في قصص «أحلام ومآسي»، ومع تكرار صوت الراوي والأماكن والأسماء، نجد أنفسنا في عالم واسع أقرب إلى الرواية أو المتوالية القصصية.
تأخذنا هذه المتوالية في رحلة داخل أعماق جيل واجه تغيرات كبرى، من خلال صوت راوٍ يشعر بالحيرة والقلق تجاه وجوده، ويحاول جاهدًا أن يفهم نفسه من خلال نظرة الآخرين إليه، لكنه يكتشف في كل مرة أنه يعيش غربة مُرَّة رغم وجوده في مدينته ووسط أصحابه وحبيباته.
تتنقل القصص بين واقعنا اليومي بتفاصيله الكئيبة والخيال بكائناته الجميلة، وترسم ملامح الحب والوحدة والبحث عن الأمان في عالم سريع التغيير. إنها محاولة لترجمة مشاعر جيل يهرب إلى الأحلام بحثًا عن المعنى.
في القراءة الأولي كنا نحتفي بصدور الجديد من بلال، قرأنا القصص ثم تشابكنا معها؛ قراءة خالية من النقد تمامًا أو حتي خالية من محاولة استيعاب ما كتبه بلال، قراءة مليئة باللهفة والفضول لكاتب نُقدِره؛ برغم ذلك شعرنا بالألفة والحنين إلي ماضي ما، ماضي يجيد بلال الكتابة عنه والتغزل به وأحيانًا مناطحته ومحاولة فلسفته أو منطَقته، وفي كل قصة شعرت بنفس الشيء الذي شعرت به في الصداقة أو الطيور تهاجر ألا أن الراوي واحد، لأجد في القراءة الثانية لم يكن الراوي واحدًا بل هي شبحية بلال التي تُسيطر علي اللغة، فترتدي اللغة الرداء الذي يختاره بلال ويراه مناسبًا.
ربما في البداية شعرت بالضجر من هذا الزي الذي يطغي علي حبكة القصة، أو للدقة كان سِحر اللغة أحيانًا ما يُنسيني القصة وأبطالها، فكنت أغرق في جمال وحده بلال قادر علي غزله ودمجه؛ ويبدو ذلك للوهلة الأولي طمس لمعايير القصة القصيرة.
؛لكن في القراءة الثانية قررت أن أقرأ فقط ما كتبه بلال بدون تفنيد للعمل الأدبي أو محاولة حصره أو تعريفه، حرية تامة أطلقتها للكِتاب الذي بين يديَّ وقرأت بقلب غير متلهف وبعين غير متسرعة، قراءة علي مهل وعلي فترات متقطعة؛ لأجد أنني أحب كتابة بلال لا لجمالها أو لذكائها الفلسفي أو حتي لانفرادتها الشاعرية؛ بل لحُريتها المطلقة وعدم التزامها بمعايير، معايير قد تسلب روح الكاتب وما أكثر الأعمال التي اختار فيها الكاتب خسارة صوته أمام مكسب النص.
تحرر الكاتب من معايير معينة لكتابة القصة القصيرة هو انتصار يشبه انتصار أدب وشِعر أبناء القري والمدن الصغيرة علي مركزية القاهرة التي ترسم دائمًا شكلًا معينًا للعمل الأدبي ثم تقوم بتقييمه بناءً علي تلك المعايير التي قامت هي بوضعها، مشابهة ربما لم يلتفت إليها الكاتب وفي أغلب الظن لم يكن يقصدها؛ لكن روح القاريء ستستشفها وستقوم عدسته بالتقاطها وتكبيرها .
أعتقد إني هعود لقرأتها مرات أخري قريبة، وبالتأكيد سأكتشف قصة آخري تُربك من آلياتي الدفاعية وسألمس جمالًا لم ألتفت إليه بعد؛ لأنه كما وصف بلال القصة من وجهة نظره وعلي حد تعبيره " لا يقتصر الأمر أن تكون لديك حكاية جميلة، ولكن أن تكون قادرًا - في أي وقت - علي اختلاق الأعذار الكافية والمختلقة لإعادة حكيها "..
"إننا لسنا محبطين لأننا وُعِدنا بما لا يمكن، ولكن لأن إحباطنا هو دليلنا الوحيد على استحقاقنا لهذا الوعد الذي لم نتلقَّه بداية. ضجرُنا من «الرتيب» دليل جدارتنا بالأجمل. وأذكر أنه بدا لي وقتها أننا لسنا جيلًا عظيم الإنجازات والهزائم، ولكن جيل غريب الملاحم والمهازل والتعابير."
ميزة بلال علاء أنه ابن جيلنا ويشبهنا، نختلف كثيرا فيما نرتكبه من حماقات ونخوضه من حروب، ولكننا نشترك بالصوت الداخلي الذي يهمس باستمرار، بالخلفية التي شكلتنا والثقافة المشتركة التي نشأنا عليها، حتى بالثورة والاسوأ بالهزيمة، لذلك كل ما يقوله مفهوم ويريح القلب ويجعلك تؤمن أنك لست وحدك رغم وحدتك، وأنك لست حزين رغم حزنك، وانه لم يكن بالامكان أن نفعل غير ما فعلنا وننهزم كما هُزمنا.
