يذهب ظنى أنّ مصر- قبل سيطرة الضباط على الحكم فجر الأربعاء 23 يوليو 1952- كانت مؤهلة لتكون دولة عظمى فى منطقة الشرق الأوسط على أقل تقدير ...... المقارنة بين مصر وإسرائيل بعد يوليو52 تجعل العقل الحر يسترجع المعلومات المـُتوفرة عن مصر قبل كارثة أبيب/ يوليو52 وقبل كارثة وجود وزارة للإعلام . فى المرحلة التى وصفها عبدالناصر بـ (العهد البائد) كان المفكرون المصريون يسعون لتشييد قواعد دولة عصرية تمثلتْ فى : عدم الاستسلام للأصوليين الإسلاميين بقيادة حسن البنا ومن تبعه من الإخوان المسلمين ، حرية البحث العلمى، صحافة حرة تـُقاوم الفساد ، حرية تكوين الأحزاب ( بمجرد الإخطار ودون شرط العدد لدرجة وجود حزب من ثمانية أشخاص ، وأطلق عليه شعبنا فى أهازيجه الظريفه (حزب سبعه ونص) لأنّ زعيمه كان قزما ) ، أى أنّ مصر لم تعرف بدعة "لجنة شئون الأحزاب"، حكومة مسئولة أمام البرلمان ، تمصير الاقتصاد المصرى (دور طلعت حرب نموذجًا) إذ نجح بنك مصر فى تحقيق حلم الاقتصاد الوطنى ، ومن أمثلة ذلك أنه خلال الفترة من 1922- 46 أنشأ 21 شركة مصرية فى مجالات مختلفة ، بدأتْ بمطبعة مصر وانتهتْ بشركة مصر للحرير الصناعى ، مرورًا بشركة مصر للنقل والملاحة وشركة مصر للتمثيل والسينما. كما كان الجنيه المصرى أغلى من الجنيه الاسترلينى بفارق قرشيْن ونصف. وكذا ظهور العديد من الشخصيات المصرية البارزة فى مجالات الأدب والفن والعلوم (مصطفى مشرفة وسميرة موسى- نموذجًا) .
مؤلف الكتاب: طلعت رضوان الناشر: مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات عدد صفحات الكتاب: 132 ورقة من النوع المتوسط
الكتاب يتناول بالتحليل والنقد حقبة مهمة من تاريخ مصر، وهى 23 يوليو 1952 وما تلاها من أحداث.. أطلق الأستاذ طلعت رضوان على هذا الحدث "كارثة أبيب" أو "الأربعاء الأسود"...
الكتاب عبارة عن عشرة فصول، الخمسة فصول الأولى جاءت قراءة فى مذكرات بعض الضباط الذين اشتركوا فى 23 يوليو:
- قراءة فى مذكرات محمد نجيب. - قراءة فى مذكرات خالد محيى الدين. - قراءة فى مذكرات أحمد حمروش. - ثروت عكاشة؛ دراما العلاقة بين الثقافة والسياسة. - قراءة فى مذكرات عبد اللطيف البغدادى.
جاء الجزء الثانى من الكتاب فى خمسة فصول كالآتى:
- قراءة فى مذكرات إبراهيم طلعت. - نظام يوليو 1952 والعداء للديموقراطية. - قراءة فى كتاب شامل أباظة "حلف الأفاعى". - ضباط يوليو 1952 والسفارة الأمريكية. - شهادات ضباط عاشوا مذبحة يونيو 1967.
