وبعدما صعد السر الإلهي واكتسب المشهد صمتًا جديرًا بانطفاء أبدي قاسي لشعلة شقاوة، وصل الصوت إلى قمة المرتفع وبكى الرجل بصيحة تقطع القلب، حتى إن محمد علي ضبط نفسه وقد تبلل بنطاله بدفء تسرب إلى روحه، وشعر بحزن على كل شيء وأي شيء، كأنه تخطى عقودًا من الهبل والأحلام للواقع بوجهه الشائه، ثم رجل الرجل ولا يزال بكاؤه يهز الزمان والمكان. قال محمد علي وهو يسحب نفسًا عميقًا، وقد لمع وجهه بالعرق في الجو الراكد للواحدة ظهرًا، مطوقًا بغليان المزاج: -فهمت وقتها لماذا سموه وش العيل، لأنه يبكي حزنًا عندما يقتل أحدهم. ثم أضاف: -لو سمعت صوته وهو يبكي لن تنساه؛ كأن العالم كله يبكي.
كاتب مصري مقيم في القاهرة، صدرت أول رواياته؛ ٣٠ أبيب عن دار بتانة عام٢٠٢٢، ثم صدرت ثلاثيته؛ الصداقة كما رواها علي علي وعودة ثانية للابن الضال وجنازة البيض الحارة عن دار المرايا عام٢٠٢٣، وروايته أميرة البحار السبعة عام٢٠٢٤ عن دار المرايا أيضًا، عام ٢٠٢٥ صدرت روايته الواقعة الخاصة بأموات أهله عن دار تنمية والتي تعيد نشر أعماله منذ البداية.
الحقيقة دي من أجمل وامتع روايات السنة لحد دلوقتي رواية مميزة جدا و غريبة وجذابه ان برغم حجمها الكبير الا انك متقدرش الا ان تخلصها بسرعه
طبعا محمد عبد الجواد خلاص معروف بأسلوبه الشيق الممتع الي ينطبق عليه حرفيا السهل الممتنع هو اسلوب سهل في القراءه وممتع جدا لكن من غير اخلال باللغة ولا ان الاسلوب والكتابه تكون ركيكه لا كتابة قوية و اسلوب ولغة غنية جدا
انا شايفه ان في الرواية دي الكاتب بيكمل اللي بدأهه في( أميرة البحار السبعة) وهي محاولة كتابة ميثولوجي مصري و بيكمل عليها في المجموعه القصصية (تقرير عن بوسي كات) محمد عبد الجواد بيكتب عن عوالم غريبة و بعيدة عن اللي حوالينا بشكل يخليها كأنها اساطير ولكن هي قريبة جدا مننا لانه هنا بيتكلم عن عوالم جمبنا و شايفينهم بس منعرفش عنهم حاجه عالم بالغ في القسوة و القبح و القرف و الوساخة وعاجبني هنا ان اللغة ماشية مع العالم القبيح كده من غير تجميل فهنا الكاتب went full unhinged و بعد عن اسلوبه في بقيه كتبه الرقيق الي حد ما و أصبح ملئ بالقبح زي ما قولت زي عالمه عشان مش هتكلم هنا عن شحاتين و مغتصبين و حرامية وانا بتكلم برقة و شاعرية لازم اللغة تكون قاسية و مقرفة عشان تكوت معبرة عن العالم ده
الرواية غرابتها في انها مزيج بين الاساطير و الأدب القوطي و الأدب الإجتماعي الواقعي و كمان الكتابة النفسية
فمثلا احنا هنا في تشريح كامل لشخصية احمد عارف الصحفي اللي بيرمي نفسه في مخاطره مكانش عامل حسابها و لكن عشان هو عدمي شوية و يعتبر مش عارف هدف لحياته غير شغله فهو نفسه يعمل فيه انجاز كبير و يبقي ليه اسمه و يبقي علامة هو ضايع لكن مش بحزن هو ماشي في الدنيا ممتن لكل اللي بيحصله و مستمتع جدا بكل حاجه حواليه و بهواياته القراءه و الطبخ و التسكع في القاهرة و كتابه يومياته
برده في هنا تشريح كامل لشخصيات كتير بتقابلنا علي طول الرواية و حياتهم الكاملة عشان التحقيق الصحفي وشايفة ان ده أدي للرواية غني و عمق شديد و بيدل علي كاتب عبقري قادر يخلق عوالم جوا عوالم جوا عوالم
