علي أحمد الديري، ناقد وباحث متخصص في تحليل الخطاب، أنهى رسالة الماجستير"قوانين تفسير الخطاب عند ابن حزم الأندلسي" في2007. وناقش أطروحة الدكتوراه "مجازات الجسد عند إخوان الصفاء وابن عربي" في 2010.
صدر له "التربية والمؤسسات الرمزية.. كيف تنتج المؤسسات ذواتنا؟"، "مجازات بها نرى: كيف نفكر بالمجاز؟"، "طوق الخطاب: دراسة في ظاهرية ابن حزم"، "العبور المبدع: استراتيجية التفكير والتعبير باستخدام المجاز"، "خارج الطائفة"، "كيف يفكر الفلاسفة؟"، "نصوص التوحش: التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية"، "إله التوحش: التكفير والسياسة الوهابية".
الكتاب يحكي تفاصيل حياة جدة الكاتب الدكتور علي الديري... وكديري عشت بين تفاصيل الكتاب كنت أقرأه وأسأل أمي عن الشخصيات وأربط الشخصيات السابقة بالجيل الحالي.. مع تعليقات أمي عن عذوبة هذه الشخصية الفريدة سلامة سلوم
الكتاب أعجبني .. وأعجبتني طريقة سرد الكاتب لعلاقته بجدته رحمها الله
سلامة سلوم وصف لومضات من حياة امرأة بحرانية قد تتوقع أن تجدها في أي من قرى البحرين أو مدنها : الجدة الحنون، المتماهية مع الحسينية التي تحتضنها في بيتها، والمرتبطة كثيرا مع نسيج مجتمعها الذي يبكي فقدها كما لو كان من لحمها ودمها تأريخ جميل وتفصيلي بدرجة ما لسير الحسينيات النسائية التقليدية مغلف بإطار اعتذاري لوقفة سلبية سابقة منه ومحاولة تحسينه؛ علي الديري في الكتاب يعتذر لأنه لم يتفهم اغراق هذه الحسينيات في البكاء وعدم رغبة مرتاداته في الحيد عن العاطفة تمنيت لو عرفنا أكثر بجدته في خط زمني يسهل المشي فيه؛ كما اني شعرت بعض الأحيان ان هناك الكثير من الأسماء في 64 صفحة :)
حين تنام الجدّات وترحل إلى مضجعها الأخير، يغادر معهنَّ جزءٌ من التاريخ و ألبومٌ من الصور لـ محطة استثنائية وفصل من الذاكرة لا يضيع.. هنّ لسنّ منبع لجينات ماكينة بشريّة مهترئة أو مستودع لأشياء قديمة؛ بل هويّة شخصية لأفراد العائلة لا يؤرقها مشجبيْ الزمان والمكان! وجودهن يطبع بصمة خالدة في وثائق القلب، يقول الديري"جدتي كانت تبصم لأنها لا تكتب، وفي علاقاتها كان تبصم بقلبها، وأنا تعلمت منها ذلك".. ماذا يتلمس القارئ لـ سيرة جدة الديري "سلامة سلوم" -عابرا كان أم متعمقا-؟ سلامة العابرة للقلوب قبل الأماكن لم تكن شخصية عاديّة تمضغها السنون.. أشياؤها الماثلة لخلد حفيدها الأكبر نطقت فاستدعت كتابته! عاشت حياة حافلة استطاعت أن تحيك تساؤلات ملحة على تشكيله الذهني، أن تزاوج الفكر بين ترهات الماضي وتحديات الحاضر، أن تمتد عجلة زمنها إلى زمانه بلا عطب فلا يكاد يدخل بوابتها حتى يشعر بالأريحية "ما أضيّق الأشياء بعدك، وما أوسع الأشياء معك".. أريحية تتجاوز هيبة المتسلسل ورهبة المقتحم فتبدو معها حتى اللحظة العابرة ثمينة لأنها تمتلك قيمة حسية استطاعت أن تمارس فيها تأثيراً على روح قلمه.
سلامة في ذاكرة حفيدها لا تقوم بأعمال خارقة إنما هي تستذكر، تسرد عليه ذكرياتها العريقة منبعثة من حياة ترتع بين معتقل الحياة الضيّق إلى باحة واسعة للذاكرة الجماعية "وفي المجلس تحضر سير الحياة كلها حلوها ومرها، وغريبها ومألوفها، تجد النسوة في هذا المجلس فضاءهن الحر في السرد والقول، بعيدا عن سلطة الرجل، تأتي الواحدة منهن محملة بيومياتها وأخبار ما يستجد في القرية، وما تقوله الصحف".. عالم صغير يتحول إلى عوالم وحكاية تتلوها حكاية، أو شهرزاد ـ بل شهرزادات يحكين ويحكين، صوت شهرياري واحد أخاله للديري منبعثا كمونولوج لبانوراما الأحداث في زوايا المجلس أو تحت جدران المأتم الذي كان يراه الديري مرصوصا ببنيان مقدس لا يتجدد بل يتكلم بصوت واحد ونبرة واحدة ووتيرة واحدة قلما تقبل النقد.