والآن أورد لك بعض الأحداث التاريخية التى استند إليها الكاتب فى كتابه:
- دعم الإخوان لإنقلاب 23 يوليو 1952. - علاقة عبد الناصر بالسفير الأمريكى بالقاهرة "كافرى". - على صبري أحد ضباط 23 يوليو، مدير مخابرات الطيران قبل يوليو 1952، الذى كان على علاقة طيبة مع الأمريكان. - عبد المنعم أمين، أحد ضباط يوليو 1952، رجل المخابرات الأمريكية بالقاهرة. - قال إبراهيم طلعت - القيادى الوفدى - فى مذكراته أن حوارا دار بينه وبين عبد الناصر قال له عبد الناصر فيه: "حريق القاهرة 26 يناير 1952 تم ببودرة حارقة وهذه البودرة عند الجهاز السرى للإخوان فقط، حتى الجيش لا يمتلك مثلها". وهو عكس ما صرح به عبد الناصر بتاريخ 21 أغسطس 1954 عندما اتهم الشيوعيين بحرق القاهرة! - الإخوان أجهضوا حركة الكفاح المسلح التى بدأتها حكومة الوفد على خط القناة باحراق كنيسة بالسويس! - إصدار محمد نجيب فى 10 ديسمبر 1952 قرارا بإلغاء دستور 1923. - إصدار محمد نجيب قرار فى 17 يناير 1953 بحل الأحزاب السياسية! - 18 يناير 1953 اتخاذ قرار بتحصين أى تدابير يتخذها الجيش باعتبارها من أعمال السيادة. - 19 يناير 1953، إنشاء محكمة عسكرية، محكمة الثورة! - 23 أغسطس 1953، النحاس باشا يُصرح "إن أمانى مصر القومية قد أُهدرت تماما على يد الحكام الجدد".. - فى سبتمبر 1953، عرف الناس أن النحاس باشا يُصلى فى جامع برأس التين بالإسكندرية، تجمعت الألوف حول المسجد هاتفين: (لا زعيم إلا النحاس.. فين الدستور؟ تسقط القوة الغاشمة.. تسقط الديكتاتورية.. تسقط حكومة الثورة).. أسرعت قوات الأمن لمحاصرة المسجد، واعتدت بالضرب الوحشى على عدد كبير من المتظاهرين، وتم اعتقال مجموعة كبيرة منهم.. وتم اعتقال النحاس باشا وزوجته وتحديد إقامتيهما بالقاهرة تحت الحراسة المشددة! - عدد الضباط الذين قاموا بالإنقلاب 90، تناقصوا بعد ذلك حتى وصلوا إلى 50 فقط!. - بدء العمل بالدستور المؤقت من تاريخ 10 ديسمبر 1952 والذى منح سلطة السيادة - ممارسة السلطة التنفيذية والتشريعية - لقائد الثورة ومجلس الوزراء. - ما ذكره مايلز كوبلاند فى كتابه "لعة الأمم" عن أن عبد الناصر التقى المخابرات الأمريكية 3 مرات فى مارس 1952. - محاكمة عمال مصنع الشوربجى بكفر الدوار بتاريخ 12 أغسطس 1952، بعد إضراب العمال بالمصنع، أمام محكمة عسكرية بقيادة عبد المنعم أمين الذى أصدار حكما بالإعدام لكل من محمد خميس ومصطفى البقرى، بجانب أحكام تراوحت ما بين 5 و 15 عاما لعدد آخر من العمال. وقع مجلس قيادة الثورة وعلى رأسهم محمد نجيب على حكم الإعدام، وتم تنفيذه. - محاكمة السياسيين المصريين الشرفاء، وعلى رأسهم الوفديين. - استثناء الإخوان شركاء ضباط يوليو 1952 من قرار حل الأحزاب والهيئات السياسية. - الإفراج عن مرشد الإخوان حسن الهضيبى فى 1953. - كتب خالد محيى الدين: "القوة السياسية الوحيدة التى لم تمسها حركة الإعتقالات كانت الإخوان المسلمين..". - عبد الناصر ينقلب على الإخوان وقود الإستبداد والرجعية والظلام بعدما تمكن من مفاصل الدولة، ومجلس قيادة الثورة يُصدر قرارا بحل الجماعة بتاريخ 14 يناير 1954. - عبد الناصر يُصدر قرارا بإعتقال جميع زعماء