يعبّر كتاب “السراب” عن الرؤية الذاتية للدكتور جمال سند السويدي التي تنطلق من أن الصراع الذي يخوضه عدد من الدول في العالَمين العربي والإسلامي، ضد الفكر المتطرف وجماعاته وتنظيماته، ليس محصوراً في نطاق أمني وعسكري، بل هو حرب ممتدة وذات طابع فكري في الأساس، بل يمكن القول إن شقها الفكري يتطلب تخطيطاً بعيد المدى، لا تقل أهميته عن أي معالجات خططية على الصعد الأمنية والعسكرية، بل ربما تفوقها؛ ولذا، فإن البحث العلمي يمتلك دوراً حيوياً في حماية الأمن الوطني للدول والمجتمعات، عبر نقاشات علمية جادة للتحديات والتهديدات، وتفكيكها وتحليلها وطرح البدائل والحلول اللازمة لمعالجتها، فدور الباحث في لحظات الصراع التاريخية، أن يصطف في مقدمة المدافعين عن القيم الإنسانية والحضاž
اقتبس المؤلف عنوان الكتاب من لفظة قرآنية في آية "وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ"، ويُستشف من أوائل الكتاب تمسك المؤلف بالقرآن والسنة وحرصه على نقاء الإسلام مما حاول تعكير صفوه ، كان أول حديث صادف عيني "روي عن رسول الله قوله تفكر ساعة خير من قيام ليلة" ، ثم أحال المؤلف هذا "الحديث" ليس إلى أحد أمهات كتب الحديث بل إلى موقع إلكتروني اسمه "السحاب" ، وعندما دخلت الرابط وجدت الحديث منسوبا لأبي الدرداء وكتّاب الصفحة ينفون نسبته إلى النبي ص ، فمثل هذا الخطأ ينبغي تداركه لأنه يظهر جليا عدم التناسب بين النقل والمصدر ، وقد تكون هذه ملاحظة هامشية لا تعكس قيمة الكتاب الحقيقية لاسيما وإن أكثر من ربعه عبارة عن مصادر ومراجع ورقية وإنترنتية.
يرى المؤلف أن العالم الإسلامي يمر في مرحلة زمنية مظلمة بعدما شهد مراحل أكثر إشراقا في بعض عهود الدولة العباسية ، وهذه الإشكالية يقع فيها كثير من الباحثين حين يقارنون بين دولة في العصر الحديث ودولة في العصور الوسطى حيث أن أدوات المقارنة تتلاشى مع تقدم التاريخ ، وهذه الأدوات تشمل التكنولوجيا والعلم والطب والاختراعات الخ الخ ، فبإمكاني المقارنة بين الطب الفرنسي والطب العباسي في القرن الرابع الهجري ، لكنني لا أستطيع المقارنة بين الطب العباسي والطب التقليدي في دولة الإمارات في القرن ال١٥ الهجري وقد تبوأت هذه الدولة المنصب الأول في الدول المفضلة للعيش والإقامة بسبب الرفاهية وتقدم الخدمات ، ولقد تحدّث عن أمثال هذه المقارنات العابرة للزمن رائد علم الاجتماع الحديث د.علي الوردي ، وهنا تصح عبارة المؤلف التالية حين نقارن دولا متعاصرة مع بعضها ( منذ القرن ال١٩ هناك هوة تفصل بين عالم إسلامي متدرج في تدهوره وآخر أوروبي متدرج في تقدمه ).
ذكر الاستاذ جمال أن الإخوان المسلمين يرفضون ترشيح قبطي لمنصب رئيس الجمهورية وهم بذلك لا يحترمون النظام الديمقراطي ، و هذا الرأي الفقهي هو نتيجة تراث قديم فرض أن يكون الحاكم مسلما وربما قرشيا ، واستندوا في ذلك لأحاديث صحيحة ومذاهب فقهاء قاربت الإجماع عندهم ، ونظام الخلافة الذي انتقد المؤلف كونه النمط الوحيد للحكم عند جماعات الإسلام السياسي هو نفسه عند جماعات الإسلام غير السياسي الذين يمثلهم السلفيون الكلاسيكيون ، حيث أنهم وإن لم يسعوا لإقامته في دولهم بسبب المصلحة إلا أنهم ينظّرون له في أفئدتهم وتصبو إليه عقولهم وهذا مذكور في دروسهم لاسيما العقدية منها والمتعلقة بموضوع الإمامة.
