على جزيرة صغيرة، في مكان ما في اليابان، هناك مصنع لقطع غيار السيارات، يديره رجلٌ غريب الأطوار. لسبب غير معروف، يقرر المدير أن يجعل من مصنعه مركزًا سريًّا للموت الرحيم، حيث يمكن لأي شخص أن يموت بلا ألم وبلا تعقيدات. يعمل مرشح الانتحار لعدة شهور في المصنع قبل أن يموت، وفي المقابل يتكفل المصنع بكل إجراءات الموت، الحرق والدفن، بل ويخفي هذا الموت عن السُلطات وعن أهل الميت، ويدير حسابات المنتحر على وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة تشي بأنه لا يزال على قيد الحياة.
Germany based Egyptian political scientist, historian and author.
Abdel-Samad became known to the German public through his book Mein Abschied vom Himmel and for the tv-series he is in with jewish journalist Henryk Broder.
تأتي رواية مصنع السحاب كعمل سردي يمزج بين السياسي والفلسفي والنفسي، مقدّمًا نصًا إشكاليًا يشتبك مع قضايا السلطة والوعي الزائف والعنف في شكليه الرمزي والمادي في المجتمعات المعاصرة. الرواية هي استعارة كبرى عن صناعة الوهم، حيث يتحول “السحاب” إلى رمز للخطاب الذي يُنتج الأمل الكاذب والهش ويغلف القهر بلغة الخلاص سواء كان دينيًا أو سياسيًا أو أيديولوجيًا. تتبع الرواية شخصيات مقموعة تقرر تعجيل الموت وإن كانت لا تجرؤ على الانتحار فتهرب لأبعد جزر اليابان لمصنع السحاب حيث يتولى مديره السبعيني الغامض مهمة قتلهم قتلاً رحيماً وهنا يقوم “مصنع السحاب” بوصفه فضاءً رمزيًا على تحقيق حلم الانتحار للهاربين من الحياة. تسرد الشخصيات اعترافاتها بصورة علنية وسرعان ما يتضح أن حتى هذه الاعترافات تغفل بعضا من الحقيقة ولهذا فالسحاب ليس بريئًا أو شاعريًا، بل هو كثافة من الغموض والتضليل، يحجب الرؤية بدل أن يمنح الظل. ويصبح الانتظار من أجل الخلاص شكلا من أشكال القمع. الرواية تزخر برموز عديدة وكلها مهمة فمثلا كافكا برؤيته السوداوية وعلاقته المضطربة بأبيه والتي انعكست في كل حكايات عمال المصنع وتتطور صورة الأبوة لتخرج من نطاقها العائلي وتصبح السلطة الغاشمة القامعة وعزز هذا الرمز العنف الذي يزحف بين جنبات كل صفحة في هذه الرواية سواء كان عنفا جسديا أو رمزيا يأتي في الخطاب السياسي والفلسفي والديني حتى أنه يمكن أن نطلق عليه العنف البنيوي، حيث لا يحتاج النظام إلى القمع المباشر طالما نجح في إقناع الأفراد بأن معاناتهم قدر أو ضرورة تاريخية. أسلوب الكتابة ذكرني جدا بهاروكي موراكامي ليس فقط لأن الأحداث تدور في اليابان ولكن الكتابة نفسها وعنصر المفاجأة في الرواية وسيطرة روح اغتراب ما بعد الحداثة على النص وعدم قدرة الشخصيات على الفكاك من براثن المدير أو براثن ذكرياتهم. رواية جيدة مشبعة بأفكار فلسفية مهمة حول ثنائية الموت والحياة وأتمنى لو فسر لي أحدهم لماذا تم منعها من المعرض الدولي للكتاب؟؟ على الأقل هذا كاتب ممسك بتلابيب الكتابة من حيث السرد والبناء ونجح في انتاج الحبكة بصورة جيدة وناقش موضوعه بعمق وخلق أشخاصا تنبض بالحياة والألم فهو قطعا أفضل من آلاف الكتاب الذين تم عرضهم أعمالهم في المعرض وهم لا ناقة لهم ولا جمل في عالم الكتابة أصلا.
A masterpiece! مصنع السحاب؛ حيث يصنعُ المنسحبون أسباب الموت
في روايته الصادرة حديثًا عن دار التنوير، يقدّمُ الكاتب المصري حامد عبد الصمد رؤيةً بانوراميّةً عن الفواصل الواهية بين الحياة والموت، عن أسباب الرحيل ومسوّغات البقاء، فيصطحب القارئ ليقفا سويًّا على الخيط الرفيع، الفاصل بين جنة الإنسان في الأرض، وناره التي لا تمنح للمكسورين براحًا شافيًّا. جاء اختيار الفضاء المكاني لهذا النص ليصيبني بدوار الحيرة والدهشة، فالحكاية كلها تدور في اليابان، الأشخاص يابانيون والحكايات نابعة من شتى مدن اليابان، تلك الدراية السوسيولوجيّة بعنصر المكان في النص، ربما يفسرها -جزئيًّا- اشتغال الكاتب كمحاضر زائر في إحدى جامعات اليابان، بيد أن الأمر الذي لا يمكن التغاضي عن ذكره هنا، هو البحث العميق والمتجذر، الذي قام به الكاتب ليضفي على نصه بمصداقيّة دامغة، تثير الإعجاب والذهول في آن واحد. يمكن لقارئ هذا النص، أن يشعر بكل أريحية، أنه يقرأ نصًّا يابانيًّا أصيلاً، بينما يقف وراء هذه الخدعة المحمودة، كاتب أجاد التحضير والدراسة قبل تشييد عالمه الروائي. ثمّة شخوص سحقتهم الحياة بمختلف الطرائق والوسائل، أناس فقدوا المعنى وأضاعوا دوافع البقاء، ثم رجلٌ يقرّر أن يعمل كوسيطٍ بين الحياة والموت، فيخصّص مصنعًا يوفّر للراغبين في إنهاء حياتهم رحيلاً آمنا ورحيمًا. مصنع في جزيرة نائية، وشخوص يتقاطرون من شتّى مدن اليابان، ليفوزوا بفرصة الموت الآمن، فيضعون بذلك جدًّا لمعاناتهم. في مصنع السحاب، يقدم صاحب الفكرة فرصة الاختفاء الهادئ من هذه العالم، من دون ترك أثر يميّز بين حقيقة الحضور وواقع الغياب، فالمصنع يقدم للمغادرين فرصة إدارة حساباتهم على مواقع التواصل بعد الموت، بحيث يتحول موتهم إلى سر دفين.