طبعا جزء الاساطير مع الرعب القوطي اللي هي اصلا احمد عارف بيحبها ومهووس بيها بيظهر هنا مع التحقيق عن احمد وش العيل اللي طول الرواية بنحاول نفهم هو مين عن طريق الناس اللي بتقع في طريق احمد عارف و بنعرف في نهاية الجزء الأول انه يمكن مختلف عن كل الاساطير و الحكايات اللي اتقالت عنه وانه حاجه اسوء منها كتير ولا هو باشا فنان جار عليه الزمن منعرفش
عجبني كمان عمل الكاتب لتداخل شخصيات من اعماله السابقة و انه يعمل ان كلهم في عالم واحد يعني هنا بيتم ذكر شخصيات من قصص مجموعة بوسي كات منها شخصية البطل من قصة أطفال الكورسال الثلاث عشرة واللي كانت المفضلة ليا في المجموعة و اللي جوها شبه الرواية دي جدا جدا و مأثرة عليها و بيتم ذكر شخصية علي علي من نوفيلا الصداقة كما رواها علي علي و شخصية من أميرة البحار السابعة فدي كانت لفتة جميله وروشة جدا الصراحة
طبعا الرواية بتتغلغل في عالم التسول و تجارة الزبالة و تجارة الحلاليف و طرق اكلهم و قتلهم و تربيتهم واللي هي حاجه غريبة بالنسبة لنا وجديدة ومزودة الفايبز الغريبة و معيشة الشحاتين و اولاد الشوارع و الناس اللي بتشغلهم و حياتهم عبارة عن ايه و اللي لآخر الرواية بيظهر لنا جانب اسود منها جدا و الجزء ده اللي مخلي الرواية دي اقسي و أكثر روايات الكاتب سوادا و كآبة بس مش هتحس بكآبة وانت بتقرا بسبب اسلوب الكاتب السلسل الممتع جدا و الفصول بتاعت يوميات احمد عارف الغارقة في النوستالجيا و الشاعرية و محاولة فهم النفس اخر نقطة الاخراج الفني للرواية من طريقة شكل فصول اليوميات إلي وضع صور من مسلسلات و بوسترات افلام و كمان الرسومات الجميله رسومات الفنان علاء تامر و اللي كانت مميزة جدا عشان هي مكانتش مجرد نقل للحدث بس لوحة كاملة متكاملة في حد ذاتها وناقلة للحدث والمشاعر و الشخصيات بشكل سريالي و مكمل لغرابة الرواية الرسومات اغلبها سريالي و غريب لايق جدا علي جو الرواية و مكمل للقصة و الأحداث ومتنوعة بين الرسومات و الكولاج و تقليد لوحات مشهورة و بارودي لبوسترات افلام ففي تنوع كبير فيها رسم قوي جدا و متمكن وجميل
فكل العوامل دي أدي لأن تكون الرواية من أقوي ما قرأته السنة دي و انها مميزة جدا من كل إصدارات السنة بل من فترة كبيرة لأنها جريئة و جديدة و متميزة عن كتاب كتير كاتب مميز في اسلوبه ولغته وطريقته و قصصه حكاء بامتياز تحس ان الحكايات بتتسرسب من عقله بكل سهولة و تحس ان الكتابه جايه بسهوله انه عنده ملكة الكتابة بالفطرة من غير أي مجهود
ولو هيفكرني بحد فطبعا الحكاء الأكبر خيري شلبي وطبعا رواية وكالة عطية المشابهة في العوالم الاتنين اسلوبهم ممتع وسهل و مشوق جدا و مهما كان حجم الراوية هتخلصها بسرعة وانت متسلطن فأنا شايفة ان محمد عبد الجواد خليفته
فهي رواية اشرحها بامتياز واتمني تتقرأ اكتر لأنها تستحق تقدير كبير جدا دي رواية هتعيش وسط أجيال كتير و مش هتتنسي عشانها مهمة
متحمسة جدا للجزء التاني و اتمني ينزل قريب لأني عايزه اعرف بقية الأحداث بفارغ الصبر و ده بسبب ان نهاية الجزء الأول كانت مثيرة و مشوقة جدا
تنسج رواية "قضية أحمد وش العيل" للكاتب محمد عبد الجواد، ميثولوجيا شعبية لا تتعدد فيها الآلهة، لكنها توضع أمام فعل خلق حتميٍّ، تتوالى فيه الحكايات مثل كتاب مقدسٍ لفن الحكي؛ ينبش فيها الراوي بحثًا عن حكاية لا بحثًا عن مقبرة.
