"لو زار كافكا المخيم، لما احتار في كتابة المسخ؛ لكان قد وجد المسخ والتحول واقعاً يومياً يجري تحت مزاريب الزنك، دون حاجة للفنتازيا". يفتح لنا يحيى أبوصافي سردية الوجع والتهكّم من أزقة المخيم وربما نافذة ايضا نابضة بالحياة على فضاءات المخيم، لتحولات المكان والإنسان. بين جيل الأجداد الذي يحمل مفاتيح البلاد في قلبه، وجيل الصبية الذين يركضون خلف سيارات وكالة الغوث ويسرقون الفرح من بين يدي العوز. يكتب أبوصافي بعفوية وتلقائية لا تُجمّل الواقع، بل تلتقطه بكامل تناقضاته وأحاسيسه الفياضة. قصص تفاوض الألم اليومي بتهكّم عذب, مجتمع كامل يتحرك بين السطور؛ أسرع عداء في المدرسة وأشهر سارق لكروت المؤن، حكايات الصبا ورغبة الالتحاق بالثورة عبر نقش وشم "كلاشنكوف",غيوم من رسائل الحب المكتوبة على ورق معطر وسط عتمة المخيم. "'كافكا تحت المزاريب' مرآة تعكس خيباتنا وضحكاتنا المكتومة، صوت الذين عاشوا غرباء دوما، ولكل من يبحث عن رائحة الأرض في ملامح الأمهات الصابرات .
كم حكاية تختبئ في الأماكن التي اعتدنا ألا ننظر إليها؟ ماذا يحدث حين تصبح الحياة اليومية حكاية تختلط فيها القسوة بالسخرية، والوجع بقدرة الإنسان على الضحك؟ في «كافكا تحت المزاريب»، نقترب من أزقة المخيم، من تفاصيل الحياة التي قد تبدو عادية لمن يراها من بعيد، لكنها تحمل في داخلها ذاكرة ثقيلة، وأحلامًا مؤجلة، وحكايات إنسانية لا تختصرها المعاناة بين الفقر والطفولة، وذاكرة الأجداد وحنينهم إلى البلاد، وأحلام الحب والتمرد، تتشكل صورة حياة متناقضة؛ حياة تضيق بأهلها أحيانًا، لكنها لا تسلبهم قدرتهم على الضحك والحلم وصناعة الفرح من أبسط التفاصيل فيفتح بابًا للتأمل في العبث والاغتراب، وفي تلك المسافة بين ما يبدو غريبًا وما يعيشه بعض الناس بوصفه واقعًا يوميًا فأقسي ما في الحكايات الإنسانية أن تتحول الأشياء التي لا ينبغي أن تكون عادية إلى تفاصيل اعتدناها، حتى كدنا نتوقف عن رؤيتها بالنسبة إلي، تذكرني هذه القراءة بأهمية أن ننظر إلى الإنسان خلف ظروفه، وأن نصغي إلى الحكايات التي قد تبقى على هامش المشهد، مع أنها تحمل عالمًا كاملًا من الذاكرة والوجع والحياة، فوراء كل مخيم حكايات، ووراء كل حكاية إنسان يستحق أن يرى، لا أن يختصر في صورة واحدة
أن تكتب مآسي ذاكرتك بقلم فكاهي.. لا للتقليل منها، بل لتسردها بتسليم؛ هكذا شعرت بأن الكاتب تعامل وتقبل محطات حزنه.
مجموعة قصصية مكونه من ٥٠ قصة مختزلة بـ ١٧٦ صفحة، ممزوجة بين السيرة الذاتية، نصوص ولمحة بسيطة من أدب الرسائل فكاهية وحزينة.. يمر بنا الكاتب في زوايا ذاكرته لما ممكن أن يتم تصويره لأثر حياة إنسان في مخيم.
ألم صدغ ممتلئ بدم متخثر يمكن نسيانه بأكياس كفتة وتفاح أمريكي، سرقة حبة كوسا محشي وتداعي "المصيبة" على العائلة، تعلق طفلين بنعش ميت، عم يجمع ثلج في كيس لأخذه للمخيم، لأن لا ثلج في المخيم.
قصة طفل أراد أن يصبح طيار يحلق في سماء الصفيح، قصص حب بين "كفاكاوي" و "هيلينا"، وتنتهي بعصير زاكي وخسارة حذاء.
رمزية وجود كافكا بالعنوان والقصة ما هي إلا محاولة لجعل فكرة قصة التحول ربما ليست فنتازية لهذه الدرجة.. ربما تكون حياة يومية تحت مزاريب البقعة
كلها ملامح لمواقف مسلمات، سهلة، يسيرة على الناس، لكنها واقع مرير لغيرهم.
قلم الكاتب شفاف وفيه من الجرأة بدون تجميل، أعجبتني كل قصة موجودة وجعلتني أفكر بأكثر من موقف، مواقف من الممكن أن تشعر بها حقيقةً كأنك تراها بعينك.
أيضًا أعجبتني مقدمة الكتاب بكلمات مفلح العدوان فكانت بداية مشوقة أكثر بالنسبة لي.
كتاب يقرأ لتشعر مع واقع إنسان يشاركك بنفس المساحة الجغرافية.
ليس هذا كتابًا عن كافكا بقدر ما هو كتاب عن عالمٍ يشبه كافكا؛ عالم تصبح فيه الغرابة جزءًا من الحياة اليومية، ويصبح العبث واقعًا لا يحتاج إلى خيال.
في كافكا تحت المزاريب يأخذنا يحيى أبو صافي إلى المخيم الفلسطيني من الداخل، لا من خلال الشعارات الكبيرة، بل عبر التفاصيل الصغيرة التي تصنع ذاكرة المكان: الأزقة، البيوت، الناس، الطفولة، الفقر، الأحلام المؤجلة، والضحكات التي تولد أحيانًا في أكثر الظروف قسوة.
أجمل ما في الكتاب أنه لا يحاول تقديم صورة مثالية أو رومانسية عن المخيم، بل يرسمه بكل تناقضاته.