الإخوان حتى حسن عشماوى الذى كان صديقا له. - 1953، محكمة الثورة للسياسيين المصريين برئاسة عبد اللطيف البغدادى. - يوليو 1957، اختيار عبد اللطيف البغدادى رئيسا لمجلس الأمة. - عبد الناصر يدفع 4000 جنيه لـ "صاوى أحمد صاوى" ليُحرض عمال النقل العام للقيام بإضراب ومظاهرات ضد الديموقراطية. - رغم هزيمة مصر فى حرب 1956 عسكريا، منح عبد الناصر صديقه عبد الحكيم عامر قلادة النيل. - خطاب ثروت عكاشة - الملحق العسكرى بفرنسا - بتاريخ 15 مايو 1956 إلى عبد الناصر: "فرنسا مستاءة من هجوم إذاعة صوت العرب على فرنسا منذ عام 1954".. فاتخذت فرنسا قرارا بالامتناع عن شراء القطن المصري، مما تسبب فى خسائر بلغت قيمتها وقتذاك 15 مليون جنيه. - التعويضات التى دفعتها مصر لأصحاب الأسهم فى قناة السويس فاقت دخل قناة السويس عدة سنوات. - قرار تأميم القناة أدى إلى تدمير الجيش المصرى ومدن القناة. - 1957 إنشاء مديرية التحرير لاستصلاح واستزراع غرب القناة، والتى كانت أحد أهم أبواب الفساد! - أما عن الوحدة مع سوريا عام 1958 فحدث ولا حرج، تم فصل ضباط من الجيش السورى، اصدار قانون الإصلاح الزراعى سبتمبر 1958، إطلاق يد وزير الداخلية السورى عبد الحميد سراج، 23 ديسمبر 1958 عبد الناصر يصف الشيوعيين السوريين بالانتهازية لأنهم أعداء القومية العربية وأمر باعتقال حوالى 300 شيوعى مصرى وسورى، أكتوبر 1959 قرار عبد الناصر بتعيين عبد الحكيم عامر حاكما عسكريا لسوريا مما ترتب عنه تقديم بعض الوزراء السوريين استقالاتهم، تولى بعض المصريين قيادة الجيش السورى وانفرادهم بالامتيازات الخاصة، يونيو 1960 قرار عبد الناصر بتعيين 600 عضو لمجلس الأمة "400 من مصر و200 من سوريا"، يوليو 1961 قرارات التأميم، سبتمبر 1961 إنقلاب عسكرى بسوريا. - ردا على الانقلاب العسكرى بسوريا أمر عبد الناصر بإسقاط قوات الصاعقى والمظلات عند الغروب على مطار اللاذقية، تحرك 3 مدمرات بحرية باتجاه اللاذقية وتحرك لواءين مشاة بأسلحتهم.. ثم تراجع فى آخر لحظة بعد إدراكه أن ما حدث كان منطقيا وطبيعيا بسبب عبد الحكيم عامر صديقه! - دعم عبد الناصر عبد السلام عارف الرجل الثانى فى النظام العراقى لينقلب على الرجل الأول عبد الكريم قاسم، وهو ما تحقق بعد سنوات من الفوضى فى العراق بسبب عبد الناصر، تحقق بانقلاب 1963 وإعدام عبد الكريم قاسم! - حرب اليمن 1962 والتى استنذفت ثلث الجيش المصرى! بلغ عدد شهداء الجيش المصري فى اليمن 15 ألف جندى وهو ما جعل عبد الناصر يُصدر قرارا بدفن قتلى الجيش هناك وعلاج الجرحى هناك حفاظا على معنويات المصريين! كانت خزينة الدولة المصرين تتحمل 45 مليون جنيه سنويا فى حرب اليمن! - يعترف عبد اللطيف البغدادى أنه حضر فى عام 1965 تجارب إطلاق صواريخ الظافر والقاهر أثناء فترة عمله فى مكتب المشير بين عامى 65 و67، وأن المهندسين المصرين اعترفوا له أن هذه الصواريخ تشبه لعب الأطفال! - بدد عبد الناصر موارد مصر على العروبة. - عسكر عبد الناصر المجتمع المصرى. - حول عبد الناصر مصر إلى معتقل كبير. - أنهى عبد الناصر التجربة الديموقراطية المصرية العريقة، والتى جاءت نتيجة كفاح المصريين وعلى رأس كفاح المصريين ثورة