"يرتد نصف خائب من محاولات لاصطياد العالم"
جميل جدا كيف يختزل الشعور بجملة، واتمنى أن يخلق بالاعمال القادمة عوالم اوسع تحملها صفحات أكثر، وأحب أن أقرأ رواية طويلة له بتفسير أقل لمعضلات الأبطال حتى نخلق هامش للنقاش والتأويل، وأن يكون الابطال أكثر تنوعا عن الكتب التي قرأتها له، ولكن إن لم يفعل ايا من ذلك واستمر فقط يكتب فنحن ممتنون، وأظن أنني سأظل بشكل أبدي أتمنى أن يبقى يكتب ونحن نقرأ.
" وفي الحقيقة، كان ذلك، وقتها، كافيًا جدًّا لنا؛ ففي مستقبل نعلم أننا لن ننال منه الشيء الكثير، اطمأنننا أننا لن نناله لا لعجز ولا قصور فينا، بل بسبب تحيز اجتماعي وثقافي لا حيلة لنا فيه."
المربك ليس أن الزمان يتغير كل جيل , ولكن أنه يتغير خلال سنوات قليلة في حياة الجيل نفسه . هكذا التفتت إلي فريدة في زمان الحب ثم اعطتني بعدها بسنوات قليلة من المنقي خيار في زمان العلاقات المرتبكة وبدايات التعرف عل مصطلحات الطب النفسي الشعبي . كان الحب في بدايته كلاسيكيا ، سلطانا ،ديكتاتورا كتلك الديكتاتورية التي أردنا الثورة عليها ، ثم أضحى بعد سنوات مواطنا عقلانيا في جمهورية المنفعة المتبادلة والتفاوض العنيف وسوق الرغبات المتعلم والحر . في بداياته كنت أكتب القصيدة تلو الأخرى عن الالتفاتة ، نظرة العين الجانبية الحانية التي تدفئ العالم . في نهاياته ، كنت أكتب القصيدة عن موازين الحب وضرورة تساوي كفتيه . في بداياته كان يكفيني أن يكون في الكفة الأخرى أي شئ . في نهاياته ، كنت أردد - مثل قيس بن الملوح - أن يسوي الرب الحب بيني وبينها ، يكون كفافا لا علي ولا ليا .
- ربما تكون إحدى علامات اللحظات الكبرى في حياتنا كونها عصية على التأريخ الآني، نكون مغمورين فيها إلى الحد الذي نفقد فيه تفكيرنا القصصي الراغب في وضع كل شيء في سياق يمكن حكايته.
- لكن كل ذلك سيأتي تحت بند «الورد إن دبل ريحته فيه». أحد أحب الأمثال إلى قلبي؛ ربما لأنه يعني -ضمن ما يعني - أن لا شيء ينفلت منا بكليته.
مازلت أحب أسلوب بلال علاء لكن مشكلتي هنا أن توقعاتي كانت مرتفعة... بعد أن سحرني كتاب لن نصنع الفلك، خيبت هذه القصص توقعاتي
❞ إن مشكلتنا أننا انتزعنا أرجلنا من الأرض دون أن نمتلك أجنحة، ودون أن نكون متواضعين كفاية لنتعلم المشي ❝
❞ إن كان هذا الجيل يمتلك قدرة ما فهي بالضبط قدرته على عدم احترام الكلمات الختامية المثالية. ❝
❞ لسنا محبطين لأننا وُعِدنا بما لا يمكن، ولكن لأن إحباطنا هو دليلنا الوحيد على استحقاقنا لهذا الوعد الذي لم نتلقَّه بداية. ضجرُنا من «الرتيب» دليل جدارتنا بالأجمل. وأذكر أنه بدا لي وقتها أننا لسنا جيلًا عظيم الإنجازات والهزائم، ولكن جيل غريب الملاحم والمهازل والتعابير. ❝
❞ نموذج مثالي لمتلازمة «أن تكون على وشك أن تحب شخصًا ما، وربما تحب أن تحبه أيضًا، لكنك لسبب ما لا تفعل» ❝
❞ خسارة الصداقة جريمة مشتركة يجب التحفظ عليها بادعاء أنها لم توجد من الأصل ❝
❞ ربما تكون إحدى علامات اللحظات الكبرى في حياتنا كونها عصية على التأريخ الآني؛ نكون مغمورين فيها إلى الحد الذي نفقد فيه تفكيرنا القصصي الراغب في وضع كل شيء في سياق يمكن حكايته. ❝
❞ في البدايات، يعيد الإنسان التعرف على نفسه بينما يقص قصته، وربما يكون أقرب ما يمكنه أن يكون إلى فهم نفسه، وربما لذلك تحديدًا يكون قابلًا للحب. ❝
