عريشُ "أمينة" لا يزالُ صامِدًا في مكانِه، رغم ما مَرَّ عليهِ مِن سُيُولٍ ورِياحٍ وأحزَان، يتأثّرُ أحيانًا فيُصلِحُ ولَدُها ما تهدّمَ منه، يجلِبُ السعفَ ويَشدُّ بعضهُ ببعض، ويربطهُ بالحِبالِ، ثم يُعيدُ كلَّ شيءٍ كما كان، سِوى قلبهِ وقلبِ "أمينة"، ليتَ القلوبَ كانت مِن سَعَفٍ وطِين، فنعمُرَها كلما تهدّمت، ونُعيدَ فيها الحياةَ إذا خرُبَت، وليتَ أن الأحزان لا تفعلُ فيها أكثرَ مما يفعلهُ المطرُ والريح، ليتَ القلوبَ لا تنكسِر، لأنها إذا انكسرَت فمن الصعبِ أن تَجبُر، أو أن تعودَ كما كانت، على خِلافِ عريشِ "أمينة"!
"لُوغَان" رِواية تاريخية تتأرجحُ أحداثُها بين الماضي والحاضر، وتُشيّدُ جِسرًا يَعبرُ مِن خلالِه جيلُ اليوم إلى ضِفافِ الأمس، لا للبُكاءِ على الأطلال، أو للتباهِي بمفاخرِ الأجداد، وإنما للاستفادَةِ مِن تجاربهم، والاِرتواءِ مِن عَزائمِهم، ولأننا نؤمِنُ بأنَّ هذا التواصلَ بين الأجيال هو ربطٌ بين الفرعِ وأصلِه، فكيفَ تورِقُ الأغصانُ إذا فُصِلت عن جذورِها وتاريخها؟ وكيف تُثمِرُ شجرَةٌ اجتُثَّ فرعها عن أصلِها؟
صِراعاتٌ على السُّلطةِ والمال والدِّين، وأحداثٌ تبدأُ مِن القَصر، وتنتهي عند عتباتِ العَريش، وأسرارٌ ينضحُ بها البَحر، وتحتويها الكنيسة، وتكتُمها المَقبرَة! وروايةٌ يَضعُها "صاِحبُ القلمِ" بين أيديكم لا ليُفتِّتَ بها أكبادَكُم، وإنما ليروِيَ حكاية حارَةٍ مَسْكَديّةٍ عَتيقة، تآمرَ عليها التاريخُ والرُّواة، فطمَسوا ذِكرَها، وأهملوا سيرَةَ أهلِها، إلى أن انتفضَت بعد طولِ غِياب، وأَبَت إلا أن تصْطفَّ على خرائِطِ الوَجع.
في كُلّ نزفٍ يزيدُ إعجابي بأسلوب كتابة طارق وسرده للأحداث التاريخية بطريقة مشوّقة وسهلة. وفي كل مرة يزيدُ حنقي على الإنجليز ومكرهم ودهائهم في تشتيت أُمّتنا العربية والإسلامية. بانتظار النزف القادم✨️✨️
تمنيت لو أن لوغان كانت الخاتمة ! قلم طارق يُجيد كتابة الوجع بجدارة، لا أعرف كيف توطدت علاقتي العاطفية مع أشخاص الروايات فآلمني مصابهم. يُدرك القاريء سبب تمسك الكاتب بكلمة "النزف" كتعبير قاسٍ عن فحوى الروايات رغم مسلكها التاريخي العريق والعِبر العميقة في كل حدث، إلا أنها محاطة بحبكة درامية عاطفية ذكية جداً كافية كي لا تفلت قلب وعقل من يقرأ أي من أجزاءها.
أكمل المهندس طارق المنذري نزفه هذا بعد ثلاث روايات بدأها بمسكد ثم مطايا الشوق فالسركار، لتأتي لوغان تواصل نزف حبه لمسقط الغالية كما يعيشها السلطان والأعيان وعلماء الدين والأجمل من ذلك كما يعيشها البسطاء، ليحل لغز مريم التي تنصرت برفقة مراش الذي أحبها ولم تحبه ليكونا بذلك أول من تنصر من العمانيين بواسطة الارسالية التبشيرية الأمريكية وقصة الليلة المشأومة في المعمورة، كما حكت الراوية كيف يأتي رد السماء على الظالم، لوغان كان فيها من الجرأة ما فاقت به أخواتها الثلاث السابقة فقد حكى فيها صاحب القلم كيف يكون السلطان بلا سُلطان على أرضه عندما يجعل من "الشيطان الأكبر"، بريطانيا كما وصفها مرة أحد الساسة في إحدى القنوات الاخبارية، حليفًا له وتمكنها من اجباره على توقيع الاتفاقية المانعة كما تسمى. وسُرد في الرواية محاولة الفرنسة كسب ود السلطان فيصل بن تركي ووضع قدم لهم في مسكد لمنافسة الانجليز في هذه الأرض الطيبة. لتنتهي الرواية بتشويق رائع من صاحب القلم للنزف القادم.
رواية لوغان رائعة كأخواتها الثلاث السابقة ومُلئت بالكثير من الحكم والنصائح والدروس المستفادة وكما قال صاحب القلم بتصرف يُروى التأريخ ليؤخذ منه العبر للمستقبل، ما أجمل سرد التأريخ عندما يغلف بقصص إنسانية تجعل فيه روح!!
أبا الجلندي "صاحب القلم" واصل المسير من نزف لآخر حتى تمتعني وتمتع غيري، وأرجو أن تبحث عن أحوسك ليكمل معك فمشاكساتكما تعطي رواياتك طعمًا رائع ولو أنك قلت في النهاية أنه أنت أو أنت هو، الأهم من ذلك أن تبقيه وتبقى تك المشاكسة.
This entire review has been hidden because of spoilers.
يأتي النزف الرابع لوغان بعد مسكد ومطايا الشوق والسركار .. كتابات رائعه لا تمل .. واحداث تاريخيه شيقه ..سعدت كثيرا عندما وصلني خبر طباعتها وامكانية قراءتها.. لكنني في هذا النزف اشتقت الشخصيات الحقيقيه .. جميل ان يدخل الكاتب شخصيات ثانويه غير حقيقيه لتعبر عما في ذلك الزمان.. ولنعيش معاناة من لم يذكر في كتب التاريخ ..لكن التركيز على الشخصيات والاحداث الحقيقيه يجعلها أكثر تشويقا ..
لوغان أثبت لي أن الكاتب لا يكرر نفسه كثيرا، بل يتطور مع كل عمل جديد. وجدت الرواية أكثر نضجا من ناحية الحبكة، وتسلسل الأحداث، وبناء الشخصيات. أكثر ما أعجبني أنك حافظت على هويتك الأدبية القائمة على البحث التاريخي العميق، مع تقديم قصة مشوقة تجعل من الصعب التوقف عن القراءة. أنهيت هذا الكتاب في جلسة واحده من ٨ ساعات طيران. أتمنى التركيز على الشخصيات الحقيقية أكثر في النزف الخامس. شكرا
اعتقد ان الكاتب استطاع وبشكل كبير نقل كُرههِ للانجليز الي قلوب القُرأ وفعلا هم يستحقون هذا الكُره!!! موقف مراش المضحك والمبكي في نفس الوقت عندما كان يقلب وجهه في السماء يطلب مغفرة الرب على مافعل ولكن هل سيقبل الرب توبته دون اسقف؟!!! ودون كنيسه!!😅