عرض المؤلف نشاط جماعة الإخوان المسلمين السياسي في الدول العربية بشكل جيد والتي - كما ينقل المؤلف - لم تزد معدلات شعبيتها عن ٢٠٪ في تلك الدول ، وفي الوقت الراهن لا تزيد شعبيتها في دولة المنشأ وهي مصر عن ١٠٪ ، وعزا المؤلف عدم وجود حضور شعبي لهم في الخليج بسبب التركيبة الاجتماعية المحافظة التي يغلب عليها الطابع القبلي المستقر، و الذي لا يتقبل وجود تنظيمات تؤثر في استقرار هذه التركيبة أو تمزق نسيجها ، وينحصر وجودهم الرسمي في الكويت والبحرين فقط ، وبشكل خاص لم تنجح الحركة إبان الحراك السياسي في فترة الربيع العربي من تحقيق طموحات الشعوب وتوقعاتها وذلك لا يتناسب مع التراكم التاريخي لهذه الحركة ، ولعل أكثر نماذجها نجاحا هو نموذج حزب النهضة التونسي بقيادة البراغماتي راشد الغنوشي الذي استفاد من تجربته الشخصية في بريطانيا واستفاد من تجربة حكم الإخوان في مصر مما مكنه من تفادي أخطائها السياسية.
وتحدث المؤلف بإسهاب عن الحركة السلفية بشتى تياراتها ونقل عن باحثين رأيهم أن السلفية الوهابية المنحدرة من فقه أحمد وابن تيمية تفتح الباب واسعا أمام ضوابط شديدة الصرامة ، وتركيزها على العقيدة أدى إلى تقسيم العالم إلى ثنائي متضاد : كافر مشرك ومسلم صحيح الإيمان مما أدى لتوسيع دائرة الولاء والبراء وهو ما استندت عليه التيارات التكفيرية في أدبياتها مضافا إليها حاكمية سيد قطب والمودودي ، وتمخض ذلك عما عرف ب نواقض الإسلام العشرة والذي صار سلاحا بيد التيارات السلفية المتشددة ضد مخالفيها ، ولقد تميز التيار السلفي بتواضع خبرته وإمكانياته السياسية إلا أنه تمكن من جذب شريحة كبيرة من الناخبين في مصر مالبث أن خسرها لاحقا ، وظل نشاطه محصورا في أوساط علماء الدين ولم يحاول تأطير عمله السياسي كما فعلت جماعة الإخوان ، لكن إنجازه الكبير تمثل في تمكنه من نشر فتاوى ابن تيمية ورسائل ابن باز وكتاب الأحاديث الصحيحة للألباني مما جعلها متاحة للجمهور.
تطرق المؤلف كذلك إلى التيار السروري الذي مزج بين حركية الإخوان وعقيدة السلفية مع تركيزه على موضوع الحاكمية القطبية ، وهذا التيار مع كونه حقق انتشارا جغرافيا إلا أنه لم يشكل اختراقا فكريا ، ومالبث أن خسر رموزه الكبار من أمثال سفر الحوالي وسلمان العودة.
أما حديث المؤلف عن التيار الجهادي فقد كان مركزا على صراع النفوذ بين مختلف رموزه ، ولاشك أن أيمن الظواهري الزعيم التقليدي لهذا التيار قد فقد سيطرته على القاعدة بعد مقتل ابن لادن ، حيث أنه لم يتمكن من رأب الصدع بين جبهة النصرة وداعش مما دفعه للتبرأ من قصة دمج الحركتين في العراق والشام.