لا ينفض محمد عبد الجواد في نصه التراب عن حكايات مأهولةٍ خُطت من العدم بقدر شغفه بأن تولد من رحم أمً مصحوبة بأشباحها؛ حيث هاجس الذات ما زال يعرب عن نفسه داخل خطين متقاربين: حيث يرسم الأول سياق كل حكاية بحثًا عن خطيتها، وبين آخر في يوميات بطله أحمد عارف، صحفي التحقيقات الذي يرسم ظله دون البحث عن مركزية محققةٍ بقدر تفكيكها.
فهنا الحكاية المركزية لـ "وش العيل" أصبحت هي الهامش لكرنفال حكائيٍّ ممنهج، لا تنفك أن تتابع في متوالية تنهض على أعتاب حقيقة غير مطلقة؛ حيث تصبح ذات أحمد عارف هامشًا كونيًا لسياقات متعددة، لا تنفك أن تتساءل عن موقعها داخل الحكاية لتعيد تعريف هويتها في كل مرة. حيث تفض النصوص بكارتها مع كل محكية تحاول أن تفسح لنفسها وجودًا داخل هذا الصرح الكوني للنصوص، بشرط ألا تكفر بخطيتها الأزلية منذ البداية، وهي تحبك مراوغتها الخادعة.
في البداية سيرتبك القارئ من هذا التدفق لكل الخطوط الذاتية لأبطال الحكاية، كأنها سير ذاتية مقتضبة تتقاطع في الواقع؛ عرائس ماريونيت لا ترقى للملحمة بقدر ما ترقى إلى الفضول، وحيث تلك الصيغة المشاغبة للغة - وهي تحاول أن تنبش في ذواتهم - لا تفرط في سياقها الكلي للحكاية، باعتبارها بيت عنكبوت تصنعه الفراغات، لكنها ما تزال هشة بقدر الحقيقة.
إذن، نحن أمام نص يؤصل لمرجعية غير راسخة؛ فهو لا يشبه "ألف ليلة وليلة" في خطيتها، إذ اعتبرنا أنه لا يتمسك بالحكاية للبحث عن نجاة مثل شهرزاد، ولا يشبه إيقاعه السريع ولا خصوصيته مثل حكائين سابقين مثل خيري شلبي، حتى وإن تناصت ذاكرة المتلقي معه؛ لكنه ينشئ تلك المساحة التفاوضية بين طرفين في سياقات متعددة، تكون الحكاية في المطلق هي البطل الأول، لكنها لا تغلق صفحاتها دون أن تترك فاصلًا من ورق مقوى لنرى الحكاية وهي على تخوم الهوامش؛ لتتلصص على ذوات ليست لديها القدرة على الوجود بقدر الاختفاء، لكنها تترك مكانها ندبةً تأبى أن تفارق ذِكراها.
هنا لا يبحث محمد عبد الجواد عن قصدية في بناء النص، لكنه يبحث عن متوالية لا تفقد حسها بهذا القدر من خصوصيتها المتأصلة في استعاراتها؛ فهي ليست شاعريةً بقدر الحياة، ولا مجردةً بقدر الموت، لكنها مرنة بقدر الدهشة.
محمد عبد الجواد من أكثر الكتاب المصريين الحاليين اللي اسمه بيتردد في الترشيحات، وبعد تجربة القراءة الأولي معاه قدرت أقتنع بسهولة بجودة مستواه.
في الرواية الطويلة دي هتلاقي أسلوب جاذب وحكي سلس وشخصيات غريبة تخليك ترتبط بيها بسرعة، ومسرح الحدوتة هي منطقة شعبية قايمة علي تجارة تربية الخنازير، وللمصادفة انا عشت سنين في منطقة مشابهة وقريبة جداً من أرض اللواء.
شخصياً لم استمتع قوي بالرسومات المصاحبة، ومقدرتش أجزم إن كانت جيدة ولا لا.
عموماً الرواية هي جزء اول وما زال الجزء الثاني لم يصدر، وخلتني اتحمس لقراءة باقي أعماله.