رواية خفيفة للتعرف على لهجة و عادات و تقاليد اهلنا في الجنوب و مختلف التغيرات الاجتماعية التي طرأت عليهم منذ السبعينات الفصول الاولى كانت ثقيلة ... فيها حشو للمفردات و لأسماء شخصيات ليس لها اي دور في الرواية التقييم الفعلي 3,5
رواية "مملكة الزيوان" هي من تلك الروايات التي تجعلك تتوق لمعرفة ما سيجري من بعد ما تغلق الكتاب، وأنت تقرؤها في الليل بعينين ناعستين، تقنع نفسك: "صفحة واحدة فقط وأنام"، فتجد نفسك تقرأ صفحات بلهفة لإكمالها أخيراً في رقم قياسي لشدة تفعيلها للفضول. وبقدر ما هي مشوقة لقوة سرد الراوي للأحداث والوصف الدقيق للشخصيات وحالاتهم، هي مليئة بالمعلومات التي تخص المنطقة من تاريخ وأشخاص ومصطلحات. كتاب "مملكة الزيوان" من الكتب التي يصطحب القارئ معه دفتراً وقلماً لثرائه بالمفردات، الأمثلة الشعبية والتواريخ.
تبدأ الرواية بتخطيط الدرويش "لمرابط" لدخول حفرة القصر التي تثير رهبة السكان، وكيف قاده فضوله لتنفيذ خطته. وما إن يدخل الدرويش الحفرة ويتعجّب لما يراه، حتى يُسمعنا الكاتب صوت شريط الفيديو الذي يلف إلى الوراء، عائداً بنا إلى أول يوم لحياة الدرويش على أرض مملكة الزيوان، والتي يقصها لنا هذا الأخير بدقة متناهية. ثم يتركنا نشاهد فيلم حياته المقسمة على مراحل ابتداءً من ولادته إلى شبابه مروراً بكل مراحل حياته من حبوه، فطامه، خطوته الأولى، ختانه، دخوله للمدرسة القرآنية، فالمدرسة بكل أطوارها ثم الجامعة ومن ذلك دخول عالم الشغل. من أحد المواضيع التي يتطرّق إليها الكاتب هي قيام المنطقة على الطبقية التي تحدد أهمية كل عائلة؛ فمنهم الأشراف، والمرابطون، ومنهم الهجين والمهجن وأصحاب البشرة الداكنة كالداعلي ووالديه الذين عاشوا معهم وخدموا أهله. وعلى طول الرواية، يروي لنا الصديق نمو المرابط جسديا وعقليا والأحداث المهمة التي طرأت في حياته مع التلفت للداعلي الذي كان بمثابة توأمه لولا بشرتيهما المتباينتين، ليقارن بين إنجازاتهما ووقعها داخل البيت والقصر. يتطرق الكاتب لموضوع لون البشرة بصفة متكررة، ويتفنن في وصفها وتشبيهها بعناصر من بيئته كالقمح والبشنة والحناء. وأخذ وصف البشرة في الرواية حصة مهمة، إذ أنه لا يمر بشخصية إلاّ ورسم لون بشرتها مستعملا فرشاته الأدبية ليصنع الظلال "البشنية اللون، حين تكون البشنة قد صُهِّدت على نار هادئة، حين يميل لونها نحو الأصفر الداكن قليلا"؛ ومنها "الحنّيّة اللون كلون الحنّاء الرطبة ساعة مكوثها بيد أمه (المرابط) مدة زمن الأعراس والأفراح، حتى يكتحل ظاهر كفها؛ وكذلك السوداء "كالفحم بعد انطفائه، حيث تنطمس فيه شدة السواد". وكان أول اكتشافه للعالم خروجُه للعب مع أبناء القصر، وكان اختلاف ألوانهم ما شد انتباهه: [لماذا يختلف لوني ولون أعليلي، عن لون الداعلي؟]، ليصبح لون الشخصيات بطاقة تعريفهم. ويسلّط الكاتب الضوء على صورة المرأة في القصر التي لا ترث، فيذكر أحياناً الشخصية المنسية "مريمو"، والتي كأنها كانت تعيش على هامش البيت والقصر ككل؛ فرغم أنها كانت أول مولود للعائلة إلّا أنها لم تكن بحظ المرابط طوال حياتها لكونها أنثى ليس لها قسط من ممتلكات العائلة، ولم تلقَ اهتمام من أحد لذلك.
ما شدّني في الرواية هو تعلق الشخصيات والقصر بالطبيعة؛ فكانت للنخلة مكانة مقدسة في رواية الزيواني بسعفها وتمرها وجذعها؛ فكان السعف أول ما لامس جلد المرابط الرضيع عند ولادته بعد يد القابلة ليمسح عنه أثر الحياة الأولى داخل رحم أمه، وشكّل الزيوان مهده والجريدة عكازا له بعد ختانه، كما صنعت منه أدوات منزلية عدة وحصائر. وأما التمر فكان يرافق سكان القصر في كل مناسبة.
ينسج أحمد الصديق حبكة القصة بسلاسة بارعة ويقدم الأحداث بخفة ممتعة، مع وصف الشخصيات والأماكن بدقة فائقة غير مملة لترتسم في مخيلة القارئ ويعيش الرواية كأنه جزء منها.
This entire review has been hidden because of spoilers.