ختم المؤلف الكتاب بدراسة ميدانية مثيرة للاهتمام لكونه أجراها في الإمارات ، وقد أظهرت نتائج المستطلعة آراؤهم من سكان الدولة عن تقييمهم لنظم الحكم السياسية المختلفة بتقييم إيجابي لحكومة الخبرات ثم النظام الرئاسي القوي - الذي لا دور للانتخابات ولا البرلمان فيه إلا بشكل شكلي - ثم النظام العسكري ثم النظام الديمقراطي ثم حكم الجماعات الدينية الذي كان في ذيل القائمة من حيث التأييد ، وأيدت نسبة تزيد عن النصف فصل الدين عن الحياة السياسية.
يرى المؤلف أن أحد أسباب الاضطراب الداخلي والإشكاليات المعقدة في العالم الإسلامي هو الخلط بين الدين والسياسة في منظومة واحدة ، وكون تجربة دولة المدينة نجحت في الجمع بينهما فإن ذلك لا يبرر مطلقاً الدعوة إلى استنساخ التجربة ذاتها في الوقت الراهن ، ويعتبر فصل الدين عن السياسة علامة من علامات التقدم عند الغرب ليس لأن الدين عامل تخلف بل لأن الحداثة بحاجة إلى تغيير العقلية الإنسانية بطريقة علمية ، وضرب مثالا على دول إسلامية لحقت بركب الحضارة بعدما فصلت كليا أو جزئيا الدين عن السياسة مثل تركيا أتاتورك وماليزيا وأندونيسيا في مقابل دول تبنت المنهج الشمولي ففشلت تجربتها مثل السودان وإيران.
ومن الأسباب الداعية لفصل الدين عن الدولة كما يراها المؤلف هو عدم ادخال الآفات على الدين ، وعدم إعطاء رجال الدين أحقية في تقرير مصير الأمة ، وعدم السماح للشقاق والفرقة في المجتمع ، وعدم تسلط الدولة على الناس باسم الدين ، وعدم الإنزلاق نحو الحروب والعنف والأزمات حيث يسهل النموذج الديني مسألة إيجاد المبررات الشرعية لخوض الحروب.
الجديد في هذا الكتاب أنه خُطّ بقلم أكاديمي إماراتي ، فأغلب ما ورد فيه تعرض له مفكرون وباحثون عديدون على مستوى العالم العربي قديما وحديثا.
قرأت ملخص الكتاب فقط الكاتب متحامل جدا على جماعة الإخوان المسلمين ويدعوا للعلمانية وفصل الدين عن السياسة، أيضاً هو غير منصف بالمرة ولم يذكر ما هى انجازات الحكومات السابقة على الإخوان في مصر للأسف لم يذكر أى إنجاز لهم فقط هجوم هجوم للحركات الإسلامية
يقع الكتاب في 815 صفحة ، تُشكل 590 صفحة متنَ الكتاب، والباقي ملاحق وقوائم للمراجع والهوامش، وتم تقسيم الكتاب إلى أبواب(عددها 4) وفصول( عددها 7) إلى جانب تمهيد وخاتمة. وشرح الباحث في تمهيده سبب تسمية الدراسة ب " السراب " وملخصها أن ما تسعى الحركات الاسلامية للوصول له وتحقيقه هو " سراب" بمعنى الوهم.
تناول في الباب الاول بعنوان(إطار نظري ومنهجي) تعريف المشروع الديني الساعي للسلطة السياسية، وتعريف الاسلام السياسي، نقد الحركات الدينية ومناقشة قضية الفصل بين الفقه والسياسة(محنة ابن حنبل)،ويحدد مؤشرات الاسلام السياسي في 7 مؤشرات،ويركز في كل ذلك على الاخوان المسلمين في مصر وتأثيرات حرب 1967، والأزمة الاقتصادية العالمية في السبعينات وسياسة السادات كعوامل ساهمت في تنامي هذه الحركة، وقسم الاسلام السياسي إلى :غير العنيف،الجماعات الدعوية، التنظيمات الجهادية،حركات التحرر الوطني الاسلامية، ويناقش بعد ذلك فكرة الخلافة، دمج السياسي بالديني،القدرة على بناء امة اسلامية،احتكار العمل السياسي من قبل التنظيمات الاسلامية ، وينتهي الباحث لتوقع مؤداه أن الحركات الاسلامية ستكون " على هوامش الحياة السياسية في العالمين العربي والاسلامي خلال المديين القصير والمتوسط".
