في إسبانيا في عهد فرانكو، وفي جمهوريَّة الحيرة الخياليَّة بالتوازي، تنطلقُ رصاصةٌ واحدةُ في عيد تنصيب الرئيس، لتنطلقَ معها رواية “حَفْلَة الدُّوبْلِير”.
ثمَّةَ مُؤلِّفٌ مجهول؛ ليهربَ من الرقابة، ينسبُ عمله إلى مترجمٍ لا وجودَ له، وثمَّةَ مترجمٌ بات له وجودٌ يبحثُ عن مُؤلِّف الرواية.
وبين العالَمَيْن، رئيسٌ يستعين بدوبليرات ليؤدوا مهامَّه الوظيفيَّة والحياتيَّة. في “حفلة الدوبلير” يطرحُ أحمد عبد اللطيف – في شكلِ ملهاةٍ ساخرة – سؤالًا مركزيًّا حولَ السُّلْطةِ بكل تجلِّياتها، وعن الإنسانِ بكُلِّ تناقضاته، وبالتوازي، يتربَّع سؤالُ الهُويَّة والتاريخ على قمَّة الأسئلة؛ حيثُ يختلطُ الأصلُ بالصورة، حتى لا نكاد نعرفُ أيُّهما الحقيقيُّ وأيُّهما المُزيَّف.
روائي ومترجم عن الإسبانية وصحفي بجريدة أخبار الأدب. ولد عام 1978. حصل على الليسانس في اللغة الإسبانية وآدابها من كلية اللغات والترجمة، وحصل على الماجيستير في الأدب المقارن من جامعة أوتونوما دي مدريد. أعماله الإبداعية: "صانع المفاتيح" عام 2010، عن دار العين وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية 2012 رواية "عالم المندل" 2012 عن دار العين "كتاب النحات" 2013 طبعة أولى عن دار آفاق وطبعة ثانية عن دار العين وفارت بالمركز الأول في جائزة ساويرس الثقافية عام 2015ـ
"إلياس" 2014 ـ دار العين "حصن التراب: حكاية عائلة موريسكية" 2017 -دار العين ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية
"سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج"2019 ـ دار العين
مجموعة "مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية" 2021- دار المتوسط وفازت بجائزة ساويرس فرع كبار الأدباء 2023
"عصور دانيال في مدينة الخيوط" 2022- دار العين ووصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر 2023
تعتمد بعض الروايات على فكرة "ماذا لو؟" وهي فكرة شائعة تقوم عليها الكثير من الأعمال الناجحة، ولكن ما يفعله أحمد عبد اللطيف في روايته "حفلة الدوبلير" يتجاوز الفكرة الأولى، ليغوص في أعماقها ونتائجها، وهو لا يكتفي بذلك بل يدمج معها فكرة أخرى تعد ولاشك أحد هواجس الكتابة الآن، وربما بعد مائة عام! ماذا يحدث لو اكتشف الحاكم فجأة أن له شبيهًا؟! بل ماذا يحدث إذا استطاع الحاكم أن يجمع هؤلاء الأشباه كلهم؟! .. وماذا يمكن أن يفعل بهم؟! .. من هذه الفكرة الفانتازية تبدأ رواية حفلة "الدوبلير" ولا تنتهي، ذلك أن أشباه "البوب" (وهو الاسم الذي اختاره الكاتب للحاكم) يعيشون حياتهم "الطبيعية" في قصره، وهو ما ينتجه عنه بالتالي أبناء لهؤلاء الأشباه، فكيف سيتصرف الحاكم مع هؤلاء الأبناء أيضًا؟!
المشكلة أني قرأت الرواية باستمتاع كبير، وتفاعلت معها جدًا، فإذا بها تنتهي فجأة!