برمهات / مارس 1919. - عمل نظام عبد الناصر على تكميم الأفواه وفرض الرقابة على الصحف، ثم تأميمها بعد ذلك بقانون التأميم 156 لسنة 1960، والذى حول مصر لدولة شمولية ديكتاتورية. - كانت النتيجة لنظام عبد الناصر الديكتاتورى الشمولى هى هزيمة 5 يونيو 1967. - 26 مايو 1967 عبد الناصر يُعلن أمام قادة العمال العرب: "سندمر إسرائيل إذا بدأت بالهجوم". - 28 مايو 1967 عبد الناصر يتخذ قرارا بعدم السماح للملاحة البحرية الإسرائيلية بالمرور فى مضايق تيران.. - إذاعة صوت العرب تُعلن عبر أثيرها: "سنشرب القهوة فى تل أبيب". - صباح 5 يونيو الطيران الإسرائيلى يُدمر مطارات مصر كلها، 11 مطار من العريش إلى الأقصر تم تدميرهم فى 3 ساعات ونصف! - قائد القوات الجوية صدقى محمود كان يبكى، بينما كان عبج الحكيم عامر يقول أننا أسقطنا 73 طائرة للعدو وأنه مطمئن لموقف الجيش المصرى (حسب شهادة عبد اللطيف البغدادى). - مساء 5 يونيو طلب عبد الحكيم عامر من عبد الناصر البحث عن حل سياسى، والدبابات الإسرائيلية تصل العريش. - عبد الناصر يتقدم باقتراح إلى مجلس الأمن بانسحاب جميع القوات والعودة إلى خطوط 4 يونيو والسماح بحرية الملاحة البحرية فى شرم الشيخ. - 6 يونيو، إسرائيل تحتل خان يونس ورفح.. فيُعلن عبد الحكيم عامر الإنسحاب من سيناء! - كان الإنسحاب بدون خطة فترك الجيش الأسلحة خلفه ليستولى عليها الإسرائيليين. - 9 يونيو خطاب التنحى. - ذكر عبد اللطيف البغدادى فى مذكراته أن عبد الناصر قال لـ كمال الدين حسين: "إسرائيل تنوى دخول القاهرة لإملاء شروطها، والقاهرة ليس بها مدفع واحد). - كان عدد الطيارين المصريين 150 طيارا للعمل على 154 قاذفة، بينما كان عدد الطيارين الإسرائيليين 1000 طيار للعمل على 376 قاذفة! - كتب سلوين لويد، وزير بريطانى، فى كتابه "انحدار السويس"، "إن عبد الناصر كان لديه جهاز إعلامى يحسده عليه جوبلز"، وجوبلز هو وزير الدعاية النازى الشهير. - قال الرئيس السورى شكرى القواتلى: "إن عبد الناصر بمئة عين، ولكنه لا يُبصر بواحدة منها". - وزير الخارجية مصطفى نصرت فى حكومة الوفد، صرح فى يناير 1950 بأن تزايد نشاط إسرائيل على ساحل إيلات اضطرنا لتدعيم قواتنا المصرية فى منطقة خليج العقبة، فتم إرسال قوات مناسبة إلى رأس نصرانى لتتحكم تحكما تاما فى هذا المدخل.. وفى 12 ديسمبر 1951 أغلقت حكومة الوفد المضيق فى وجه الملاحة الإسرائيلية.. وفى 15 يناير 1951 حددت مصر مياهها الإقليمية بستة أمال بحرية واعتبرت كل المنطقة بين جزر تيران مياهها الإقليمية.. أول يوليو 1951 أطلقت البحرية المصرية النار على سفينة بريطانية حاولت اختراق الحصار واحتجزتها لمدة 24 ساعة!
مهما تم التعتيم على الحقائق، ومهما تم تضليل الناس لعقود، لا يُمكن أبدًا أن يستمر هذا التضليل للأبد. هذا درس تاريخي ثابت ومكرر عن كل الأنظمة الديكتاتورية التي تأخذ زمنها قبل أن تنهار وتتفتت، لكن المشكلة ليس في انكشاف المعلومات بعد فترة من الزمن، وتعرية ما تم حجبه بواسطة البوقة و ال��علام و مضللي السياسة و أجهزتهم الأمنية، المشكلة الحقيقة أن حجم الخراب وتأثيره قد يكون فوق الاحتمال ويعوق أي محاولة جادة للإصلاح.