{أنماط ضدّية} أما ما يبدع فيه الكاتب هنا، علاوة على براعة بنائه لعالمه الروائي، فهو اختياره للأنماط البشريّة الراغبة في الموت. البداية مع هاناكو، خريجة ملجأ الأيتام، التي تخرج من بين جدران الملجأ إلى براحٍ لا تألفه، فتتطوع للخدمة في الكنيسة، كراهبة لا تعرف عن العالم سوى رغبتها في خدمة الآخرين، والحصول على طعامٍ كافٍ. يتراءى للقارئ هنا أن سِمنة بدانة هاناكو لا تمثل لها عقدة تودي بها إلى الرغبة في الانعزال، لكنه يقف أمام نموذج شائه من البشر، فتلك الفتاة، على طيبة قلبها وتصالحها مع سائر الموجودات، تلفظ كل فرص الحريّة التي لم تعتدها، فترتضي بالعيش كخادمة لراهب ذي مكانة هو يوشيدا، خادمة تلبي لراهبها المحبوب كل ما يتمناه من خدمات، شرعيّة وغير شرعيّة، وحتى عندما تشعر بالذنب حيال علاقتها بالراهب، تلقي باللوم على نفسها، وتخرج من تجربتها هذه من دون أسئلة واستفهامات كبرى، يموت يوشيدا، فتقرر أن حياتها لا قيمة لها ما لم تجد من تخدمه، تحتفظ بذكرى يوشيدا على مقربة من قلبها، وتمضي بخطى واثقة صوب الموت. نحن هنا أمام حالة لافتة من فقدان المعنى، والدافع، وانعدام القدرة على التآلف مع مفاهيم الحريّة، ثم سحق الذات، والانسحاب الطوعي من ساحات التجربة والمغامرة. في إثر ذلك، يقدم لنا الكاتب شخصية متمرّدة تمثل نقيض شخصية هاناكو، أتحدث هنا عن ناومي، نادلة البار التي تبحث عن السعادة في التوقيت والمكان الخاطئين، لا تعبر ناومي عن مشاعرها سوى بنبرة شعورية واحدة؛ الغضب العدائي، واحتقار العالم برمّته. تخرج ناومي من علاقة غير منطقية مع رجل متزوج، بغضب عارم وحنق متقّدٍ تجاه ذاتها، تحقد الفتاة على نفسها، وتجتر حياتها فلا تجد بين فصولها ما يؤجل قرار الرحيل، طفلة هجرتها أمها في طفولتها، ودمر أبوها كل ذكرى تجمعها بها، فعاشت تبحث عن ملامح الأم بين الوجوه، وتحاول تعويض نفسها بنفسها، لكنها تفشل بكل السبل في خلق حالة من الاتزان. حالة الغضب التي تحرك ناومي وتقرر خطواتها، تدفها في النهاية إلى مصنع السحاب، إذ تتنامي في صدرها فكرة إسقاط الغضب على الذات، ومن ثم معاقبتها، وحذف وجودها من هذا العالم، بطريقة لا تترك لها أثرًا. تدريجيًّا: يلاحظ القارئ تنامي دور ناومي، وتحولها إلى بطلة لرواية تبدو للوهلة الأولى، أنها تمنح بطولة جماعية لشخوصها.
{محطة ثانية للانطلاق} بظهوره الأول، والمؤثر، يمنح العجوز كوباياشي نقطة انطلاق ثانية للرواية، إذ يمرّر أفكارًا مقبضة ولافتة عن عبثيّة الحياة، من خلال حكاية جدّة لم تُردْ أن تعيش طويلاً، لكنها استمرت قي الحياة رغم إراداتها، فكانت السنوات العشر الأخيرة من عمرها بمثابة العقاب. الطريقة التي تموت بها الجدة في النهاية تسقط القارئ في حالة من الذهول والتعجّب، ومحاولات كوباياشي لكتابة قصص الراغبين في الموت داخل المصنع، تمنح القارئ صوتا إضافيًّا لا يتفق بالضرورة مع الراوي العليم، وبتتالي كتابته للقصص، يُفلح الكاتب في منح صوت إضافي لكل شخص يدوّن كوباياشي حكايته وفق منظوره الخاص. يخفي كوباياشي سرًّا كبيرًا، ولغزًا غامضًا يتكشّف في الخاتمة، بوصول آخر الراغبين في الموت، وهو شخص مختل يدّعي الألوهيّة، ويعرف عن كوباياشي ما لا يود هذا الأخير ذيوعه بين الجميع. شخصية ثريّة بتناقضاتها وأسرارها، وبتحولاتها خلال النص بين طوري السذاجة والذكاء الحاد، وبأفكارها الجامعة بين عبثية الحياة، والتمسك بذيولها الهاربة.
