حاولت ألا أنهي الرواية بسرعة كي استمتع بها وتعيش معي لأطول وقت ممكن. لم أستطع مقاومتها وأنهيتها في يوم ونصف.
لا أذكر قراءتي لرواية مماثلة أضحكتني وأمتعتني وآلمتني واستفزّت أفكاري ومشاعري. وجدتني أتأمّل وأتوه في رأسي وأحاور الراوي.
سحرتني بساطة وطيبة وبراءة أبي يعزى الهسكوري المتمسّك بجوهر الأمور والرافض للقشور. زهده في الحياة صعب التطبيق ولكنّه سعي حقيقيّ وملهم.
الأسلوب غاية في السلاسة, واللغة جميلة. المواضيع المطروحة مثيرة للاهتمام وأبرزها: التصوّف, الزهد, الحب, العلم, الانتقام, الطبقيّة, العنصريّة, التسامح, القناعة, العشق الإلهي, التعصّب, والعائلة.
رواية مميّزة تهزأ من السياسيين والمتديّنين المتعطّشين للسلطة والدماء ولحكم البشر بعيدا عن خدمتهم. هذا الأمازيغي الأميّ الأسود الفارع الطول الذي يتمسّك بحب الطبيعة والكائنات الحيّة ويعوّل على مناماته أكثر من يقظته ويحاور أرواح أحبابه المتوفّين, يطوف بسلام مع نباتاته التي تغذّيه وتداوي المرضى. لا يحتاج الشيء الكثير ويبتعد عن السياسة والجماعات الدينيّة المتعصّبة كي لا تتلوّث روحه بتلك السموم. شعرت بأنه من لحم ودم وليس مجرّد شخصيّة من حبر وورق. أنا منحازة بحبّي لهذا الصوفيّ الذي شعرت بأنّه في العديد من الأحيان يقول ما لا أستطيع أن أعبّر عنه بكلماتي المتواضعة مثل في هذا الاقتباس:
"اهتممت أكثر بمسائل تتعلّق بالقدرة على التفكير والجدال والفهم, لم تغرني كثيرا أمور تخصّ العبادات, لكن مسائل العقيدة استهوتني إلى حد كبير, ترسّخ في ذهني تدريجيا أن الأهم أن يكون لدى الإنسان إيمان عميق بالذات الإلهيّة وعشق لها لا تشوبه شائبة, ولا تهمّ بعد ذلك الطريقة التي يمكن للمرء التعبير بها عن ذلك الحب. أصبحت لديّ فكرة واضحة عن الفرق بين الفرق الإسلامية, وخاصة فرقها الكبيرة السنّة والشيعة والخوارج. وجدت في نفسي قربا إلى فرق التصوّف بشتّى أنواعها, بدت لي فرقا تهتمّ بالوجدان والقلب ولا تهتمّ بسفاسف الأمور."