" أقول لـ" علي" إن في الغد أرضًا خضراء آمنة، فيشدني تشاؤمه إلى حيث لا أريد، يأخذني إلى حيث أخاف . يقول إن سماء السنوات المقبلة سوف تمتلئ بدخان مخاوف جديدة على منطقة الشرق الأوسط. صوته المنخفض يُنبّه رعبًا آخر... لسان العراف المثرثر داخل فمه يجيد هذه اللعبة ويجدد مهارته فيها: - هناك حرب آتيه".
" هربتُ من هناك إلى هنا وها أنا ذا أحلم بهروب جديد من هذه الـ " هنا" إلى أي " هنا" أخرى. إلى أرض ليس فيها مظاهرات، ولا اعتقالات، ولا صور زعماء تُعلق على الجدران قسرًا. إلى أرضٍ ليس فيها الخميني ولا صدام حسين، إلى بلادٍ لا يُهم أحدًا فيها أن تكون شيعيًّا أو سنيًّا، ولا يهمك أن تحسب نفسك - كما يقول علي- قوميًّا أو بعثيًّا أو شيوعيًّا أو حزبيًّا مربوطًا بشعاراتٍ فاقعة!"
مازال العالمُ مجنونًا عصيًّا على الفهم، وما زلتُ أنا تلكَ الصبيّةُ التي تُشبه " ذلك الصبي الذي لم يكفّ عن أسئلته بعد"!
حبيب محمود، في هذا العام أحببتكُ ساردًا، يسترجع ذاكرته!
الذاكرة مستودع الروح / ٣ ينطلق الأديب حبيب محمود في روايته " كشوانية رقم ٧ " من خلال النبش في مستودع الذاكرة و يذهب إلى حقبة زمنية حساسة عايشتها المنطقة في مذكرة روائية تتوغل في دهاليز الروح و تستفز الذاكرة التاريخية الجماعية لتلك الحقبة . و كما أن لتلك الحقبة تناقضاتها السياسية و الاجتماعية فقد انعكست تلك التناقضات على شخصيات الرواية .
يشير الروائي عبدالرحمن منيف في كتابه ( رحلة ضوء ) إلى أن عنصر الحوار في الرواية هو الذي يجعلها صادقة و يرفع مستوى العاطفة فيها ، و ( كشوانية رقم ٧ ) ذهبت إلى الحوار في أغلب بنائها السردي ، ذلك الحوار الذي كان أغلبه داخل الكشوانية . الحوار الذي أزاح المكان إزاحة كونية و أحاله من مكان صغير بسيط في وظيفته و وجوده إلى شرفةٍ للثقافة الأدبية و مقرٍ للحوارات السياسية في الشأن الإقليمي و العالمي و يفتح فيه نافذة مطلة على مسرح الحياة الاجتماعية في العراق و القطيف .
ما آخذه على الرواية رغم لغتها الحميمة مع القارئ و عرضها الفاتن الذي يداعب الروح ، هو غياب العُقدة التي تستفز انفعالات المتلقي ، و تبني مسارات متعددة في العمل الروائي .
أخيرًا أستحضر عبارة إبراهيم الكوني التي تقول : " الذاكرة مستودع الروح " و ( الكشوانية ) أفاضت من روح حبيب و فتحت مستودعه المليء بالأسرار و المشحون بالتجربة .