ليس كل كتاب جماعي ينجو من التشتت، لكن بستان رحيب يراهن على ما هو أثقل من “فكرة التجميع”: أسماء صنعت الأدب نفسه. هنا تلتقي أصوات من مدارس مختلفة، من الروسي فيودور دوستويفسكي إلى الإيرلندي أوسكار وايلد، ومن الأمريكي إدغار آلان بو ومارك توين إلى الفرنسي غي دو موباسان وغيرهم. أسماء لا تحتاج تعريفًا، لكن ما يقدَّم هنا ليس نصوصهم الأشهر، بل مختارات أقل تداولًا، تُستعاد بروح جديدة عبر ترجمة عماد العتيلي، في محاولة لإعادة تقديم القرن التاسع عشر بعيدًا عن الاستهلاك المعتاد. هذا الكتاب لا يفتح لك باب قصة واحدة، بل يضعك أمام أبواب متعددة، لكل منها مزاجه الخاص. من الرعب النفسي إلى السخرية اللاذعة، من التأمل الفلسفي إلى الحكاية الإنسانية البسيطة، يتشكل مناخ متقلّب يُبقي القارئ في حالة انتباه دائم. والسؤال الذي يتسلل بين الصفحات دون إعلان: هل يتغير الإنسان فعلًا باختلاف الزمان والمكان، أم أننا نعيد الحكاية نفسها بأقنعة مختلفة؟ في قلب العمل تكمن قوته الحقيقية: التنوع بوصفه تجربة، لا فوضى. كل قصة تقف وحدها، لكنها في الوقت ذاته جزء من نسيج أوسع يكشف تناقضات الإنسان عبر ثقافات متعددة. هنا ستجد الهذيان عند دوستويفسكي، والسخرية عند توين، والظلمة المكثفة عند بو، والدقة القاتلة عند موباسان. ليس الهدف أن تتذكر كل قصة، بل أن تصطدم ببعضها. أن تخرج بفكرة، بصورة، أو حتى شعور غير مريح. هذا كتاب لا يسعى لإرضائك، بل لإيقاظك. بعد القراءة ستدرك أن العمل ليس “مجموعة قصص”، بل رحلة عبر عقول مختلفة، كل منها يرى العالم بطريقته ويجبرك على النظر معه. وفي النهاية، حين تغلق الكتاب، ستبقى الفكرة معلقة: إذا كان هؤلاء قد كتبوا عن الإنسان قبل أكثر من قرن بهذا العمق… فهل تغيّرنا فعلًا، أم أننا فقط أصبحنا أكثر مهارة في إخفاء الشيء نفسه؟
اجتماع كبار الأقلام من القرن التاسع عشر بين جنبات كتاب صغير. ابتدأ المُترجم عماد العتيلي سبب انتقاءه لهذه القصص القصيرة تحديدًا. ما تميزت به هذه المجموعة بأنها فعلًا كالبستان الرحيب؛ ابتداءً من ألمانيا وقصة الرعب متمثلة بتكبر مركيز وشبح متسولة، مرورًا بين ببرطانيا وقصة زواج بأسلوب ساخر مؤلم، وروسيا مع فلسفة دستيفسكي وقصته الرائعة بوبوك. وغيرها من القصص الممتعة التي لا تنسى.
أعجبني تنوع القصص في الحكم والعبر والفلسفة اللذيذة.
ترجمة عماد العتيلي كانت مبهرة لدرجة لم أتوقعها! أصابني فضول لأقرأ من ترجماته أكثر. إصددار دار رصاص لهذه المجموعة كان مُتقن، وتميز الكتاب بوجود صور ورسومات خاصة ببداية كل قصة فكانت تجربة جميلة بأن اتأمل الصور قبل وبعد قراءة القصة.
سعيدة بالوقت الذي امضيته في هذا البستان ومتأكدة بأني سأرجع وأزوره بين فترةٍ وأخرى🌸🩷.