يهدف هذا الكتاب إلى : ـ معرفة تطور علاقة الفينيقيين بقرطاجة طوال فترة وجودها. ـ فهم مدى أهمية المدّ الحضاري الفينيقي الذي انتقل إلى غرب البحر الأبيض المتوسط و خاصة إلى قرطاجة. ـ معرفة أهمية الروح الشرقية في الحضارة القرطاجية ـ المساهمة في التوصل إلى تحليل أعمق و تقويم أثبت للحضارة القرطاجية و البونية.
في مبحث يعود إلى سنة 1993، يقدّم الدكتور أحمد الفرجاوي وجها مهمّا لقرطاج التونسية، إذ يجد صلاتِها بأصولِها الفينيقية الشرقية. نقل الفرجاوي سؤاله إلى مستويات قليلة، أوّلها التأسيس، ثم العلاقة السياسية، فاللغة فالديانات. وقد فصّل في ذكر الوثائق المادّية من نقائش ولقى وخزف ومبانٍ الخ، وسمح لنا ولو بقدر يسير من مشاركة العلماء رحلات الكشف الباهرة، والتعامل مع استنتاجاته بأكثر من منطق التلقين العموديّ. ولئن لم يبخل الكاتب في ذكر مصادر مختلف المعلومات التي قدّمها مبحثه، فإنه اقتصر على التنويه الاكاديمي الجافّ الّذي لا يفيد إلا القارئ العازم على مواصلة البحث، ولا يحدث الاستثناء إلا في لحظات قليلة يصبح المرجع نفسُه أصل السؤال، كما الحال في مسألة تأسيس قرطاج والنصوص الّتي وثقت ذلك. يحاول الكتاب أن ينزع منزعا علميا لا يخفيه صاحبه بل أراه يشطّ فيه حتّى الإلحان، ففي الفصل المتعلّق باللغة، يصرّ الفرجاوي على استعمال الكثير من الرسوب البيانية الّتي تقدّم معطيات شديدة البساطة ولا يحتاج تبيّنها إلى رسوم مساعدة. فأغلبها يحتوي على ثلاثة أرقام أو رقمين، فمن يحتاج إلى الرسم ليقارن بينها؟ ثمّ لماذا استعمال ما يشبه نظام الإحداثيات الديكارتيّ ليقدّم بيانات أحاديّة الأرقام؟ على كلّ حال، أماط الفرجاوي اللثام عن متانة العلاقة بين صور وبقية المدن الفينيقية الشرقية، وبين قرطاج وباقي المستوطنات البونية الغربية، وهي مسألة لا أكاد أقرأ عنها في الكتب التونسية الّتي تدرس الحضارة البونية. وهو بذلك، يكسر صنم حضارة الثلاثة آلاف سنة الّتي يردّدها الإعلام التونسيّ كالببغاء. إنّ قرطاج في البدء وفي أغلب فتراتها منتوج شرقيّ ساميّ أصيل، ظلّ `إلى حدود القرن الخامس امتدادا لمدينة صور، ولم يكن استقلال المدينة التونسية إلا لضعف المدينة اللبنانية وتدهورها مع المدّ الفارسيّ فالهيلينيّ. يبقى مبحث جانبيّ مهمّ هو تقريب الأطفال أو تقديم الأطفال قرابين للآلهة، فالفرجاوي يؤكد رسوخ العادة في قرطاج رغم انقراضها في فينيقية، ويبدو أن البحوث الحديثة تراجع هذه الحقيقة بل تدحضها. فهل الدحض من قبيل الشوفينية التونسية المحضة، أم أنه بالفعل نتاج أبحاث جديدة مثمرة؟