❞ لكن شروط الحكاية لا تقتصر على جمالها ومهارة اقتناص الفرصة المناسبة لحكايتها من جديد، بل تشتمل أن نكون مستعدين لنندهش مما لا دهشة فيه، أو ألا تشتتنا شيوعية الحكاية عن الحق الفردي في امتلاكها؛ فلا جديد يُذكَر ولا قديم يُعاد في الحب، إنه شائع ومكرر وموهوب لكل الناس، ومع شيوعيته، فكل إحساس به أصيل مثل كل الإحساسات الأخرى، مهما تفاضلت بعضها على بعض في قدرتها على التعبير عن فرادتها؛ إذ الفرادة في التعبير لا غير، أو هكذا كنت أظن وقتها، في ذلك الزمان❝
❞ كنا في العمر المناسب تمامًا لنكون حطب الثورة ونارها، لكننا لم نكن كبارًا كفاية ليكون لنا كلمة في مساراتها ❝
❞ «إن الثورة دائمًا أكبر من أن تنتصر لأفراده، وإن العالم، الذي كافحنا دهرًا لتوسيعه، قد اتسع، وفي اتساعه، تضاءل وجودنا حتى ساوى وجودنا القديم الذي ضجرنا منه.» ❝
❞ ففكرة الحب الرومانسي –كما نفهمها – تنتصر للفرادة؛ أننا نقع في الحب لأن رابطة فريدة تربط بيننا وبين الآخر. لكن الحقيقة أن هذه الرابطة غالبًا ما تكون مجرد استبطان لمعايير مجتمعية عن الجمال والذكاء والظرف، معايير يدربنا المجتمع عليها منذ نعومة أظفارنا، ليس فقط في الأفلام والشعر والأدب، بل أيضًا في تعليقات الأقارب، وفي انحيازات المدرسين والمدرسات، وفي السهولة التي نلمح بها آخرين يتلقون مديحًا نسعى جاهدين إليه دون جدوى. ❝
"إن العالم، الذي كافحنا دهرا لتوسيعه، قد اتسع، وفي اتساعه، تضاءل وجودنا حتى ساوى وجودنا القديم الذي ضجرنا منه!" عن الأحلام/الأفكار/الرغبات المثالية التي يستحيل تحققها إلا بحدوث مفارقات لابد منها فنتمسك بجمال المستحيل ليصيبنا من الأسى جوانب! أتمنى أن أكون بالشجاعة الكافية التي تسمح لي بالتخلي عن بعض الأفكار المثالية والكاملة ذهنيا حتى يتسنى لي عيش التجربة الواقعية كما هي والاستمتاع بمعاركة الحياة رغم نقصانها. سعدت بحضوري حفل توقيع الكتاب أمس بمكتبة ديوان مصر الجديدة. أتمنى أن تدوم صداقتي مع كتابات أستاذ بلال، وأتمنى له مزيدا من التألق!
تتعلق أغلب شخصيات بلال علاء بنقطة ما في الماضي مرت لكنهم لم يتركوها، الشخصيات لا تزال هناك، في زمن بعيد، تحمله على كتفيها كحقيبة لا يمكن التخلص منها. القصص مليئة بلحظات التأمل في الزمن والحب المهزوم والعلاقات المرتبكة، أفضلهم بالنسبة لي قصة "أسطورة"، قصة لطيفة شديدة البساطة عن الأحلام المستحيلة التي نتعلق بها بلا أمل. إجمالًا أعجبتني أكثر من روايته "عم نتحدث حين نتحدث عن الصداقة".
من الحجات اللي بحبها في بلال علاء انه بيتطور مع كل عمل سواء لغة أو أسلوب. والمميز هنا انه بيحكي عن جيل شباب الثورة بس بشكل ذاتي، عن هزائمهم الشخصية قبل السياسية، عن مفهوهم للحب والعلاقات والتربية والثقافة وكل شيء تقريبا، بس من عدسة خاصة جدا بعيدا عن الشعارات السياسية اللي كونت جيل كامل وجزء كبير منهم لسه محبوس فيها. فمبسوط ان بلال عرف يقربني من الجيل ده اكتر لأن وصفه لأبسط الاشياء بيدهشني انه قدر يصيغ مشاعر تبدو شديدة البساطة ولكنها مكثفة جدا ومحتاجة عين شوافة عشان تتوصف.
بلال شاطر في توصيف شكل العلاقات بستمتع جدا في تحليله ورأيه وبنغمس في القصة - هنالك تطور ملحوظ في عدم التوهان فالشخصيات عن كتاب الصداقة ولو أنه في أفضل- أي وقت بصحبة بلال ممتع من الكتاب القليلين المعاصرين اللي مهتم أقتني كل كتبه. عندي رجاء صغير أن تختمر الفكرة في رأسه عشان يدخل عالم الرواية لو أراد لأنه أبطاله دايماً نفسهم قصير بتعبير صديقي عمرو أو يفاجئنا بالقادم على المستوي الفني محبة خالصة وامتنان لبلال متوقع له الكثير من النجاحات في المستقبل القريب