«ظلَّت بلاد السودان مغلَقة دون العالَم الخارجي أجيالًا طويلة، قبل أن تدخلها جيوش الفاتح إسماعيل بن محمد علي الكبير، في عام ۱۸۲۰م؛ ولهذا لم يستطع ارتياد ربوعها سوى نفرٍ قليل من الرُّواد، بدءوا منذ أواخر القرن السابع عشر يخاطرون بحياتهم في سبيل إماطة اللثام عن شيء من أسرار القارة الأفريقية المجهولة.»
في عام ١٨٢٠م، خطَت أقدام جنود «محمد علي باشا» أرض السودان، لتُعلِن عن فجرِ حلمٍ طموح بتوحيد شطرَي النيل تحت راية واحدة. وخلال ستين عامًا، امتزجت حكايات القُطرَين، تحت حكم السيادة المصرية. وفي عام ١٨٨٥م، طُويت تلك الحقبة، تاركةً وراءها سؤالًا يتردَّد صداه في أروقة ذاكرة التاريخ: هل كان الحكم المصري للسودان فصلًا من فصول القسوة والاستعباد، كما ارتسم في مخيِّلة الكثيرين؟ أم كان عهدًا من العدل والاستنارة؟ هنا يأتي المؤرخ الكبير «محمد فؤاد شكري» بهذا الكتاب ليكشف النقاب عن حقائق طالما طُمِست عبر الأزمان، مُعيدًا رسم صورةٍ أكثر وضوحًا لطبيعة الإدارة المصرية للسودان. ولا يكتفي المؤرِّخ بسرد الأحداث، بل يُدعم روايته بمجموعةٍ من الوثائق والمصادر التاريخية المهمة، التي تعين القارئ على فهم تلك الحقبة بكل أبعادها.
محمد فؤاد شكري: مؤرخ مصري؛ اتسمت دراساته باعتمادها على المعلومات الدقيقة والموثوقة؛ مما أضفى عليها قيمة تاريخية كبيرة. واهتم كثيرًا بالدراسات التاريخية التي تخدم القضايا الوطنية والقومية العربية، وكذلك القضايا القومية في أوروبا.
التحق بدار المعلمين العليا وتخرج فيها عام ١٩٢٧م، وحصل على درجة الماجستير في التاريخ الحديث من جامعة «ليفربول» عام ١٩٣١م، ونال درجة الدكتوراه من نفس الجامعة عام ١٩٣٥م عن موضوع: «إسماعيل والرقيق في السودان». عمل في التدريس بكلية الآداب بجامعة القاهرة لما يقرب من ربع قرن، بالإضافة إلى انتدابه مفتشًا للتعليم الثانوي بوزارة المعارف عام١٩٤١م. وبسبب كتاباته وآرائه التاريخية القيِّمة؛ اعتمد عليه الوفد المصري في الأمم المتحدة عندما عُرِضت القضية المصرية السودانية على مجلس الأمن عام ١٩٤٧م، كذلك اعتمدت ليبيا كثيرًا على أوراقه التي دافع فيها عن قضيتها ببسالة، وطالب بضرورة حصولها على الاستقلال والتمتُّع بالوحدة، وكان نتيجة ذلك أن قامت السلطات البريطانية بطرده من ليبيا عام ١٩٥١م.
له العديد من المؤلَّفات، نذكر منها: «مصر والسودان: تاريخ وحدة وادي النيل السياسية ١٨٢٠م–١٨٩٩م»، و«الحكم المصري في السودان»، و«السنوسية دين ودولة»، و«ميلاد دولة ليبيا الحديثة: وثائق تحريرها واستقلالها»، و«الحملة الفرنسية وخروج الفرنسيين من مصر»، و«الصراع بين البورجوازية والإقطاع ١٧٨٩م–١٨٤٨م»، و«عبد الله جاك مينو»، و«مصر والسيادة على السودان: الوضع التاريخي للمسألة»، و«ألمانيا النازية».
رحل عن عالمنا عام ١٩٦٣م، إثر إصابته بمرض خطير ظل يصارعه لأكثر من ثلاث سنوات.