أحببت هذه الرواية بفكرتها الجريئة نوعًا للحديث عن حاكم جمهورية الحيرة "البوب"، خاصة ما يتعلق بـ طريقة وصوله للحكم، اعتباره غير وسيم، العقد التي صاحبت مسيرته، ثم السخرية المستترة وراء ذلك العالم كله، وكيفية التعامل معه .. من هذا الجزء: ( فُرِضَ على أبناء الأشباه حب الرماية وركوب الخيل والسباحة إذ يعيشون طفولة صارمة ترومُ إلى تكوين قادة محاربين يستيقظون في الخامسة صباحًا يحيُّون العَلَم وفي منتصفه صورة البوب ثم يتدربون بالجري لكيلومترات ثم يفطرون وتبدأ دروس الهويّة الحائرة، تاريخ الجمهورية، القديم والحديث، وحروبها وموقعها الجغرافي، بمزاياه وعيوبه، تاريخ الدول المجاورة وعلاقتها بالجمهورية مع مادة اللغة والحساب، وبعد اليوم الدراسي تبدأ في المساء حصص الرماية بالبندقية على أهداف ثابتة وبالليل يبدأ برنامج للمشاهدات يحتوي على أفلام عالمية وقومية حربية وتاريخية وساعة ترفيهية يلعبون فيها الشّطْرَنج، وخُصِّصَ يوم الجمعة للفنون للرسم والموسيقى ولمن يححب، كرة القدم واقترحت مديرة الدار وهو ما ستندم عليه لاحقًا في هامش بتقريرها للرئاسة إعداد وَرش داخل الدار وأن تكون ضمن البرنامج اليومي، فالرسم والغناء والموسيقى، يا سعادة الرئيس، فنون تُصيد المؤسسة في الاحتفالات الوطنية) . بالتوازي مع هذه الفكرة شديدة الثراء، تأتي الفكرة الأخرى للرواية المتعلقة بالكاتب الذي يجد رواية مترجمة، والمترجم الذي يبحث عن كتابة رواية، والانتقال من أسبانيا للحيرة، وما يسببه ذلك من تشتت وحيرة للكاتب والمترجم معًا، ثم الحديث عن رواية ممنوعة يطاردها الحاكم ويأمر بقتل كاتبها، .. اللعبة الخاصة بالكتابة والأصل والصورة، تبدو في أحد تجلياتها وكأنها انعكاس للأصل والصورة الذي يدور فيها البوب/الحاكم هو وأشباهه. هنا يأتي: ( في تلك الليلة لم ينم ووجد نفسه أشبه بمسحور يَمْسِكُ بالقلم ويكتب الجملة الأولى التي قادته إلى مصير مؤسف، "رصاصة واحدة انطلقت من فوهة قناصة مجهولة."..، وظل لشهور طويلة، يومًا وراء يوم، ليلًا ونهارًا، يكتب الرواية التي تمنى كتابتها على مدار 10 سنوات، وحين انتهى منها، ولأنه لا يعرف ماذا كتب، ولا إن كان ممكنًا أن تُنشر من دون عقبات أرسلها لـ لولو فوعدته بنشرها، وحينَها رفضتها الرقابة فقررت هي من دون أن تخبره أن تطبعها في عدد محدود من النسخ وأن توزعها باليد متناسبةً أنها في جمهورية الحيرة، هكذا اختفَت الفتاة للأبد، وظلوا يلاحقون النُّسخ في كل مكان، بل ولاحقوا المؤلف نفسه، حتى عثروا عليه في مدريد وقتلوه في شقته، لينشُر خبر وفاته على أنه انتحار، مع ذلك ظلّ الناس يتبادلون سرًّا مخطوط الرواية) . رواية جميلة تقرأ بسرعة، وتطرح اتلكثير من الأسئلة، وتواجه السلطة بذكاء وبساطة، تحتاج للمزيد من التأمل والتمهل لاكتشاف خباياها. . . .
يهتك احمد عبد اللطيف ستار السلطة في هذا النص الجرئ حيث واجهة اولي هو واجهة السلطة الجبارة المهيمنة الي جانب واجهة ثانية خفيه لاضطراب داخلي اكثر هشاشة يدفعه لصنع دوبليرات متعددة وواجهة ثالثة مساقه عبر ما اطلق عليهم لطيف الهة الاوليمب ال ١٢ كتمثيل لمالكي السلطة الحقيقية ، وسط هذا كله يرسم لطيف ببراعة ما اطلق عليهم الحائرين حين تتحول من مرحلة الخوف الي مرحلة السخرية الباعثة علي الضحك من انفسهم و من شكل السلطة.
واتذكر هنا مقولة خيري شلبي في احد اعماله متحدثا فيه عن المحكومين في مرحلة الاستهزاء بالسلطة "وقد نظن أو يظن غيرنا أننا انسحبنا من الساحة، وتركنا الزمن لوحده في مواجهة الخصوم، لا، بل لقد دفعناه دفعا الي الانتقام لنا ولكن ثمة سلوك من جانبنا نحن، لعله سري أو لعله كامن في لا وعينا حتي أننا نسلكه دون أن ندري، و هو سلوك يفسر معني ترك الإنسان خصمه للزمن، أن معناه بكل بساطه ترك الخصم، اي التخلي عنه و عن مساندته أو تعضيده أو تأييده علي الحقيقة، وان بدا في الظاهر غير ذلك، فإذا ما وجد الخصم العنيد القوي أن ليس في مواجهته أحد تجبر و طغي و طلع بنفسه الي شاهق يهوي منه مكسورا محطما"
رواية حفلة الدوبلير هي من نوعية الروايات التابعة للحجلة اللاتينية، هذا الأدب الذي يجعلك داخل لعبة بداخل لعبة بداخل لعبة. هذا النوع الذي أسسه خوليو كورتاثر وتبعه بعده الكثير وأعتقد أن أحمد عبد اللطيف يستكمل هذا النوع بتكنيكاته. سنعود مرة ثانية لكتابة رأي كامل عنها 🪄