ستجد في هذا الكتاب الذي طبع بعد وفاة الألباني، ولم يكن الألباني من جمع تلك الفتاوى، ولا أمر بها، ستجد ما يشبه الملامح العامة للتيار السلفي المعاصر. كما ستجد أهم الفتاوى التي أخذت جدلا واسعا، كفتياه لأهل فلسطين بالرحيل عن فلسطين في حال عانوا من التضييق عليهم في دينهم.
هناك حرص من ناشر الكتاب على إيراد التشابه بين فتاوى الألباني وفتاوى مشايخ الأزهر..لاحظت هذا عند الشيخ صلاح الصاوي في بعض مؤلفاته..وكأن لسان الحال في مصر لا يقبل حقا إلا من أزهري.
ميزة الشيخ الألباني رحمه الله هي قوة حجاجه وثقته القوية بحجته حتى فيما هو خطأ، أو يحتمل وجهين. وهذا برأيي مشكلة المحدثين كلهم..ففيهم حدة منبعها فهمهم المباشر للنص الشرعي مع ابتعادهم عن دراسة أصول المذاهب الفقهية وقواعدها.
سأعطي مثالا على هذا: رأى المحدث ابن أبي ذئب بأن الإمام مالك قد قال مقولة كفرية، يستتاب عليها وإلا حد يقام على مالك، لكونه روى حديث (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، بإسناد لا يشك في صحته، ثم ترك العمل به، واختار وقوع البيع بافتراق الأقوال (أي لو اتفق على البيع ثم تحدثا في أمر آخر ولم يفترقا عن بعضهما بالأبدان).
المهم أن ابن أبي ذئب قد رأى أن مالكا قد خالف ما يرويه هو بإسناده،وأن هذا من الإعراض عن العمل بالحكم الشرعي مع علمه بالصواب. ولو أن ابن أبي ذئب قد تأمل فقه مالك، لعرف بأن مالكا يرجح عمل أهل المدينة على أي نص شرعي، باعتبار أن ما استقر عليه عملهم هو من عمل النبي وصحابته.
قلت: وكل حدة في المحدثين سببها فهمهم المباشر للنص، دون اطلاع على أصول المذاهب الفقهية. فهي أشبه بالنظر للمسألة من زاوية واحدة دون سبر لجوانب المسألة من زوايا أخر.
هناك بعض الفتاوى التي تدل على عدم تصور الشيخ الألباني لبعض المسائل بشكل دقيق. [لن يعجب هذا الألبانيين الذين يريدون أن يعصموا الشيخ وإن نفوا ذلك]..مثل مسألة الهجرة من فلسطين..ومسألة انتظار الملتحي الجزائري للعسكر (في العشرية السوداء) كي يحلقوا له لحيته،وعدم المبادرة لذلك. وكأن العسكر لو جاؤوا للملتحي، سيفردوا له كرسيا حلاقة ويجلبون حلاقا نظيفا، قد عقم أدواته، وسيحلق له لحيته باستخدام كريم حلاقة!
الغريب أن الشيخ الألباني في أحد أشرطته المفرغة في الكتاب يتحدث عن كفر معمر القذافي. في حين أن بعض أدعياء السلفية كانوا يرون إسلامه حين قامت الثورة عليه. بل كان يرى الشيخ وجوب الهجرة من ليبيا بسبب التضييق على الإسلاميين..وفق الشريط المسجل له في فبراير ١٩٩٣م. [قد يحتج بعضهم بأن الفتوى قديمة وأن واقع الحال في ليبيا قد تغير بعد ذلك. ولكن الناظر لحالهم يراهم يجعلون الفتوى نصا شرعيا لا يأتيه الباطل..والدليل تغنيهم بلقب حامل لواء الجرح والتعديل أيا كانت فعال هذا الحامل،فيمكن إلزامهم من هذا الباب].
الفقه السياسي الخاص بالألباني لا يختلف كثيرا عن باقي السلفيين التقليديين. فمبدأ (عين لا تقاوم مخرز) يجري تنزيله على كل واقع سياسي وعسكري.