رواية البعث ... للأديب والمؤرخ الراحل محمد علي مغربي (رحمه الله) .. هي رائعة من روائع الأدب السعودي، أصدرتها دار تهامة وشارك في إصدارها وزارة الثقافة والإعلام باعتبارها من أوائل القصص التي ظهرت في التاريخ الأدبي الحديث للسعودية .. حيث كانت طبعتها الأولى في عام ١٩٤٨ للميلاد! وسعدت بإهدائهم لي هذه النسخة، لهم الفضل والشكر ..
قصة (البعث) هي حكاية شاب سافر من الحجاز إلى الهند للاستشفاء من مرض ألمّ به بعد أن تعذرت عليه وسائل الشفاء في بلده ..
ماذا رأى هناك؟ ما انطباعاته؟ ومم اندهش وتعجّب؟ هل تعلّم لغتهم؟ وكيف؟! ما قصته مع الممرضة التي يقول عنها الكاتب أنها (فتاة كأنما خُلقت الفتنة على صورتها)؟ ولماذا قابل إحسانها بالإساءة! وهي الفتاة التي لا تستحق إلا التبجيل والحب والإجلال ..! ثم لماذا رجع - بصورة مفاجئة - إلى بلاده؟ وماذا فعل ليستحق محبة الناس وتعظيمهم له ؟!! ما حقيقة تردّي المستوى الإقتصادي لبلاده؟ وماذا فعل - بمفرده - لمواجهة هذه المشكلة بالإضافة لمشاكل الإحتكار والتضخم؟
الرواية - وإن كانت أقرب للقصة منها للرواية - في أصلها قصة صبر ومثابرة، مزجت بقصة حب ومكابرة، تخللتها خواطر دينية، وتأملات فلسفية عمل عليها الكاتب في أسلوب بديع من إشراق العبارة وعمق المعنى، وأراه انتقى أفضل الكلمات في روايته فصبها في رشاقة هندسية كالبناء كل كلمة لبنة تتماسك مع الأخرى ..
اقتباسات راقت لي بين ثنايا السطور :
- ما الحياة في بلده إلا رجوع إلى الوراء، فالناس هناك فيما يرى الآن لا يعيشون، وإنما يسيرون كالآلات في حلقة مفرغة لا مفر منها، كل شيء فيها ككل شيء، حياة كابية وطبيعية ميتة لا حسّ فيها ولا حياة .
- الشيء دائماً يحلو كلما قرن إلى ضده .
- فإن خصوبة الأرض وحسن الموقع يغري الأغنياء من الأجانب باستعمار البلاد استعماراً سياسياً واقتصادياً إن أمكن، أو استعماراً اقتصادياً إن لم يتيسر الاستعمار السياسي .
- المساواة في الظلم عدل .
- إن الناس هم الناس في كل زمان ومكان، والشرائع قيود كما تعلمين، والنفس الإنسانية تحاول أن تكسر القيود وإن كانت في مصلحتها!
- العلاقة تقوم بين الرجل والمرأة على الحب والحنان من جانب المرأة، وعلى الحب والرعاية من جانب الرجل .
- نحن نفكر ونقدر، والأيام تمضي بنا إلى حيث يشاء القدر النافذ، فتدفعنا إلى السبيل الذي ترسمه لنا الأقدار، لا إلى السبيل الذي نرسمه نحن لأنفسنا، والحكيم من استطاع تقبل أحكام القضاء والقدر بالرضى والإيمان، فأفاد من الحادثات وكيّف نفسه معها.
"وأدنى يدها في رفق من فمه فقبلها قبلة حب وإجلال، ورفع عينيه إلى عينيها" "والتقت شفتيه بشفتيها في قبلة عميقة كالزمان".
الكلمات السابقة من "رواية" كتبها في عام 1948، رجل الأعمال، الأديب السعودي الراحل/ محمد علي مغربي للتعبير عن موقف حصل في الهند لبطل روايته، وهو شاب "حجازي"، مع ممرضة هندية تعرف عليها في المستشفى الذي كان يتعالج فيه، وتسبب حبه لها في تغيير حياته من اللهو بلا مراعاة بأي محرم - إلى رجل كثير التفكير والتأمل، محب للشعر والفلسفة، مما تسبب في إسلامها ثم زواجه منها رغم أنها تنحدر من طبقة الهندوس المنبوذين، وكان تحولها للمسيحية استجابة لمتطلبات الحفاظ على وظيفتها في الهند في المجال الطبي!
تعتبر هذه "الرواية"، بل القصة، التي تتضمن 28 فصلا تقع في 147 صفحة من القطع الصغير، من أوائل القصص التي ظهرت في التاريخ الأدبي الحديث للمملكة العربية السعودية، وأحداثها متزامنة مع الحرب العالمية الثانية، من قبل نشوب تلك الحرب، وحتى مابعد نهايتها في العام 1945.
