نبذة النيل والفرات: "هزهز الهزيز قشرة لحاء الأشجار المثخنة بالطعنات والنازفة بياضاً ولآلئ متحجرة، فقالت شجرة فارقتها منذ لحيظات قدْيات جامعي اللبان في وادي أوفير الكاظم لحرّ الصيف، العاصر للندي المنسكب من أهداب الليل: اضربوني بمدِيّكم وحرابكم أيها الأعوان وسأهبكم من جسدي ما يعينكم على البقاء، اغرسوا ما شاء لكم أن تغرسوه في لحائي بكل ما هو حادٌ وجارح في أياديكم، فكل قطرة مني بركات وبخور طاردة للشياطين، وسائلي محنط لأجساد الموتى ومن تريدون بقاء هيكله إلى الأبد. كادت النجوم الساطعة في سديم المجرّة أن تتراقص لولاء الحياء من ليلة البُهرْ التي يغلب فيها ضوء القمر وميض النجوم، القمر المرسل نوره للعمال العائدين لتوّهم من منازل اللبان، فرحين بإنتصاف الشهر القمري، وهم يفنون ويعدون عشاءهم على المواقد الحجرية الخانقة لأحاديث النار، وبوح الجمر المستعر تحت الرماد. واصلت اللبانة تلاوة آهاتها على مسمع الكائنات الممسوخة منذ الطوفان، منذ أن كان لكل كائن قصة وكيان وملاحم من هزائم وإنتصارات تروى تارة وتوأد تارة في لجّة الكتمان... اطعنوني قدر همتكم واثخنوني جرحاً لا يد ملها إلاّ اللبان المعسجد. أنا التي استحقت لعنة الأسلاف الذين خرجت عن ملتهم وركبت عواطفي وامتطيت صهوة جموحي، غير مبالية بما قاله لي عن بني الأنس من خيانة وغدرٍ ونكون، وإستخفاف بالعهود والمواثيق. ردت عليها شجرة أخرى من جنسها: بنو الأنس الذين لا يعرفون في الحياة إلا المصلحة، والمتوارثون للخسة والضغينة جيلاً بعد آخر. واصلت اللبانة أنينها: عمّقوا الجراح وكلما تعافى جرح أنْكَوَهْ مرات ومرات، فلن يطعم أطفالكم وظعانكم غيري، ولا أحد سواي سيبرئ ذممكم إذا حككم الدائنون، اضربوني وسأخرج لكم سائلاً حليباً في المرة الاولى فلا تأخذوه، واجرحوني مرة أخرى وبعدها سأهبكم لباناً مصغراً... تسامر جامعوا اللبان حول مواقدهم يتناولون كسرات الخبز المستخرجة توّأ من كي الجمر المحفوظ في الرماد، كل ثلاثة أو أربعة عمال يقيمون في بيت حجري بلا سقف؛ العمال الذين يذهبون إلى مستوطنات الأشجار العارية حاملين على ظهورهم ذمم الديون، أو رهان ممتلكاتهم، وآمال أسرهم؛ إذ لا يجدون عملاً آخر يمكن التكسب منه سوى تجريح أشجار اللبان وتجميع المادة السائلة المتحجرة لاحقاً على جذوع الأشجار... بعد رمي الفتات من الطعام في الأمعاء، ينام الأعوان إستعداداً ليوم آخر من العمل والشقاء، في تلك الأثناء كانت اللبانة تتلو على مسامع الصمت تراتيل الخيبات، كما تفعل كل ليلة بعد بدء الطوفان بقرون، حين قدّمت ذاتها قرباناً للخطيئة المرتكبة بفعل العشق والحب والمشاعر... أنا التي تستحق كل ما جرى لي، فمن يخرق النواميس ويدنس المحراب، ومن يخرج عن الأعراف المتفق عليها، يناء جزاء الآثم المرتكب... تولى الندم منادمة موشكا منذ أن تحولت إلى شجرة تناسلت آلاف الأشجار المستعدّة ليلقي الضربات وتنال الغفران، آلاف الأشجار وربما أكثر من هذا العدد بكثير تشعر بالشعور ذاته وبالإحساس نفسه