وفي القسم الثاني من هذا الباب، علاقة الصراع التاريخي الدائم بين الدين والسياسة، ويناقش المسألة في كل من الخبرتين العربية الاسلامية والخبرة المسيحية الاوروبية من ناحيتين هما الخلط بين الدين والسياسة والفصل بينهما في المسيحية ، ويشير لموضوع البديل المدني لدمج الدين والسياسة، ويعرض لنماذج غربية بخاصة في فرنسا والولايات المتحدة.
وفي الباب الثاني انتقل الباحث للجانب التطبيقي حيث درس الحركات الاسلامية في الميدان، وقسم هذه الحركات إلى اربع هي : الاخوان المسلمون وتناول نشأتهم وافكارهم (وهم الاكثر عناية من قبل الباحث) ، اما المجموعة الثانية فهم السلفيون، وتناول نشأتهم وأفكارهم وميز بينهم وبين الاصولية ،وتناول أنواع السلفية، وعلاقتهم بالوهابية وأئمتهم، ثم دخولهم للعمل السياسي. ثم تناول في المجموعة الثالثة " السروريون"( محمد بن سرور) واعتبرهم مزيج من السلفية والاخوان مع تأكيده على انهم اكثر تطرفا استنادا لعرض أفكارهم وموقفهم من المشاركة السياسية والسلطة.،ثم ينتهي من العرض إلى التنظيمات الجهادية من حيث نشأتها وافكارها(القاعدة ، داعش، النصرة..)
أما الباب الثالث فكان عرضا لنتائج استطلاع لاتجاهات الرأي العام في دولة الامارات تجاه الحركات الاسلامية السياسية، وشملت العينة 1200 مستجوب، وتمت الدراسة في يونيو 2014، ويصل الاستطلاع لنتائج حول ما يشغل اهتمام المواطن حسب الترتيب وهي: الاوضاع الاقتصادية،الامن والاستقرار، ومحاربة التطرف، والفساد المالي والإداري.
وتنتهي الدراسة بخاتمة تؤكد على عدد من الأفكار :العزلة الفكرية للحركات الاسلامية ، افتقادها للحلول الواقعية، تجاوزها لمفهوم الدولة والمواطنة، ونقد مفهوم الحاكمية(وهو موضوع أولاه الباحث اهتماما كبيرا في أغلب فصول دراسته )، لينتهي إلى استنتاج عام وهو تراجع شعبية هذه التنظيمات السياسية الاسلامية.
تُعنى هذه الدراسة-كما هو واضح- بالإسلام السياسي من ناحيتين الأولى فكرية حيث يتم مناقشة افكار العديد من المفكرين الإسلاميين بخاصة من قادوا حركات دينية(سيد قطب، محمد عبد الوهاب، محمد بن سرور...الخ) والثانية حركية وميدانية، حيث يتناول تنظيمات مختلفة من التنظيمات الاسلامية ويقوم بتصنيفها ويسرد ممارستها في الميدان السياسي بشكل خاص .
تبدو أهمية الدراسة في انها تتزامن مع تفاعلات سياسية بخاصة في المنطقة العربية تساهم فيها الحركات الاسلامية بشكل واضح، وهو ما يجعل الدراسة مواكبة للحدث المعاصر وتساهم في تقديم رؤيا معينة لتحليل هذه الظاهرة. غير أن مراجعة أدبيات موضوع الاسلام السياسي في المكتبة العربية يشير إلى كم هائل من الكتب الخاصة بالاسلام السياسي وموضوعات الدين والدولة، وهو ما يعني ان الكتاب جاء في إطار تيار فكري دافق (ناقد او مدافع) يبحث في ظاهرة الاسلام السياسي، مع تباين في مستويات التناول للموضوع من بحث لآخر، وهو ما يعني أن الكتاب لا يشكل "تفردا" في موضوعه ولا " تفردا " في توجهه الناقد للإسلام السياسي.
