّ يجعل الجسد وصلاً , يرويّ ظمأَ حارقاً ً يكاد يحطم روح صاحبه؟".
قد يشعر القاريء أن هذه الجملة تصلح جملة افتتاحية مذهلة وخالدة , ولكنها تخبرنا بالشيء الكثير عن رواية في (الهُنا) وزواياها المتسعة كالدهشة, للروائي الكويتي الغني عن التعريف د.طالب الرفاعي وقبل أن يكون القاريء قد قرأ أكثر من الفصل الاول يجد أن طالب الرفاعي حاضر بقوة كحضور العدالة , لكن صادفني شيء من الارتياح وتساءلت : ماذا بامكان الرواية أن تفعل ؟ يبدو أن نشوء الكثير من الروايات إرتبط إرتباطاً وثيقاً بالحرية ومعناها , فالروايات تحوي الكثير من التجارب الفكرية وهذا استغوار للعمق الانساني, و تقديم وعي ذي رؤية , كذلك الاحساس بالواقع والنظر له بشكل مختلف , وفي هذه الرواية حضر السيد طالب بشغفة وحكمته, .ابتكر نوعاً من آلة الزمن فاستطاع نقلنا من مكتبة إلى اماكن اخرى فيها كوثر ومشاري وباقي أبطال الرواية , ففيها تكمن اسئلة لانهائية من نوع كيف يتحرر الانسان من نفسه ويفتح إمكانات جديدة للارتقاء, كيف هو شكل البحث عن الحرية في مجتمع يجرّم كل شيء لم يتعود عليه؟
في (الهُنا) رواية كالصدفة في جمالها تدور في الأساس حول فكرة مشاركة االروائي " طالب " ابطال روايته , احيث يجلس في مكتبه وقد اتخذ مكاناً قصيا ليتأمل مشاهد الحياة المتتابعة والمتكررة وأيضاً مشاعره وأفكاره وتبصره, وكأنه يحمل كاميرا ويسجل يومياته وأصدقائه مسلطاً عدسته حول عالمه من مكتبه الصغير. ومن المتعارف عليه أن الأدب يرتكز على مبدأ البقاء للأصلح مثله مثل الطبيعة , لذلك جاءت هذه الرواية على الرغم من عدد صفحاتها القليل إلا انها تحدثت عن الكثير مما هو مسكوت عنه متمثلة بشخصية كوثر التي وقعت ضحية لأختياراتها , ومشاري اللامبالي , والكثير وكأنه يقدم لنا شريحة المتعبين في الحياة . أتى النص سلساً مليئاً بمشاعر باذخة حد الدهشة , فيه الكثير من المشاعر المرتبكة , والارواح الحائرة المتحمورة حول ذاتها , رواية تفيض بالحس الانساني.