هذا الكتاب المُهم هو ترس ضمن الألة الكتابية التي انطلقت لتُشَرّح نظام ٢٣ يوليو الذي تمظهر من خلال التجربة الناصرية، فيُقدِّم طلعت رضوان خلاصة قراءته لمذكرات ضباط يوليو مع مذكرات من هم خارج الجيش الذين كشفوا حقيقة نظام جمال عبد الناصر، تبدو علمانية طلعت رضوان المتطرفة تظهر في بعض الأمور عند معالجته لمذكرات هؤلاء الضباط، من ذلك مثلًا نقده لمحمد نجيب في إيمانه بالغيب أو القوى الميتافيزيقية، أو في عدم ذكره لأي إيجابيات للإخوان الذين تلاعب بهم عبد الناصر، صحيح كانت لهم أخطاء كارثية، ولكن تعمُّدَه عدم ذكر أي إيجابيات للإخوان غير موضوعي = وهو ما يفسر تغافله عن تقديم قراءة لمذكرات الضباط الإخوان مثل حسين أحمد حمودة و عبد المنعم عبد الرؤوف، وهي مذكرات متوفرة، لكنه لم يعتنِ بها في الوقت الذي قدّم قراءات لمذكرات تبدو أقل أهمية مما كتبه حمودة وعبد الرؤوف مثل مذكرات الوفدي إبراهيم طلعت .
مع ذلك يُمكِن القول بإنصاف أنَ القراءة التي قدمها طلعت رضوان لمُجمَل المذكرات التي ذكرها في الكتاب كانت قراءة جيدة جدًا= ومن خلال الاستقراء يمكن لك كقارىء ملاحظة المحاور الأساسية التي كان ينطلق منها رضوان في تقديم قراءته، مثل علاقة تنظيم الضباط الأحرار بالمخابرات الأمريكية= وهي علاقة أكدتها أغلب المذكرات مثل مذكرات نجيب و خالد محي الدين و عبد اللطيف البغدادي وغيرهم باستثناء أحمد حمروش الذي حاول نفي صلة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية، لكن رضوان يُسجِّل تناقض حمروش ويسأله إذن لماذا رفض ناصر استخدام عبارة " الاستعمار الأنجلو/ أمريكي " في منشورات الضباط والاكتفاء بذكر الاستعمار البريطاني! .
من المحاور التي حاول طلعت رضوان التركيز عليها من خلال قراءة المذكرات هي تسجيل تناقض أصحابها مثل تجنُّب نجيب ذكر دور أمريكا في الضغط على الإنجليز من أجل الجلاء، ثم في مكان آخر يتكلم عن دور أمريكا في الضغط على الإنجليز من أجل الجلاء، ويتعجب من ذكر خالد محي الدين للجرائم الناصرية ثم يختم كلامه بأنَّ مصر كانت حسنة الحظ بهؤلاء الرجال! ويتكلم رضوان أنَّ خالد محي الدين انتفع من النظام الناصري بالمناصب و معاش أميرالاي منحه له عبد الناصر = وهو معاش رتبة فوق رتبته بأربع رتب، ولما قال لناصر أريد سيارة بعثها له على الفور، كما يتكلم عن تناقض السياسي والمثقف من خلال قراءته لمذكرات ثروت عكاشة الذي رغم تأييده لما يُسمى بثورة يوليو لم يلجأ إلى إخفاء ما لديه من وقائع مبكية.
من الأفكار المحورية التي كان يحاول طلعت رضوان استخلاصها من المذكرات كيف قضى عبد الناصر على الديمقراطية و حجم الخراب الذي سبَّبه لمصر وذلك من خلال قراءته لحجم الكارثة التي ارتكبها عبد الناصر في اليمن أو في سيناء عام ١٩٦٧، فمن خلال المذكرات يظهر كيف بدد ودمر عبد الناصر مُقدَّرات مصر المالية والعسكرية في اليمن وسيناء، وفي فصل مهم في الكتاب ينقل لنا شهادة الضباط الذين عاشوا مذبحة يونيو ٦٧ والذين تم شحنهم من جحيم اليمن إلى لهيب سيناء= هي شهادات مروِّعة على الحقيقة توضح حجم الفساد السياسي والعسكري للنظام الناصري الذي بدلًا من بناءه للقوات المسلحة ذهب في مغامرات وتدخَّل في الدولة العربية بالدس والمكائد مثل ما فعله في اليمن والعراق وسوريا. ويشهد البغدادي في مذكراته أن ناصر قال لعامر أن صواريخ الظافر والقاهر لم يكن الإعلان عنها لغرض عسكري بل كبروباجندا دعائية بعد فشل الوحدة مع سوريا.