"...وبعد قراءة الكتاب، يمكنني الزعم بأن الكتاب في مضمونه لا يقدم أي جديد من حيث المنهجية أو المعلومات أو الاستنتاجات ، ويمكنني أن أشير تحديدا لكتب تناولت كل فكرة مركزية وردت في الكتاب سواء أكان الموضوع عن مفكرين أو حركات، فمثلا حظي سيد قطب بقدر كبير من هذا البحث الذي بين ايدينا ، واعتقد أن سيد قطب " قتل" بحثا، وكذلك الحال مع حركة الاخوان المسلمين او النقد الموجه لفكرة ربط الدين بالدولة او الدولة المدنية والدولة الدينية أو العنف والتطرف...الخ.
بل إن استطلاعات الرأي التي عرضها الباحث (عرض استطلاعا واحدا في دولة الامارات) لا تكشف أيضا عن جديد إذا عدنا لاستطلاعات الرأي السنوية المختلفة من مركز بيو الامريكي أو غيره من الاستطلاعات العربية والتي أشار الباحث لأحدها.لا أنفي ان الباحث بذل مجهودا في " جمع المادة" ، وقدم مادة علمية تفيد القارئ العربي، لكن مسألة الجدة والإضافة مسألة مختلفة.
حدد الباحث منهجيته في "المنهج الوصفي التحليلي"، ويبدو لي ان دراسة الفكر السياسي، والتنظيمات السياسية، وتوجهات الرأي العام، والتفاعل بين هذه الجوانب ، ودراسة العلاقة بين البيئة الداخلية والبيئة الخارجية لهذه التنظيمات، ومحاولة المقارنة بين النموذج المسيحي والنموذج الاسلامي في العلاقة التاريخية بين الدين والسياسة ..كل ذلك بمنهج واحد هو أمر " معيب منهجيا"، فتفسيرات الباحث فيها ما هو سيكولوجي، ومنها ما هو بنيوي( في بنيات المجتمعات والتنظيمات)، ومنها ما هو سياسي، فكيف يمكن تطبيق منهج وصفي تحليلي عليها عبر آليات هذا المنهج، لم اجد تطبيقا دقيقا لهذا المنهج، فغلب الوصف على التحليل، وغاب تحليل المضمون لأدبيات هذا التيار الفكري(تحليل المضمون بتقنيته المتقدمة في تحليل المبنى والمعنى).
الجانب الآخر، يصل الباحث لبعض الاستنتاجات ذات الطابع الاستراتيجي مثل أن الحركات الاسلامية ستصبح هامشية، لكني لم أجد أية مقدمات مما تستخدمه الدراسات المستقبلية يبرر مثل هذا الاستنتاج( بغض النظر عن مدى صحة أو عدم صحة التنبؤ)، ولكن كيف وصل الباحث لهذه النتيجة ؟ لا أجد أي جواب إلا من خلال الربط الحدسي بين بعض المؤشرات التي أوردها. ثم كيف نوفق بين هذه النتيجة وبين أنهم هم الأكثر مقاعد في السلطات التشريعية عندما تتوفر انتخابات حرة ونزيهة.؟
من جانب آخر، كان الباحث أقل موضوعية عند عرض وجهات نظر الحركات الاسلامية، لكن البحث العلمي يفترض طرح الردود الاسلامية على ما ذكره( مثل انهم ليس لديهم برنامج سياسي او اقتصادي أو...الخ)،وهو ما لم يفعله الباحث.