المندلق من محفظة الكتمان... موشكا... موشكا... موشكا... من هي موشكا؟! هي حكاية... أسطور أنثى أصابتها اللعنة... أنثى أحبت، عشقت حاولت أن تتبع هواها حيثما توجه، لكنها قوبلت بالرفض والنكران والجحود وبالخسّة من أهلها ومن العشيق الذي خالفت لأجله نصائح أمها، وتعاويذ النساء الكاهنات من جنسها حين مسّون جسدها بعد بلوغها المحيض، تركها عاشقها وحدها بعد أن أخذ منها ما أراد أخذه... هكذا تروي حلوت لزوجها الدعن حكاية موشكا التي لا تفتأ تذكرها في كل حين... سواء استمعت أم لا، فإني سأتحدث، ليس لك وإنما لوجه موشكا، لخافقها المكتوم، لروحها الساكنة هنا في منازل اللبان، حيث اختارت أن تبقى وأن يدوم ذاكرها... موشكا هي الأنثى التي قررت في ذاتها أن تكون كما هي، أن تعيش بروحها وتستمع لمشاعرها الداخلية، حاسة بعد أخرى وهمس بعد نفس، حين رأت صعود الناس على ظهر المركب للنجاة من الطوفان لم تنتظر ولم تستأذن... ولما دخلت خلسة في الخنّ المهيأ للبشر، جلست بجانب أنشرون وهناك...
موشكا كعكة اسطورية عمانية الصنع أتقن الكاتب محمد الشحري مزج مكوناتها بتوازن فكان لأسلوب الرواية الرشيق واللغة المنسوجة دور في متعة القارئ رغم الأحداث الخيالية التي تتجول فيها بين الحكاية الرئيسية لموشكا الفتاة التي دفعت ثمن خطيئتها فكانت رمز للعطاء وبين حكايات أخرى كانت المكمل لحبكة الرواية المعطرة بدخان اللبان العماني
تأخذنا رواية موشكا في رحلة عميقة بين الحب والخطيئة والتكفير حيث تتجسد الحكاية في شخصية امرأة أحبت بصدق لكنها وجدت نفسها تدفع ثمن هذا الحب بتحولها إلى شجرة لبان في رمزية تحمل أبعادًا إنسانية وروحية عميقة. هذا التحول لم يكن مجرد حدث خيالي بل جاء كفعل تطهّر وتكفير وارتبط بعنصر اللبان الذي شكّل محورًا مهمًا في الرواية.
ما يميز الرواية هو قدرتها على المزج بين الواقع والخيال بسلاسة لافتة إذ لا يشعر القارئ بانفصال بين العالمين بل يبدو كل منهما مكمّلًا للآخر. كما احتوت الرواية على معلومات ثرية حول اللبان سواء من الناحية الثقافية أو الرمزية مما أضاف بعدًا معرفيًا للنص دون أن يثقله.
تقدّم رواية “موشكا” لمحمد الشحري سردًا يجمع بين الواقعية والخيال الأسطوري، حيث تستلهم عالمها من طقوس جني اللبان في محافظة ظفار، وتستحضر الأساطير القديمة التي نُسجت حول هذه الشجرة. وتلمّح الرواية إلى احتمال أن بعض هذه الحكايات صاغها السكان المحليون لحماية شجرة اللبان، بوصفها مصدر رزقهم التاريخي وأحد أعمدة تجارتهم التي عبروا بها القارات.
الرواية عمل يجمع بين توثيق الذاكرة الشعبية واستحضار الأسطورة، في نص هادئ الإيقاع، غني بالدلالات، ويقدّم تجربة قراءة تأملية متجذّرة في البيئة الظفارية
شعرت بالتشتت في بعض جوانب الرواية، حيث يقفز الكاتب من موضوع إلى آخر، تمنيت التركيز على الطقوس والثقافة المرتبطة بجني اللبان في محافظة ظفار، لأنها ثقافة غنية جدا، وكان ممكن للكاتب أن يقدم لنا مادة ثرية كونه من مواليد المحافظة والأقرب للكتابة عنها