{التأرجح في هوّة تفصل بين موت وحياة} بظهور شخصية إتشيرو، صاحب الحكاية البائسة، الممتدة فصولها بين طور طفولته، ووصوله إلى المصنع -بغية إسدال الستار على حياة أتقنت تعذيبه، فمنحته شعورًا بالذنب لا يفارقه- تكتمل بنية الرواية. طفل سمين اعتاده الخوف، وطفلة تحمي براءته، يتزوج منها وينجب طفلتين، ثم يترقّى في عمله فيما بدا كتعويضٍ متأخر يقدمه له العالم، إلا أن الحياة تدفع به في مساربٍ تُعارض حالة السكينة التي يفتّش عنها في ظل حماية الزوجة له من العالم. يقترب إتشيرو من ناومي، فتتفتح براعم الحياة في صدريهما، ويبدو أنهما بطريقة ما، استعادا شيئًا من أسباب البقاء في هذا العالم، فهل يغيّر ذلك من مصيرهما؟
{مكوّنات إضافية، ثانوية لكنها بالغة الأهمية} في غضون ذلك، يقدم لنا حامد عبد الصمد عدة أنماط روائية تكتمل بها اللوحة التي أراد عرضها على قارئه، مثل سو يوون، بائعة الهوى التي ورثا مهنتها عن أمها، والمرأة المصابة بالسرطان، وياماموتو، القبطان الذي تم الاستغناء عن خدماته بعد أكثر من ثلاثين سنة من العمل، وقد تقرر استبداله بالذكاء الاصطناعي، ففقد بوصلته الأخلاقية وتردّى في عملية بشعة ولا إنسانية من الإتجار بالطفولة، مرورًا بمدعي الألوهيّة المجنون، وصولاً إلى شخصيّة إيسامو، مالك مصنع السحاب ومديره، وصاحب فكرة القتل الرجيم بعيدًا عن أعين السلطات. لقد عاني إيسامو بدوره، فهو أستاذ الفلسفة الذي تعرض لعنف أمومي لفظي وجسدي، وانتهاك إجرامي من أبيه، وفقد حبيبته في ظروف قاسية أعطبت حواسه وضبّبتْ كل رؤاه الفلسفية، ثم ورث مصنع أبيه، ليتلقى صفعة أخيرة تضاعف من نقمته تجاه العالم، يحوّل إيسامو معاناته كلها إلى رغبة جنونيّة في مساعدة المنسحبين والمنسحقين على إنهاء حيواتهم، فإلى أي حدٍّ سيذهب إيسامو وراء شططه، وإلى أي مدى سيصيب النجاح في مسعاه؟
{السؤال اللا نهائي} يقدّم الكاتب تصوّره عن الحياة بوصفها زجاجة كلاين، توحّد بين البقاء والغياب، وتمحو الحدود بين الواحد والكل، أي بين الفرد والمجتمع، تتداخل فيها فوهتا الموت والحياة كأنما هي عملية تسييل للهوية الفردية في بوتقة جماعية، حيث يمتزج الداخل بالخارج لخلق حالة لا نهائيّة من التساؤل المشروع عن الهدف من الحياة، وضروريّته كسبب رئيس يولّد الرغبة في الاستمرار. يعبر الكاتب عن ذلك بصياغة أدبية وفلسفية اختار لها أن تنأى عن الصوت الصارخ والحرب الكلامية، لقد صاغ عبد الصمد حكايته بأناة رسامٍ يهتم بأدق التفاصيل، ويحرص على تجانس الألوان في فضاء اللوحة العامرة بالقلق والترقّب، لم أسمع صوته واضحًا في النص، فقام بخير ما يفعله الروائيون، إذ حشد الأسئلة في دماغ المتلقّي/القارئ، ثم غادر، تاركًا له حريّة اختيار الإجابة المناسبة.
ملحوظة: في الوقت ذاته، لا يفوتني أن أشير إلى رسالة شديدة الخطورة مررها الكاتب منذ البداية، إذ أن حسابات التواصل الاجتماعي للمنتحرين، إذا ظلت حيّة/نشطة، فهذا أمر يكفي للإيمان باستمرار حياة أصخاب هذه الحسابات. لقد تحوّلنا إلى شعوب رقمية باردة يغمرها جفاف وتباعد واحتراز، لا يهم أن نتحرى حقائق بسيطة كحياة وموت الواحد منا، طالما ظلت الحسابات على مواقع التواصل: حيّة! أعتقد أن هذا ما أراد الكاتب تمريره.