تبدو الوقائع المُبكِية في هذه المذكرات كثيرة، وبقدر ما نقل أصحاب المذكرات وقائع تعتبر جرائم في حق مصر وشعبها، بقدر ما تدينهم هم أنفسهم، ألم يكن البغدادي الذي لعن ديكتاتورية ناصر في مذكراته هو أحد القضاة العسكريين الذين استعملهم ناصر لمحاكمة خصومه محاكمات عسكرية!! ولما حاول البغدادي أن يقوم بدور القاضي المستقل عنّفه ناصر وقال له " أنت لست بقاض" ومحمد نجيب الذي تكلم عن الوجه القبيح لناصر وعامر هو نفسه الذي أمضى أحكامهم في إعدام عمال كفر الدوار خميس والبقري!! وهو الذي ألغى دستور ١٩٢٣!! الكل بلاشك مُدان بنسب متفاوتة، لكل بالنهاية مصر هي التي دفعت الثمن، لقد وصف طلعت رضوان الضباط الأحرار بأنّهم ضباط لا يقلُّون عن الفاشيين في شيء، ربما عندما تقرأ مذكراتهم قد توافق رضوان في قوله بلاشك.
الكتاب يقدم قراءة مقارنة لمذكرات الضباط الأحرار وعدد من الشهادات حول ٢٣ يوليو والعهد الناصري،الكتاب ثري بالمعلومات والأسئلة الهامة،لكن مشاكله الكبرى تتمثل في: -اللهجة الهجومية والغير علمية بالمرة. -عدم المنهجية في عرض وتحليل المعطيات أومحاولة تكوين سردية متماسكة عن تلك الفترة،لأكون واضحاً:الكاتب لم يكن ملزماً بتقديم سردية،كان بالأمكان عرض التناقضات والتفتيش وراء المهمل بخصوص تلك الفترة وترك مهمة وضع النموذج التفسيري للقارئ والباحث،لكن الكاتب هنا كان يحاول بأستمرار التفسير وكانت النتائج متعارضة ولا تستقيم مع باقي المعطيات...وهو ما سيتضح مع المشكلة الثالثة. -سكت الكاتب عن الأحداث المعروفة ومجرياتها ولم يعرضها ليربطها بالمعطيات التي تهمه وكذلك أستنتاجاته أو حتى يشير التعارض الموجود،مثلاً:ركز الكاتب كثيراً على العلاقة الطيبة بين الضباط وأمريكا مشيراً إلى أن الحركة كانت بدعم مسبق مفتوح من سفارة أمريكا(إن لم تكن أمريكية الصنع بالكامل كالأنقلاب على مصدق في أيران)،لكنه لم يتعرض لمسار سياسة يوليو فيما بعد وصدامها مع أمريكا واقترابها مع السوفيت!! وأليكم مثل أكثر وقاحة:لعب الكاتب على نغمة أن ناصر تعمد الدخول في حرب اليمن وصناعة هزيمة ٦٧ خصيصاً لتدمير جيش مصر خدمةً لأمريكا وإسرائيل (كذا)،لكن ماذا عن أعادة بناء الجيش بدعم السوفيت وحرب الأستنزاف وخطة العبور؟!!!!
تبرز تلك الأمثلة مدى تخبط الكاتب في أوهامه وتحامله الأعمى...فقد طرح الأسئلة السليمة وأجاب عليها بأسوء ما يكون. ...... يظل الكتاب يستحق القراءة برغم كل شئ،فقط لتسليط الضوء على كثير من المسكوت عنه.
الكاتب علماني ويصر على استخدام مصطلحات مثل "الأصوليين" وسرد أحداث لتمجيدها من منظوره العلماني وهو بعيد كل البعد عن الطرح التاريخي المحايد في فترة شائكة من تاريخ مصر.
كتاب جميل ومليء بالمعلومات وعلى الرغم من عدد الصفحات القليلة الى انه كتاب دسم . يبداء الكاتب المقدمه بتوضيح توجهاته اللبرالية الديمقراطيه ومعاداته الشديدة المتطرفة لعبد الناصر ، ويخوض الكاتب بالتعليق على مقتطفات من مذكرات الضباط التي تتناسب مع رأية وتوجهاته ، وخلاصة الكتاب انا عبدالناصر كان مجرماً لم يأتي احد قبله بهذا الاجرام ويتحمل كل الفشل المدني والاقتصادي والعسكري الذي يتحمل جزء منه عبدالحكيم عامر صاحب الولاء القوي لعبد الناصر لا يملك صفة حسنه دونها.