تتناول القصة بأسلوب أدبي سهل رشيق، ملامح الحياة آنذاك في "الحجاز" المتواضعة اقتصاديا وتعليميا واجتماعيا، وكذلك النهضة الصناعية والعلمية التي كان يحلم بها ذلك الشاب "الحجازي" و التباين بين الحياة البدائية البسيطة في الحجاز، مقارنة بالحياة الحيوية المتقدمة في الهند.
المثير للاستغراب هو أننا لا نجد في هذه القصة التي ظهرت للنور عام 1948، أي بعد 16 عاما من إعلان توحيد المملكة العربية السعودية في عام 1932، أي ذكر للوطن بمسماه الرسمي، وليس في القصة أي ذكر للمواطن السعودي: الإشارة فقط للحجاز، ولبطل الرواية "الحجازي" أسامة الزاهي،(يرجى ملاحظة دلالة إسم عائلة البطل)، وذلك على الرغم من أن أحداث القصة قد حصلت بعد توحيد المملكة بحوالي عشرة أعوام!؟
والأعجب من ذلك تجاهل المؤلف تماما لإسم المملكة العربية السعودية، وللمسمى الرسمي لمواطنيه، في كلمته التي وردت بعد نهاية القصة، التي وجهها لقرائها، رغم إيراده في تلك الكلمة لأسماء عدة دول عربية، والإشارة لنكبة 1948 التي حدثت في فلسطين.! (الصفحات 143 إلى 147)؛ (توضح الخاتمة المنشورة بقلم المؤلف في الطبعة الأولى للرواية، أنه بدأ بكتابتها عام 1945، ثم أكملها عام 1948 أي بعد 16 عاما من إعلان قيام المملكة العربية السعودية).
يتضح من إفادة المؤلف في خاتمة "الرواية" عن الهند التي أكد أنه لا يعرفها ولم يرها وإنما هو سمع بها سماعا فقط، أنه قد اتبع النقل والتخيل مع إغفال الفرز والتحليل، كما يتضح من تلك الخاتمة اهتمام مؤلفها بإظهار مساوئ الطائفية، مع تفاؤله "بأمة عربية تؤمن بنفسها وبحقوقها وتضحي بالحياة والمال في سبيل الذود عن الشرف والاحتفاظ بالكرامة"؛ وقد تجاهل المؤلف - على لسان بطل روايته- ما كان من حرص وطنه في ذلك الوقت، على التعليم، موضحا أمنيته بتعليم أبناء البادية، وفي ذلك تجاهل لابتعاث المملكة آنذاك لبعض أبنائها للتعليم خارج المملكة، وتجاهل للمدارس والمعاهد التي كانت موجودة في عدة أنحاء من المملكة، بما في ذلك وادي الصفراء وهي أحد مناطق البدو في منطقة المدينة المنورة، ولعله قد تدارك بعضا من ذلك بإشارات عامة وردت في خاتمة قصته التي وجهها لقرائها.
ومع اعتزاز المؤلف بالعرب وتفاؤله بمستقبلهم، إلا أنه قد أورد على لسان بطل روايته في عدة مواضع عكس ذلك، حيث عرف الفتى الحجازي/"أسامة الزاهي"، في كراتشي لأول مرة معنى حب الناس لبلادهم وإكبارهم لها واهتمامهم بشأنها مقارنة بموطنه الذي تتراجع فيه الحياة للوراء (صفحة 30)، موطنه الذي كل مافيه فقير حقير وتجارة كاسدة ونقص في التعليم ومستشفيات تمثل للناس وكأنها قبور، وعدم توفر الدواء لمجتمع ساد فيه الجهل، مع تألم بطل الرواية من كون الطب في السودان أفضل حالا من مكة( صفحة 35)؛ وأنه لا يوجد في مكة ولا جدة حديقة عامة واحدة؛ وأنه ليس في مكة بستان إلا لأمير أو وزير أو من يقوم مقامهما بين الناس (صفحة 41).
يرحم الله هذا الأديب الكبير الذي أثق أن مؤلفاته التالية أكثر نضجا وأعمق نظرة وأكثر انتماء لمجتمعه ووطنه، مع خلوها من النظرة المتعالية التي استدعته بأن يخاطب قارئ روايته في صفحة (143) بختامها الموجه لقارئها : "إن كنت ممن يستعملون رؤوسهم في الشيء الوحيد الذي خلقت من أجله وهو التفكير"!
حقيقة أنا فخور بامتلاكي لنسخة أصلية من الطبعة الأولى لهذه الرواية التي صدرت عام 1948 من "مطبعة مصر شركة مساهمة مصرية". ولا أظن أن هناك طبعة ثانية منها غير هذه الموضحة صورتها أعلاه والتي أصدرتها قبل سنوات دار تهامة للنشر بالتعاون مع وزارة الثقافة والإعلام السعودية، وعنوانها "البعث وقصص أخرى".