{خاتمة} يفاجئ حامد عبد الصمد قارئه بنهاية صادمة، تفتح أبواب التأويلات على مصاريعها، فالحكاية هنا لا تتوقف عند مناقشة الفاصل بين رغبتي الموت والحياة، فهو وإن مارس فنون المخاتلة بطول نصه، حتى قدّم في النهاية دعوة مبطنّة لعدم الاستسلام للغياب، والتشبّث بفرص البقاء، فهو أيضًا أراد -حسب رأيي- أن يحاكم المنسحبين والهاربين من ميدان الحياة، فهؤلاء الشخوص مجرّد عينه مصغرّة من مجتمعات هائلة، تلك المجتمعات الضعيفة، التي تؤثر الانسحاب على المواجهة، وتعتنق الصمت عقيدة لا تحيد عنها، هي في واقع الأمر مشاركِة بدور فاعل في تغذية الطغيان وإنماء الضيم الذي يحكم العالم اليوم، حتى وإن جهلوا بمشاركتهم، يظلون مشاركين في توسعة رقعة الظلم فوق هذه الأرض، بالصمت العاجز، وفقدان بوصلة الغاية والجدوى، والرغبة الفرديّة الأنانيّة في الانسحاب من ميادين المعتركات كلها. نص مهم، جريء في طرحه لأفكاره، محكم البناء السردي، لا يفرض رأيًا ولا يقصي آخر، ويشحذ الأسئلة في عقل القراء بطريقة هادئة وتدريجية، لذلك فإن الضوضاء التي يسببها أبطال هذا النص، آخذة في التزايد - داخل عقلي- منذ أنهيت قراءة حكايتهم. كل الشكر للكاتب حامد عبد الصمد، ولدار التنوير، لتقديمهم هذا النص الملهم والمهم
{تعقيب تمنيت ألا أكتبه} نشرتُ البارحة إشارة إلى جودة ثلاث روايات قرأتها مؤخرًا، ومنها مصنع السحاب، ثم وصلتني استفسارات مباشرة وغير مباشرة من البعض، تحوم حول عقيدة الكاتب وآرائه العلمانية وصفته الإيمانيّة وعلاقته بالجنة والنار، مصحوبة بدعوات كريمة بهداية الكاتب، وهدايتي. أود هنا أن أقول، بكل أسف، أننا كمجتمعات ثقافية وقرائية، ما زلنا نزج بالكاتب في المكتوب، ونقحم المكتوب في حياة الكاتب. لقد عرضتُ للتو قراءة انطباعية، ليست نقدية أو متخصصة، عن نص أدبي وجدته فارقًا ومهمًّا، يتناول مجموعة من الأفكار المصيرية، المؤثرة على حياة الأفراد والمجتمعات التي غابت عن عينيها حيثيات الغاية والجدوى. وهنا أتساءل بكل حنقٍ وإحباط: ما علاقة ما ذكرتُ للتوّ، بالحياة الشخصية للكاتب، وبأفكاره العقائدية والأيدولوجية؟ ماذا يضيرني لو كان حامد عبد الصمد يتبنى نفس أفكاري أو يعارضها؟ ما الغاية من دعوتي إلى تتبع مسار الرواية إبان انتقالها من دار نشر إل أخرى؟ ما الهدف من هذه الأسئلة؟ ألها علاقة بالتناول المنطقي والعقلاني لنصٍّ أدبيّ؟
ختامًا، أرجو ممن يعتقد أنني لا يجب أن أناقش رواية موقفه الخاص من كاتبها، ألا يقرأ ما أكتبه كيلا ينزعج.
تعليق كاتب على رواية مصنع السحاب عند قراءة مصنع السحاب، شعرت أنني أمام نص لا يسعى إلى إرضاء قارئه بقدر ما يسعى إلى إشراكه في تجربة إنسانية قاسية. الرواية لا تُغري بالحبكة، ولا تراهن على المفاجأة السردية، بل تضع ثقلها كله على الوعي، وعلى الإحساس المتراكم بأن الإنسان يعيش داخل منظومة أكبر منه، لا يفهمها بالكامل ولا يملك الخروج منها بسهولة. ما يلفت في النص هو إصراره على عدم التفسير. الكاتب لا يشرح، ولا يدافع، ولا يقدّم خلاصات أخلاقية جاهزة. يترك المشاهد تعمل ببطء، ويترك اللغة تتقدّم أحيانًا على الحدث، وكأن السرد نفسه يبحث عن معنى لا يتيقّن منه. هذا الخيار يمنح الرواية صدقًا واضحًا، لكنه في الوقت ذاته يجعلها قراءة غير مريحة، وربما متعبة، لمن ينتظر من الرواية وضوحًا أو خاتمة مطمئنة. اللغة في مصنع السحاب كثيفة ومشحونة، وأحيانًا قاسية عن قصد. لا تُجمّل العنف ولا تحوّله إلى صورة شاعرية سهلة، بل تُبقيه حاضرًا كأثر نفسي وجسدي. من وجهة نظري ككاتب، هذا موقف جمالي وأخلاقي في آن واحد، لكنه يحتاج إلى قدر من الانضباط حتى لا يتحوّل الثقل إلى إيقاع واحد يضغط على النص. الشخصيات لا تُقدَّم كذوات مكتملة أو رموز مغلقة، بل ككائنات في حالة تشكّل دائم، محكومة بالذاكرة والخسارة أكثر مما هي محكومة بالفعل. قد يرى بعض القرّاء في ذلك نقصًا دراميًا، لكنني أراه خيارًا متّسقًا مع عالم الرواية، حيث الفعل محدود، والوعي هو المساحة الأساسية للمقاومة. لا تقف الرواية في موقع الخصومة مع الإيمان أو القيم، لكنها أيضًا لا تستثمرها كحل سردي. تكتفي بالإشارة إلى الإيمان كحاجة إنسانية صامتة، لا كخطاب يعلو على الألم. هذا الحذر في التعامل مع المقدّس يمنح النص توازنًا، وإن كان يترك القارئ أمام فراغ أسئلته الخاصة. مصنع السحاب ليست رواية لكل القرّاء، ولا تحاول أن تكون كذلك. لكنها رواية تملك صوتًا واضحًا، وخيارًا فنيًا واعيًا، وتطرح سؤالها بصدق: كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بإنسانيته في عالم يتقن تحويل كل شيء إلى وظيفة؟
"مصنع السّحاب": انطباعاتٌ أوّليّة (د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
