يتناول هذا الكتاب كيف حاول الشعراء اليهود الأندلسيون في العصر الوسيط استدعاء تراثهم الدينى، وخاصة أفكار ومعتقدات العهد القديم، وتوظيف هذه الأفكار والمعتقدات توظيفًا دينيًا وإبداعيًا، والنظر إلى هذا التراث الدينى نظرة إنسانية عامة. ويؤكد الباحث في هذه الدراسة القيمة الفريدة أن هدف الشاعر اليهودي الأندلسي من الاقتباس من تراث العهد القديم خشية الانغماس في مضمون وشكل القصيدة العربية وانتشال القصيدة العبرية الأندلسية من التغريب بمحاكاته للشعر العربى بكل عناصره، ورغم ذلك فإن الشاعر اليهودي الأندلسي قد تأثر بالشعر العربى الأندلسي، وحاول أن يوائم بين اقتباساته من تراثه الديني القديم وبيئته الإسلامية.
يُصنّفُ كتاب (التراث الديني اليهودي) كدراسةٍ فلكلوريَّة هدفهَا تسليط الضَوء على تأثّر الأدب اليهُودي بالأدب الأندلسي إبّان تواجدهُم هُناك. لا تُخفِي الدلائل والشواهِد التاريخيَّة على الآثار التِي خلّفها الاختلاط اليهودي مع الأندلسيين واشتِراكهِم في الأدبيَّات العبريَّة ذات السمات القَريبة من الأدبيَّات العربية. ركّز الكِتاب على الأثر الذِي رسمهُ التراث الأندلسي على الأدب الصهيوني نتيجة التواجد في ربوعِ الأندلس. حيثُ ذكَرَ الأعلام البارزين في الأدب اليهودِي آنذاكَ والذين مثّلوهُ أفضلَ تمثيلٍ. غطّى الكِتاب كذلكَ نماذجًا أدبيًا؛ من عمقِ التجربة الإنسانيّة المعاصرَة اللاضطهاد كما يزعمون هُم -أي اليهود-. وقارن بين المُقاربَات اللفظية بين ما تأثّر وأثّر من الكلمات حسبَ الفترات الزمنيّة وما قد طرَأَ عليها من تغيير تبعًا للدّخلاءِ من مُختلف من اندمجَ مع الأندلسيين إبّان التواجد اليهودي آنذَاكَ.
أعجبني الكِتاب للمادّة العِلميّة التي حواها، بدءًا من ذكرٍ للشعراء والأدباء اليهود الصّهيُون انتهاءً بِذكرِ نتاجهِم الأدبي. كانت تلكَ النماذج خيرَ مِثالٍ على إظهار المَلَكَة الأدبيّة لليهود بغضّ النظر عن أصلهِم العرقي وكيانهم الإنسَانِي. لاقَت طريقةُ العرضِ استحساني لثراءِ الكمّ الأدبي المُلحَق في صفحات الكِتاب والذي رُوعِيَ في ترتيبهِ التسلسل التاريخِي للحادثةِ. وكانَ من مميّزات الكِتاب استنادهِ إلى نصوصٍ عبريّة تمّ استمدادهَا من أمّهات الكُتبِ في التراثِ اليهودِي حسبَ ما وردَ في الكِتاب.
طبيعيٌ أن يكُون مضمُون الكِتاب شيّق إذ تناولَ شيئًا يعدّ السبيل إلى فهمِ ما يختلجُ ذوات اليهُود عن طريقِ تراثهِم الديني والذي كان ولا زَال إحدَى الركائز التي يرجعُون إليها في كتابة نصوصهِم الأدبية النثرية والشّعريّة مضمّنين فيها المعانِي التي يمنّون أنفسهُم بها كالتوبة والإلهِ والذّنب لتكوينٍ نفسيٍ في تركيبتهِم. أسلوبُ الكَاتب في عرضِ الوثائقِ الأدبية مُقنّن حيثُ أحصَى كل ما يتعلّق بالقطعة الأدبية ومتعلّقاتهَا؛ مُسهبًا في تحليل الحادثَة أو الواقعة التي ارتبطَت بهَا دُونَ تكلّفٍ في العَرضِ مُستجديًا بذلكَ اهتمامِ القارئ إلى ما وراء النّص، جاعلًا إيّانَا نُطيلَ النظر في سردِ ما قد يشُوب تلك الإخباريّات من صدقٍ أو خللٍ أو كذبٍ مُخبّأ بغرضِ الإخفاء وعدم فتحِ المجالِ لمعرفةِ المُتحفّظِ بهِ في تراثهِم وفنّهم. وأيضًا كلّ ما ذُكِر كان بالغ الأهميّة لأنّ بهِ السبيل إلى فِهمِ عقليّة وآليّة تفكير هذا الشّعب الذي يظنّ أنهُ (شعب الله المُختار).