لا يزال مبحث المتخيّل الديني حقلاً بحثيًا خصبًا لا يمكن الإتيان فيه بالقول الفصل لتعقّد الظاهرة الدينية ولتداخلها في مجالات معرفية مختلقة. وإذا كانت الدراسات الغربية قد أولته كبير أهمية تنظيراً وتطبيقاً، فإن الدراسات العربية - رغم وجود بعض الأعمال الأكاديمية الجريئة - مازالت مقصرة في دراسة هذه الظاهرة. لذلك بقيت الأرضية المعرفية لهذا المبحث غير واضحة، والمفاهيم غامضة، فظلت قطاعات رمزية شتى تحتاج إلى المراجعة النقدية و المعرفية الشاملة.
و لما كانت الحداثة في أبسط تعريفاتها مراجعة دائمة للفكر وآلياته، فإننا سعينا إلى مراحعة قضية المعجزة في المتخيل الإسلامي. وقد رأينا أن مقاربة نصوص المعجزات قد خضعت إما للمقاربة الإيمانية المؤكدة للمعجزة باعتبارها حدثا تاريخيا حصل بمشيئة الله، وإما للمقاربة العقلانية الوضعية النافية لكل خرق لنواميس الكون، فظل كلا الطرحين رهين سؤال الحقيقة.
ولم يكن همنا البحث عن صدق هذه الأخبار أو كذبها بقدر ما كان همنا البحث عن الدلالات و الوظائف. ذلك أن هذه الأخبار تعكس تمثل المسلم للعالم و تكشف عن أحلامه ورغباته. ومن ثمة فإن المعجزة عندنا قبل أن تكون حدثا خارقا هي فعل لغوي في المقام الأول. خوّل لنا هذا الطرح البحث في وظائف أخبار المعجزات ودلالاتها.
محاولة لفهم تفكير أمة لا تؤمن إلا بالمعجزات سبيلا للنصر و النهضة. مما لا شك فيه سهولة امكانية الربط بين واقعنا الحالي و انتظارنا للمعجزة في وجود هذا الموروث الثقافي المصادر للعقل
محاولة لا بـأس بها من الدكتور باسم في سبر اغوار المتخيل والمجاز الاسلامي. موضوع ساخن يحتاج للمزيد من الحفر والتفكيك في الحالة الاسلامية. الكتاب لا يبحث عن وقوع المعجزة او عدمها, بل يبحث عن الدلالات الرمزية الكامنة فيها. يغلب على الكتاب التكرار وضعف المنهجية التحليلية في تناول الموضوع مقابل السرد والشروحات البسيطة. موضوع حساس وملغم !!
يتناول هذا الكتاب موضوعاً شديد الحساسية والأهمية: المعجزة بوصفها جزءاً من المتخيل الديني عبر الحضارات. ما يميز العمل حقاً هو اعتماده مقاربة مقارنة واسعة تمتد من الديانات الإبراهيمية إلى الحضارات القديمة مثل البابليّة والسوميّة والهنديّة، في محاولة تتبع الجذور الأولى لصورة المعجزة وانتقالها بين الثقافات.
يعرض المؤلف تصوّر المعجزة في الإسلام من زوايا مختلفة: السنية والشيعية والصوفية، ويقدم قراءة نقدية لتطور هذا المتخيل داخل التراث. كما يكشف تشابكات بين الصور الإسلامية وصور أقدم تعود إلى الأساطير الشرقية القديمة، ما يمنح الكتاب قيمة معرفية مهمة.
مع ذلك يبقى النقد، برغم دقته، محصوراً في الهامش. فالمؤلف يتعامل مع مصادر التراث غالباً بطريقة وصفية أكثر منها تفكيكية، ولا يدخل بعمق إلى نقد المفهوم نفسه أو مناقشة أساسه المعرفي. ويبدو أن الطابع الأكاديمي للكتاب—كونه بحثاً للدكتوراه—أثر في جرأة الطرح وحدود التحليل.
يشبه هذا العمل في بعض جوانبه كتاب جورج طرابيشي “المعجزة، السحر، والعقل السباتي في الإسلام”، لكنه أقل راديكالية وأكثر التزاماً بمنهج أكاديمي هادئ.
في المحصلة: كتاب غني بالمعلومات، مهم لمن يريد فهم تاريخ وتطور صورة المعجزة في المخيال الإسلامي والديانات السابقة، لكنه كان يمكن أن يكون أعمق نقداً وأكثر جرأة
يطرح الكاتب منظور جديد للمعجزات بعيداً عن الجانب الديني و العلمي . فهو يحاول الربط بين المعجزة كحدث يروى عبر العصور و مدى تأثير عقلية الراوي على تفاصيل المعجزة. طرح الكاتب موضوعي لا تحيز فيه . و لكن طريقة الطرح كانت سطحية تطرح المزيد من الأسئلة و تدخل الإنسان في دوامات بدل من أن تقدم أجوبة و تفسيرات واضحة.