لقد نَشَرَ د. حامد عبد الصمد، الكاتب المصريّ-الألمانيّ المعروف، روايةً تحمل هذا العنوان: "مصنع السحاب". وهي تتمحور حول مكانٍ ("مصنع") يَقدم إليه مَن يرغب في الانتحار، أو الموت الرّحيم، لأسباب متنوّعة. وقد وصلت إلى هذا المصنع "راهبة تفكّر في الانتحار رغم أنّها لم تفقد إيمانها" أيضًا (وإن كان يمكن للمؤلِّف أن يسهب في الدّوافع الكامنة وراء هذا القرار أو الاختيار، التي جاءت بها إلى هذا المكان الغريب). وفي هذا السّياق عينه، لعلّ التّساؤل التّالي يبدو أنّه في غاية الأهمّيّة: «هل استلهمت فكرة هذا المصنع من النصوص الدينية؟ الجنة للمؤمنين بعد الشقاء في الدنيا، والراحة في الموت تكون لنا، نحن الذين لم تُرضهم الحياة ولم تقنعهم الجنة؟». إنّني أكتب هذه السّطور الموجزة التّالية، ليس كمتخصّصٍ في الأدب والرّوايات، ولا في النّقد العلميّ بشأنهم؛ وإنّما كمجرد قارئ بشكلٍ عام، وكذلك ككاثوليكيّ ومتخصّص في عِلْم اللّاهوت المسيحيّ. ولستُ بصدد تحليل الرّواية من زواياها وجوانبها كلّها، ولا حتّى من بعضها. ففي الحقيقة، أودّ التّعبير فقط عن بضعة انطباعات أوّليّة شخصيّة قد تولّدت فيّ أثناء قراءة الرّواية وبعدها. نحن أمام رواية وجوديّة-فلسفيّة (وبها قضايا واقتباسات من فلاسفة متنوّعين)، وانثروبولوجيّة (قضيّة الإنسان بحياته ومماته حاضرةٌ بقوة)، ودينيّة (الصّلوات والرّموز والتّعبيرات الدّينيّة)، وواقعيّة (حتّى في سطورها التي تناولت أمورًا جنسيّة صريحة). إنّها رواية مُشبَعة ومشحونة بالإنسانيّة والألوهيّة في آنٍ واحد. وفي حقيقة الأمر، لم أجد فيها أيّ نَشْرٍ للإلحاد أو تحريض عليه؛ وإنّما تتمحور جوهريًّا حول أسئلة ومسائل وجوديّة-فلسفيّة، ودينيّة-لاهوتيّة. وبكلماتٍ أوضح، إنّها رواية عن الحياة والموت، أو عن حياة الموت، أو عن موت الحياة؛ أعني تلاحم الحياة والموت وتواجدهما معًا، كما شرحته الفلسفات الوجوديّة (مثلًا: فلسفة الموت عند "مارتين هيدغر"). وعلى هذا النّحو، فهي روايةٌ تدور –بطريقةٍ مستترة– حول ما يكمن وراء الحياة والموت ("جبار الجبابرة"): فهل مِن معنى كامن وراءهما؟ أم كلّ شيء عبثٌ ويؤل إلى العبث واللامعنى؟ و«هل هناك طريقة غير مهينة للموت؟ هل هناك فعلًا موت رحيم؟ كيف يختلف الموت على كرسي المرحاض عن الموت في الفراش؟ كيف يختلف موت الغزالة بين أنياب الأسد عن موتها بسلام بين أبنائها ؟ كيف يختلف موتنا عن موت ذبابة الفاكهة؟ الموت جزازة عشب لا تفرق بين عشبة ضارة وأخرى نافعة. الموت ساخرٌ كبير في كل الأحوال، وكل الأموات سواسية حين يغمضون أعينهم للمرة الأخيرة». إنّها روايةٌ تدور، إذًا، حول الحياة وتتطورها، من الولادة إلى الممات؛ وبكلماتٍ أفضل، حول الحياة في هذا العالم، التي ثمّة طريقةٌ واحدة مماثلة للدخول فيه (أي لها مدخلٌ واحد)، وعدةُ طرقٍ متنوّعة للخروج منها (أي لها مخارج كثيرة). وعلى غرار "زجاجة كلاين"، «الحياة ليست خطًّا مستقيمًا، بل متاهة من المسارات والاحتمالات، وكثير منها يظل غير مرئي أو مغلق أو غير مفهوم بالنسبة لنا. وكما أن زجاجة كلاين ليس لها بداية معروفة ولا نهاية، فإن مسارات الحياة غالبًا ما تكون معقدة وغير واضحة. نحن نبحث عن الوضوح والتبسيط عن مدخل ومخرج، عن أول وآخر، لكن الواقع يستعصي على هذه الثنائيات البسيطة». ومن جهةٍ أُخرى، هي روايةٌ تتحدّث عن عَالَمنا المعاصر (عَالَم الآلة والتّكنولوجيا والذّكاء الاصطناعيّ) بواقعيّةٍ شديدة ونظرةٍ ثاقبة. فتصف الرّواية الحالات المتنوّعة للبشريّة المعاصرة. وقد تكوّن عندي الانطباع –ورُبّما أكون مخطئًا–، أنّ الرّواية تقترب نوعًا ما وبطريقةٍ غير مباشرة لدراسات وأُطروحات الفيلسوف الألمانيّ ذي الأصول الكوريّة "بيونغ تشول هان"، المتعلّقة بدورها بمجتمعاتنا المتعبة والمرهقة. فوفقًا لهذا الفيلسوف، نحن نعيش اليوم في مجتمعات منهَكة ومنهِكة. وليس هذا من جرّاء عدم إيجاد أيّ شيء يُعمَل، وإنّما من فرط تغلّب النّشاط والعقليّة الإنتاجيّة على تلك التّأمليّة، ونزعة الحياة النَّشِطة على تلك الخاصّة بحياة التّأمل. لقد فقدنا فعليًّا الدّهشة والانتباه العميق وحياةَ الصّمت والحِسّ التّأمليّ، لنجد أنفسنا غارقين في التّكرار وحراكٍ بلا توقّف، في عَالَم الصّخب والإنتاج والنّتائج، وعُنْف الإيجابيّة وإفراطها ووفرتها. وأخيرًا، وبغضّ النّظر عن أراء المؤلِّف وخُلاصته بشأن بضعة قضايا مسيحيّة-ثيولوجيّة، التي تحتاج بدورها إلى نقاشٍ على حدة، يظهر جليًّا انفتاح المؤلِّف على ديانات وثقافات متنوّعة؛ كما أنّ لديه درايةً بأمور مسيحيّة-دينيّة متعدّدة. وكذلك، تاركين جانبًا موقف الأديان عامّة من الانتحار، وموقف المسيحيّة خاصّة منه، لا يدعو المؤلِّف إلى الإقدام على الانتحار، وإنّما يُظهِر من خلال تناوله لهذه القضيّة المعاصرة والحسّاسة أنّ الرّغبة في الحياة ("إرادة الحياة") هي أقوى من أيّ شيء آخر، بالرّغم من صعوبة عيش الحياة بجديّة وحرّيّة، وكثرة المشاكل الإنسانيّة والوجوديّة والأخلاقيّة والدّينيّة التي على الإنسان المعاصر أن يواجهها يوميًّا وبشجاعة.
