المـَوْضُوعُ الذي اخْتارَهُ مُؤَلِّفُنَا هو «طَبــَقَاتُ الأَطِبَّاء والحـُـكَمَاء» ، وهو وإنْ كان أوَّلَ أنْدَلُسِـيٍّ ألَّفَ في هذا المـَوْضُوع ، إلَّا أنَّـنـَا نَجِدُ أنَّ غَيْرَه من المـُؤَلِّفِين في المـَشْـرِقِ الإسْلَامِي قد سَبَقُوه إلى هذا النَّوْعِ من التَّألِيف ، بما أنَّ أقْدَمَ مَصْدَرٍ بين أيْدِينَا الآن عَرَضَ لتَـرَاجِم الأطِبَّاء وهو «كِتَـابُ الفِهْرِسْت» الذي ألَّفَه أبو الفَـرَج محمَّد بن إسْحَاق النَّدِيم في شَعْبان سنة 377هـ/987م، أي في نفس السَّنَة التي ألَّفَ فيها ابن جُلْجُل كِتَـابَه .
واعْتَمَدَ ابن جُلْجُل في جَمْعِ مَعْلُومَاتِه على ما تَوافَر في الأنْدَلُس من الكُتُب التي عَرَضَت لهذا المـَوْضُوع . وبِمَا أنَّ اللُّغَةَ الأصْلِيَّة لأهْلِ هذه البِلَاد هي اللُّغَة اللَّاتِينِيَّـة ، فقد تُـرْجِمَت عنها بعضُ المـُؤَلَّفات التَّارِيخِيَّة إلى العَـرَبِيَّـة في القَرْنِ الرَّابِع الهِجْرِي/العَاشِر المِيلَادِي الذي عَاشَ فيه ابن جُلْجُل، لَعَلَّ أهَمَّهَا «كِتَـابُ بَاوْلُوس أورُوسْيُوس Paulus Orosios» - الذي يَذْكُرُه ابن جُلْجُل دَائِمًا باسْم «هُـرُوشْيُوش» - واعْتَمَدَ عليه في ما يَخُصُّ الأطباء اليونان واللاتين.
واعْتَمَدَ كذلك على «كِتَـاب يُـرُونُم التُّـرْجُمان» واسْمُه باليُونَانِيَّة «خرُونِيقُون» والذي تُـرْجِمَ إلى العَـرَبِيَّـة باسْمِ «القَرْوَانِقَة».
كتاب مهم، وهو الذي نقل منه ابن اصيبعة كتابه المشهور: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، وحذف منه أشياء ذكرها ابن جلجل هنا منها أن حارث بن كلدة الملقب بطبيب العرب قبل الإسلام، يذكر ابن جُلجُل (القرن4 هـ) أنه درس في اليمن وتمرن هناك، لكن عندما نقل ابن أبي أصيبعة هذه العبارة في كتابه: عيون الأنباء (القرن 6 هـ)، قام بحذف كلمة اليمن.. وقد لاحظ محقق كتاب ابن جُلجُل ذلك وذكره في الهامش كما هو موضح في الصورة، أليس هذا طمس متعمد؟! علماً أن الحارث هذا هو والد النضر بن الحارث، أحد أشد أعداء النبي، والذي نزلت بسببه 8 آيات قرآنية
على الرغم من عدم ولوعي بكتب التراجم أو الطبقات بشكل خاص، إلا أن قراءة كتاب كتب منذ آلاف السنين يحكي عن سيرة أول وأشهر أطباء العرب - ومنهم من لم يكن عربيا بالتأكيد كأوائل الأطباء والحكماء والفلاسفة الإغريق - وكذلك لمسلميهم ومسيحييهم ومنهم كذلك اليهودي والصابئي والحراني وغيرهم، كان شيئا مثيرا بشكل لم أتوقعه لكن ما يعاب على الكتاب هو عدم دقته في كثير من الأحيان، فيخلط بين بعض الشخصيات والبعض الآخر، وأحيانا تتشابه السيرة والترجمة لشخص ما مع سابقه أو اللاحق عليه، وأحيانا تكون السيرة نفسها غير دقيقة تاريخيا أو حتى لا تتطابق مع الواقع والمأثور عن هذا الشخص فمثلا كيف يمكن وصف أبي بكر الرازي بأنه كان مسلما وهو المذكور والمذموم بكونه ملحدا، أو على الأقل منكرا للنبوة، وغيره القليل مما لدي عنهم معرفة تاريخية بسيطة والله أعلم بوجود غيرهم أو لا. أذهلني عدم ذكره لأبي القاسم الزهراوي، فتوقعت ألا يكون قد عاصره أو سمع عنه لكن سمعة وشهرة الزهراوي حينها كانت بالتأكيد أكثر بكثير من بعض ممن وردت أسماؤهم هنا فراجعت تاريخ ميلاده ووفاته ووجدته معاصرا له قد يرجع عدم ذكره له - كما يقترح جوجل جيميناي - بأنه اشتهر عنه الجراحة أكثر من المداواة والطب بالأعشاب أو الفصد
على كل، كتاب جميل وممتع على الرغم من صغر متنه الشديد وكبر هامشه الذي قد يفوق حجم متنه. تحقيق فؤاد سيد منظم ومعلوماته مهمة ودونها قد لا تستفيد من المتن وحده. عيب النسخة التي قرأت هي الخطوط المستخدمة، فالأسماء أتت غامضة، فالشخص الواحد (الاسم الأول والثاني والثالث) يأتي مختلفا عدة مرات في الصفحة الواحدة، وعدم وضوح الخط أضاف إبهاما مضاعفا
يا ترى لو عاش ابن جلجل لعصرنا الحالي هل كان ليغفل طبيب الفلاسفة وفيلسوف الأطباء؟ وحده الله يعلم
كتاب تاريخي جميل لكن وجب الإنتباه أن العديد من المعلومات التي ذكرها بن جلجل منسوبة لغير أصحابها ربما بسبب أخطاء المترجمين الأوائل وصححها المحقق في الهوامش التي لا غنى عن قرائتها لتصحيح بعض الأفكار الواردة في الكتاب