من جانب آخر، من غير المعقول أن يعتبر الباحث عينة من 1200 شخص في الامارات العربية المتحدة عينة كافية للحكم على تيار سياسي يمتد في كل الدول العربية التي تجاوز عدد سكانها أكثر من 340 مليون نسمة ، ولها ظروف اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية وتاريخية متباينة بشكل كبير مع المجتمع الإماراتي ، واعتقد أن تقنيات توظيف استطلاعات الرأي لدمجها في التحليل السياسي غابت تماما عن هذا الجزء، بل إن فيها انتقائية لنتائج استطلاع يساند وجهة نظر الباحث، وهو خلل منهجي واضح.
لكني ارى أن الباحث كثيرا ما كان يذهب لموضوعات ليست ذات صلة بالموضوع أو لا تخدم البحث ، مثلا:
1- من صفحة 393-397 مثلا عرض لحياة ابن حنبل وابن تيمية، والمعلومات التي فيها معلومات شخصية لم يتم ربطها باي شكل من الاشكال بموضوع الدراسة، أو ما الفائدة منها في هذا البحث؟
2- هناك اطناب وتكرار لبعض الافكار، فمثلا سيد قطب ورد حوالي 40 مرة، وتكاد تدور حول نفس الافكار (الحاكمية والمجتمع الجاهلي والعنف وتكفير الآخر)، وفكرة الحاكمية وردت ايضا 40 مرة وبنفس المضمون تقريبا.
3- يقول الباحث ( في اكثر من موضع من الدراسة) بأن الاسلاميين لا يمتلكون برنامجا اقتصاديا، فمن الضروري العودة لما طرحوه في ادبياتهم عن هذا الجانب ومناقشته بدلا من أن اسوق الاتهام فقط(وهنا أنا لا أناقش الاتهام، بل أناقش الحق في اعطاء المتهم فرصة الدفاع عن نفسه)، فهناك المئات من المراجع في الاقتصاد الاسلامي ، بل واقسام في الجامعات لتدريس الفكر الاقتصادي الاسلامي ، وهناك مشاريع عديدة من الاحزاب الاسلامية تطرح فيها برامجها الاقتصادية، وعلى سبيل المثال فإن صحيفة The Wall Street Journal المعروفة (وهي الأقرب لدوائر المال العالمي) ، عرضت في مقال طويل عنوانه تحديدا: Confidence Grows on Islamist Boost to Egypt Economy بتاريخ( 20 ديسمبر 2011) وشرحت فيها برامجهم في كافة جوانب العملية الاقتصادية...والمقام لا يتسع لسرد مراجع في هذا الجانب تجاوزها الباحث،فافقد دراسته الموضوعية المطلوبة ... لو قارنت كتابات الباحث في هذا الجانب تحديدا(الاسلام السياسي) بالمدارس النقدية العربية التي تناولت هذا الموضوع من جوانب مختلفة فإني اراه هو الاضعف إذا قورن مثلا بما كتبه هشام جعيط، او محمد أركون او الجابري أو بلقزيز...الخ. ...
أما المواكبة النقدية، فأعتقد أن تمسك الباحث بالمنهج الوصفي التحليلي جعله أقل إطلالا على نوعين من المراجع هما:
أ- المناهج النقدية لتحليل الخطاب الديني السياسي بخاصة المدرسة الفرنسية في هذا المجال، واعتقد ان هذا المنهج كان أكثر جدوى مما وظفه الباحث بخاصة المفاهيم المركزية مثل الحداثة، الحاكمية ، الجاهلية، الشورى، ...الخ، ولكن الباحث بقي اسير المناهج التقليدية.
ب- غياب الدراسات الكمية (خارج استطلاع الرأي العام)، فمثلا هناك دراسات حول بنية الحركات الاسلامية من حيث القيادة( المؤهلات العلمية، التخصصات، مستويات دخلهم، اعمارهم...الخ) ثم إجراء ما يسمى cross tabulation لتحليل هذه البنية التنظيمية، وهناك دراسات حول نسب المشاركة في الانتخابات أو هيئات المجتمع المدني ...الخ...وهو ما جعل الباحث أميل للوصف فقط على حساب التحليل.