”لكننا و بعشوائية وتلقائية سطحية ، نكتشف فجأة أننا نمارس ما يدعى الحياة ، الحياة تحدث لنا وتفعل ما تشاء بنا بغض النظر عن أمنياتنا و عن التفسيرات التي نلصقها بها.“
أشخاص جمعتهم الرغبة في مفارقة الحياة ، لكن بدون الشجاعة الكافية لفعل ذلك بأنفسهم ، ومدير مصنع لا نعلم إن كان مريضًا أم مجنونًا ، و الكثير من الأفكار و الغوص في أدنى بقاع الإنسانية. أحيانًا تعجز الكلمات أمام هذا الكم من الإبداع ، جرعة من الأدب الخالص ، الأدب الذي يحفز عقلك للتفكير ، الذي يودي بك إلى تأملات لا حصر لها ، لدينا هنا حيوات عديدة ، و تجارب مختلفة ، لكنّ جميعها شكلت مصيرًا مشتركًا لأصحابها ، هل نحن ضحايا حقًا أم أن جميعنا مذنبون؟ ، كيف تتشكل الحياة من داخل الموت ، و الموت من داخل الحياة. قلم مذهل و رواية سيظل تأثيرها حاضرًا في ذهني لفترة طويلة.
”الدراما الحقيقية يا كاتارينا كانت يوم أن حبانا الله بهذا العيب الخلقي واحتفظ بالحكمة لنفسه!“
”كلنا نرسيس ، كلنا يهرب من جرح نرجسي قديم ، كلنا يبحث عن صداه ، وكلنا بتوق إلى أن يلتقي بذاته ، لكن الواحد منا ، يخشى الغرق في بحيرة نفسه.“
”الصمت جريمة ، اللامبالاة تقتل ، وكل من لا يكترثون للحياة شركاء في الإبادات الجماعية.“
”نحن البشر لا نلبث أن نرفع أي قانون مهما كان عشوائيًا و مجنونًا إلى مرتبة التقديس!“
spoiler alert الرواية رائعة خلصتها في قعدة لإنها بتشدك جدا.. فيها قصص لمستني،مكتوبة حلو اوي وفيها أفكار كتير فلسفية تتأمل فيها والفكرة نفسها مؤثرة.. ضايقتني النهاية حسيتها متكروتة شوية وأسند دور كبير جرئ فيها لشخص مهمش وموصوم بالغباء طول الحكاية"هوناكا"، فمحستش النهاية ليها تمهيد أو ترابط كافي مع الخلفية المرسومة مسبقا عن الشخصية.. وحسيت بصوت أو بأحكام الراوي في بعض المواقف زي وصم"يوشيدا" إنه منتهك من غير ما البطلة نفسها تدرك كدة أو تيجي ف أي سياق حد تاني يقولهولها.. دور الروائي في رأيي انه يعرضلنا القصة بدون أحكام واحنا نحكم وندين الشخصيات بنفسنا.. أو بتعبير ميلان كونديرا: "لا يعني تعليق الحكم الأخلاقي لا أخلاقية الرواية، إنه أخلاقيتها، الأخلاقية التي تعارض الممارسة الإنسانية الراسخة التي تحكم فورا وباستمرار وعلى الناس كلهم بحكم مسبق ودون فهم. هذا الاستعداد المحموم للحكم هو الحماقة الأكبر مقتا والمرض الأشد إيذاء. هذا لا يعني أن الروائي ينكر بالمطلق شرعة الحكم الأخلاقي إنما يؤجله لما وراء الرواية. هناك إذا كان يناسبكم أدينوا بانورج على جبنه هذا شأنكم أما الروائي فلا علاقة له بذلك "
أنا لستُ ناقداً وبكل تواضع أمام قامته الكبيرة . الدكتور حامد عبد الصمد الكاتب والباحث المُفكر الأكاديمي المتألق الشجاع المثقف الفيلسوف العلماني المستنير المعروف . أتكلم هنا من وجهة نظري عن بعض ما فهمته وتلقيته من تحفته الرائعة التي أتحفنا بها،، رواية مصنع السحاب،، في عمقها الأدبي الفلسفي الوجودي وغوصها عميقاً في سبر مشاعر وأحاسيس وكينونة ومكنونات وغوامض النفس البشرية. وعن الحياة و الموت وإرادة الحياة. وتفاسيرها المختلفة في الأديان والمعتقدات والفلسفات. . كما فعل الكثير من الفلاسفة. وكما فعل دوستويفسكي العبقري العظيم من قبله.الذي ولجَ وغاص عميقاً في سراديب النفس البشرية وأختلاجاتها ومكنوناتها المختبئة في قعر اللاوعي. ليكتشفها ويسلط الضوء عليها ويجعلها تطفو على السطح عارية تماماً. ورغم هذه المقدرة المذهلة والعبقرية الفريدة. إلا أنه أظهرها وكشف النقاب عنها فقط. دون أن يتطرق إلى حلول لها بحسب رأيي المتواضع طبعاً. أما حامد عبد الصمد بحسب وجهة نظري المتواضعة. وضع النفس البشرية على طاولة التشريح شرحها ودرسها بتعمق وتأني وذكاء . بعبقريته وخبرته وبحثه الطويل الدؤوب وتجاربه الشخصية المهمة . ليستخرج غوامضها المبهمة وتناقضاتها المستترة تحت قشرة الوعي الإنساني الخُلابية . وتوصل من خلال أكتشافه وإستنتاجاته المذهلة. إلى علاج وحلول منطقية وفلسفية. بأن الإنسان مهما أمتلك من الوعي والمعرفة. والثقافة والذكاء لا يستطيع أن ينفصل عن واقعه وعن محيطيه الإجتماعي. سوف يتأثر به ويؤثر عليه وبالتحديد في سنواته الأولى ونشأته المبكرة في الطفولة وسن المراهقة. لما لها من أهمية قصوى في بناء كينونته المستقبلية.