ربما آثر وليد جنبلاط الصمت بعدما نقل إلى نجله تيمور، في السلم، أمانة كان قد ورثها مضرّجة بدم والده الشهيد. لكنّ أقدار بعض الرجال، وخصوصًا في هذا المشرق الذي لا يزال يعاني لعنة التاريخ، تلاحقهم بلا هوادة، فيشعرون بأنهم يعيشون حربًا لا نهاية لها، وأنّ عليهم الخروج عن صمتهم. هكذا هو قدر وليد جنبلاط. وما يقرّر أن يقوله هذا الرجل اليوم هو أكثر من مذكّرات عائلة ناضلت من دار المختارة، لحماية الدروز، ودفعت أثمانًا باهظة أحيانًا للحفاظ على دورهم في لبنان وفي هذا المشرق العربيّ. إنّه يرى بوضوح المخاطر الكبرى التي عادت لتهدّد ليس فقط وحدة لبنان، بل العالم العربيّ بأجمعه، فيعبّر عن هواجسه بصدق وشجاعة. بالشجاعة عينها، يروي وليد جنبلاط قصة الخيارات الصعبة التي كان عليه أن يتخذها طوال عقود خمسة، وما رافقها من تحدّيات، واغتيالات، ومؤامرات، من دون أن يتخلّى عن قناعاته الكبرى. كما يستعيد المعارك العسكريّة والسياسيّة التي كان عليه أن يخوضها، مرغمًا أحيانًا، ليحافظ على الجبل وعروبته، ومن ثمّ ليصون لبنان ونسيجه التعدّدي والثقافيّ الفريد. وليد جنبلاط الملمّ بالتاريخ والذي يجيد قراءة الحاضر واستشراف المستقبل، أكثر من شاهد على عصر. إنه ومن خلال هذا الكتاب يتوجّه إلى تيمور، وإلى أحفاده، وإلى الدروز، وإلى الشباب اللبنانيّ والعربيّ، لينقل إليهم عصارة تجربته الطويلة ويحذّرهم ممّا يُحاك للبنان ولهذا المشرق من مؤامرات، ومن المغامرين المتهوّرين الذين لم يتعلّموا دروس الماضي...
رغم ما يتضمنه الكتاب من معلومات شخصية وكواليس سياسية، يبدو أقرب إلى سرد للوقائع منه إلى مراجعة نقدية للتجربة. فالتسلسل الزمني كثيرًا ما يبدو مضطربًا، والانتقال بين الأحداث يفتقر إلى الترابط، كما أن الكتاب لا يضيف إلا القليل إلى الرواية التاريخية المعروفة باستثناء بعض التفاصيل المرتبطة بحياة جنبلاط الشخصية.
أكثر ما يلفت في الكتاب كثرة التناقضات أو الطروحات التي ترد من دون تفسير كافٍ، أبرزها:
* يصف حل الدولتين بأنه وهم، ثم يعود ليعتبر أن اغتيال إسحاق رابين أضاع فرصة حقيقية لتحقيقه. * يؤكد أنه لم يتوقف يومًا عن تحدي النظام السوري وعائلة الأسد، بينما تطرح بعض رواياته انطباعًا أكثر تعقيدًا عن طبيعة هذه العلاقة. * يعتبر أن حدود لبنان الحالية نتاج الاستعمار الفرنسي وأن لبنان الكبير صناعة فرنسية، ثم ينسب إلى الأمير فخر الدين دورًا في وضع فكرة لبنان الحديث. * يروي أن كمال جنبلاط قصد حافظ الأسد لطلب السلاح لحسم المعركة، ثم يذكر أن كمال طالب بانسحاب القوات السورية ورفض الدخول إلى “السجن العربي الكبير”، وهي عبارة لا تنسجم مع أدبيات كمال جنبلاط العروبية، كما أنها لا تتوافق مع الروايات التاريخية المتداولة ومحضر اللقاء المنشور، بصرف النظر عن الجدل حول دقته. * يقول إن السوريين عارضوا انتخاب رينيه معوض واغتالوه، ثم يعلل الاغتيال بأنه كان يهدف إلى إنهاء تمرد ميشال عون، رغم أنه يقول أيضا إن معوض كان خصمًا سياسيًا لعون، وهو ما يجعل هذا التفسير ركيكا. * يتناول مفهوم “حلف الأقليات” بصورة متناقضة؛ فيصفه مرة بأنه مشروع إيراني عززه النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن سقط بسقوط النظام السوري، ثم يعود في الصفحة نفسها ليعتبره مشروعًا إسرائيليًا تبناه بعض الموارنة في لبنان.
ويثير الكتاب أيضًا ملاحظات أخرى تتعلق بمضمونه ومنهجه. فمن اللافت اعتبار خلافه (وهو رئيس للحزب التقدمي الاشتراكي) مع رفيق الحريري (صاحب السياسات النيوليبرالية) إلى خلاف نظري حول السياسات الاقتصادية، بين من يفضّل دعم الزراعة والصناعة ومن يدافع عن اقتصاد السوق، وكأن هذه المسائل مجرد اختلافات شكلية، رغم ما تحمله هذه الخيارات من انعكاسات جوهرية على الساحتين السياسية والاقتصادية. وفي المقابل، يوجّه انتقادات إلى اليسار اللبناني لتخلّيه عن مبادئ كمال جنبلاط وعدم مواجهته الجدية للرأسمالية في لبنان، إلا أن اللافت أن الكتاب، على امتداد نحو 300 صفحة، والصادر عن رئيس حزب اشتراكي، لا يكاد يأتي على ذكر الاشتراكية نفسها. فلا يناقش أيًا من مبادئها النظرية، ولا يشرح لماذا يتبناها أو كيف توصّل إلى قناعاته الفكرية، كما لا يستعرض أية سياسة أو مشروع أو تشريع أو إصلاح اشتراكي عمل على تبنيه أو الدفع باتجاهه خلال مسيرته السياسية. وعلى العكس، يرسم الكتاب، من حيث لا يقصد ربما، صورة لمسيرة سياسية وأسلوب حياة ينسجمان إلى حد بعيد مع نهج سياسي واقتصادي ليبرالي ورأسمالي تقليدي. كما أن المذكرات تكاد تخلو من أي نقد ذاتي حقيقي؛ فعلى الرغم من إقراره بتحمل جزء من المسؤولية عن الحرب الأهلية والفساد في دولة ما بعد الحرب، فإنه لا يقدّم مراجعة معمقة لتجربته، بل يميل في معظم الأحيان إلى تبرير قراراته وخياراته السياسية. ويُلاحظ أيضًا تكراره توصيف الخلاف بين كمال جنبلاط وحافظ الأسد بوصفه صراعًا بين درزي وعلوي، ووصفه النظام السوري بأنه نظام علوي، من دون تقديم تفسير عن سبب هذا المنظور الطائفي في فهم الصراع. في المحصلة، تبقى قيمة الكتاب الأساسية في كونه شهادة من شاهد وصانع للأحداث، لكنه لا يرتقي إلى مستوى المراجعة النقدية أو التحليل التاريخي الذي كان يمكن أن يقدمه صاحب هذه التجربة الطويلة.