وسط نياحة المأتم ودماء الملحمة الحسينية ورواياتها.. ثمة رؤية متمعنة في النص والذات، كلمات مكتوبة وأخرى غير مكتوبة! حوار وحرائق تصف مسرح تاريخ الملحمة بندوبها وتقاسيمها وبصمات روادها الخالدة .. ثمة شعور كان يساور الديري يأبى اختصار وجدان هذه الملحمة في استدرار الدمع. "كنت أرى في هذه المخيلة أسطورة تجتر الدمعة لا الفكرة، مخيلة لا تستجيب لحركة الواقع التي كنا مأخوذين بها حد مجاوزة الواقع... كنا نحلم بخطاب نسائي يحمل طرحاً سياسياً ووعياً تربوياً ومجتمعياً وتاريخياً"..
كانت سلامة سلوم في الكتاب أكثر من حاضرة، بدت عصيّة على الرحيل.. يقلب القارئ صفحات الكتاب فيستشعر بأنه يرى إيماءات وجهها جلابياتها المطرزة وقلائدها الذهبية، ترقبها لعودة حفيدها الأكبر "ظلت تجمع العملات المعدنية، تعدها لفرحة رجوعي، لست أدري كم فيها من فئة الدوار (500فلس) لكني أعرف أن فيها لؤلؤة قها التي تدور بحثا عني".
سيرة الجدات لا تقتصر عليهن وحدهن، بل تشمل جميع خيوط العائلة لتصل إلى القرية والمجتمع. هذا ما يعكسه كتاب سيرة الجدة سلامة والعالم المحيط بها. هذا الكتاب يحث كل شخص بأن يوثق سيرة جدته ما استطاع إليه سبيلا.
سلامة بنت سلوم شخصية نادرة قلّ نظيرها . مُصلحة حقيقيه ، مصداق لقول المعصوم :( عظوهم بأفعالكم لا بأقوالكم ).
لم تكتب تقريرا أخبارياً قط؟! لم تنتقد سلوكيات إجتماعية خاطئة على المنابر ...قط ! لم تعتلي منصات ولَم ترفع شعارات هي فقط مصلحه بأفعالها لا بأقوالها عشقت شخصيتها رغم أني لم ألتقي بها هي مصداق لقولة تعالى : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم تلك كانت قيمها رحمها الله ورحم موتى المؤمنين والمؤمنات
This entire review has been hidden because of spoilers.
تُعدّ هذه السيرة ذاكرة الغالبية منا إن لم نكن جميعنا. الجدّة، البيت العتيق "البيت العود"، المأتم "الحسينية"، أبواب البيت المُشرعة للنسوة، للجارات، شاي الضحى، الحكايا والضحكات. مما يصعب على أيٍّ منا ألا يعتبر هذا الإصدار جيداً بأي شكلٍ من الأشكال.
صادف أن بدأت قراءته في الفترة التي أخذ التعب بجدّتي مأخذه. وصادف أن أُنهيه في الوقت الذي دُهشت فيه إذ كيف للمرض أن يمتّص الحياة منها ويسلبها تركيزها، ذاكرتها و حواسها في هذه المدة الزمنية القصيرة. أذكر مروري بهذه الجملة : "كبر سنها لا يتيح لها الحركة والتنقل بسرعة. لكنها تدير مأتمها من مكان جلوسها. من ذلك الركن تمارس سيادتها كما تمارس عنايتها" كانت تجسيداً لصورة جدّتي تماماً، وكآنما كان يُحدثنا عنها، كان لها ركنها القصيّ في الصالة بجانب غرفتها، حيث كانت تمارس السيادة والعناية والرعاية دون أن تضطر لرفع صوتها حتى. مما أذهلني وأنا أنتهي من هذه السيرة وأنا أجد ركنها القصيّ خالياً منها وتتوسد عوضاً عنه سريراً في المشفى، بإدراكٍ يغيب أكثر مما يحضر.
جدّتي، التي نسأل الله أن يلطف بحالها، وهي تتأرجح بين الوعي وعدمه، أنتِ كما قال الديري علي: "زهرة، في حديقة الله" ونعم، "ما أضيق الأشياء بعدك. وأوسعها معك" .