وإن الإنسان مهما كان يعاني من حالة إكتئاب وصراع بين الحياة والموت . ولا يستطيع الخروج منها ولا يحتمل قسوة الحياة وقهر وتسلط المجتمع عليه بحسب أعتقاده. بأن يُقدم على إنهاء حياته بمحض إرادته. ليكتشف أنها ليست أرادة منه. بل بسبب عدم تفهم وعطف الآخرين وإحتضانهم له. وعدم فهمه لذاته وأدراكه لنفسه. التي يحمّلها ذنوب الآخرين وأمراضهم وأعتلالاتهم النفسية. ويعتبر أيضاً أن المجتمع والكون بأسره والرب يتآمرون عليه. ليتخذ قرار في حالة يأس شديدة وحالة إكتئاب مزمنة وإحباط وخيبة أمل. بإنهاء حياته التي يعتبرها ليست جديرة بأن يحياها. أو انه ليس جدير بها. ليكتشف أخيراً أنه يتمسك بالحياة أكثر من الذين يعيشون حياتهم سعداء ويخافون حتى من فكرة الموت. تطرق إليها حامد عبد الصمد بأسلوب أبداعي غير تقليدي. واضعاً لها حلولاً عبقرية . ويجب النظر بها والإلتفات لها بكل اهتمام وتقدير من قِبل علماء الإجتماع والأطباء النفسيين. أما مَن يتقولون ويتهمون بأنها تدعو إلى الإلحاد. أنا أرَ على النقيض تماماً المؤمن الصادق الحقيقي سوف يتمسك بإيمانه ويترسخ له أكثر. أما الذي يكون أيمانه مُتأرجح وغير مستقر أصلاً سيكون الأمر مختلف تماماً بالنسبة له. وكل التحية والتقدير للدكتور حامد عبد الصمد.. ،، يامن نمور،،
الرواية شدتني وخلت عندي فضول لما عرفت إنها اتمنعت من البيع في معرض الكتاب بسبب إنها بتطرح أفكار مرتبطة بالإلحاد.
أحداثها بتدور في المجتمع الياباني، عن مجموعة من الأشخاص اللي وصلوا لمرحلة من الضغط النفسي خلتهم يفكروا في الموت كحل، من خلال مصنع بيقدم لهم فكرة “الموت الرحيم” مقابل إنهم يشتغلوا لفترة لصالحه.
الرواية بتعرض رحلة كل شخصية بشكل مختلف، خصوصًا في نظرتهم لربنا.
كل بطل في الرواية عنده تصور خاص عن الإله، وده بيأثر على قراراته ونظرته للحياة والموت.
مراجعة رواية ( مصنع السحاب) للكاتب المصري حامد عبدالصمد بقلم : علاء القسوس في عام ١٩٤٥ و تحديداً الحرب العالمية الثانية ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتين ذريتين على مدينتي هروشيما و ناغازاكي مخلفة آثاراً مدمرة حصدت ملايين الأرواح و قد خلّف ذلك آثاراً نفسية مدمرة دفعت بالكثير من البشر إلى إكتئاب حاد و إحباط شديدين قاد العديد من الناس في اليابان و خصوصاً فئة الشباب منهم إلى الإنتحار و إنهاء حياتهم البائسة و الرواية تتناول مصنعاً لصنع قطع غيار السيارات في إحدى الجزر اليابانية يديرها رجل مجهول الهوية يقوم بإستقطاب العديد من الناس اليائسين من الحياة ممن يبحثون عن الموت الرحيم للعمل في هذا المصنع الذي يتمتع بشروط صارمة تتعلق بقطع المنتحرين و الباحثين عن الموت عن العالم الخارجي بمنعهم من إمتلاك أي وسيلة تواصل مع العالم الخارجي و يقوم هذا المصنع بإدارة حسابات المتوفي على مواقع التواصل الاجتماعي عبر صنع فيديوهات له مولدة بالذكاء الإصطناعي تشي بأنه ما يزال على قيد الحياة بعد موته بالطبع و تحويل جثته إلى رماد من خلال أفران خاصة معدة لهذا الغرض. و يحدث حدثين في الرواية يهددان مشروع مدير المصنع للموت الرحيم و يقلب الأمور رأساً على عقب. و تمتاز الرواية بكونها فلسفية عن شهوة الموت في المجتمعات الحديثة و عن طرحها الجريء لموضوع التابوهات المحرمة المتعلقة بالإنتحار و هي في الوقت ذاته تتناول الحب و الوعي و حرية الإختيار.
مراجعة باللهجة العامية قرأت معظم روايات حامد عبد الصمد ورح اقرأ الباقية كمان حضرت سلسلة صندوق الاسلام وكثير من الفيديوهات على قناته وقنوات أشخاص استضافوه
مش كثير بفهم بالنقد الأدبي بس قرأت شوية روايات وقصص وبشكل عام ما بحب ولا بشوف انه الاعمال الادبية اللي بتحاول تحكي عن الفلسفة ناجحة ولا حتى رواية عالم صوفي مع انها حلوة وما بحس انه حامد عبد الصمد اصلا روائي الرواية خلتني اكرها واحبها واعطتني مشاعر متناقضة كثير بس بالاخر عجبتني الاشي الاهم برايي انه الرواية بتعكس واقع حامد عبد الصمد اكثر ما بتعكس اي اشي ثاني وطبعا هذا الكلام حسب فهمي وتقديري بحس انه حامد ضايع ومتشتت بين ايمانه العميق بمبادئ زي الانسانية وحقوق الانسان والديمقراطية وتحرير المرأة وبين ادراكه انه الواقع كثير عكس هذا الكلام خصوصا عند الدول اللي بتصدع روسنا بهاي الافكار يعني حامد عبد الصمد كان دايما يسخر من كلام الناس اللي بحكوا الاسلام الصح مش هيك وانه هذا الكلام وهم طيب هو لسان حاله انه افعال وتصرفات كثير دول لا تمثل الانسانية الصح ولا حقوق الانسان الصح مين بمثلها؟ في كمان انطباع تولد عندي انه معظم او كل الكلام كان عن فلاسفة غربيين او من هم في حكمهم بس ما حكا عن اي فيلسوف عربي او افريقي او صيني مش عارف ليش او عارف بس....
الرواية تجعل قارئها يفتح بابا بداخله لم يدخله بعد ، يستكشفه بإستكشافه مشاعر عميقة من خلال قصص ومشاعر شخصيات الرواية . ارشح الرواية لكل من يشعر بالياس او بالتفاؤل ، تجعل اليائس يفهم مشاعره وافكاره والى اين يمتد طول خط اليأس ، ستهون عليك ، وتقلل شعورك بالاغتراب ، وستعرض لك الرواية كيف يبدو ان تختبر الامل حقا ، فتعطي لك الاختيار بين اليأس والامل بعد ان عرفتهما جيدا . اما المتفائل الآمل ، ستضعك في اختبار ما ان كان تفاؤلك نابع عن تفهم للعالم ام مجرد جهلك بما حولك ، وايضا ستضعك الرواية في النهاية بين اختياري الامل او الياس ، بعد ان عرفتها جيدا . اعجبتني كثيرا الحوارات والسجال الفلسفي بين اطرافها ، كيف تؤثر ببعضها البعض ، وان الشخصيات بها مرونة واقعية تطعلهم يغيرون تصرفاتهم بناءا على هذه المواقف والسجالات .
رغم ان الرواية كانت اغلبها في المصنع ، الا انه كانت تحكي عن عالم كبير موجود ، عالم واسع ملئ بالاحداث والتناقضات والخذلان ، والمشاكل المتوارثة عبر عدة اجيال .
رواية فلسفية جريئة مثيرة للجدل صدرت مؤخرًا وأثارت ضجة كبيرة في مصر بعد سحبها من معرض القاهرة للكتاب، تدور أحداثها في اليابان داخل مصنع لقطع غيار السيارات يديره مدير غريب الأطوار يحوّل المكان إلى فضاء سريّ رمزي .حيث تتشابك الأحداث مع قضايا وجودية عميقة مثل الموت والحياة والحرية والعلاقة بين الدين والسلطة، ومن أبرز مشاهد الرواية أن المدير يرحب بك بحفاوة غامضة ثم تُبرم معه عقدًا خاصًا على «موت ممنهج» يقوم على حرمانك التدريجي من مظاهر الحياة: عدم رؤية السماء، وتناول الطعام بدون ملح، والامتناع التام عن الجنس، فتصبح أقرب ما يكون إلى شخص ميت روحيًا بينما لا تزال على قيد الحياة. رواية تُجيد الجمع بين السرد المشوق والتأمل الفلسفي العميق، وتترك في النفس أسئلة لا تنتهي، مما يجعلها تجربة قرائية مميزة تستحق التوقف عندها لكل من يبحث عن عمل أدبي يتجاوز الترفيه إلى إعادة تشكيل النظرة للحياة والموت.
كعادته، يقدم حامد عبد الصمد رواية قصيرة ومميزة بلغة بسيطة مليئة بالتأملات والإسقاطات الفلسفية، ويتميز بمواجهات عميقة ومثرية بين شخصيات متناقضة الفكرة المحورية للرواية ذكية وتستدعي التفكير، وسأكتفي بهذا لتجنب حرق الأحداث
قريت كتابات سابقة ل حامد عبد الصمد ..لكن في رأيي الكتاب ده ينقله لمستوى أعلى كتير ككاتب ومفكر ... رواية ممتعة لكن تقيلة بالمعاني المختلفة للتقل ... تقيلة لدرجة اني أجلت قراءة اخر صفحاتها كذا يوم خوفا من مواجهة نهاية قد تكون صعبة أو صادمة
"لكنني أؤكد لكم أن المنتحر لا يختلف عن القاتل في شيء. المنتحر قنبلة عنقودية تنشطر إلى قنابل صغيرة تقتل وتشوه كل من عرفوه بعشوائية".. مصنع السحاب حامد عبد الصمد