Jump to ratings and reviews
Rate this book

الدراية: الفريضة المصيرية الغائبة في التراث – الشفاعة أنموذجاً مفصلاً

Rate this book
الدراية، عنوان هذا الكتاب، هي غير “علم مصطلح الحديث”، الذي كان، منذ نشأته الأولى مقتصراً، في جملته، على دراسة أحوال الرواة لجرحهم أو تعديلهم، جرياً على القاعدة الكلية المزعومة التي وضعها علماء الرواية، وهي أن ما صح سنده صح متنه، يعني أن ما صح رواية فقد صح دراية. مع العلم بأن العلاقة الفعلية بين السند والمتن، في أي رواية من الروايات، ليس حتماً مقضياً أن يدور فيها صدق المتن مع صدق السند حيث دار. فالافتراق بينهما في موضوع الخطأ والصواب، أو الحق والباطل، أو الصدق والكذب، أمر واقع شائع، لا مجال فيه للمغالطة أو المكابرة أو الإنكار.

ومن هذا المنطلق الخاطئ لم يتولد لدى علماء الجرح والتعديل أي شعور بالحاجة إلى معيار آخر لدراسة متون الروايات نفسها وتمحيصها للوصول إلى الحقيقة بشأنها، بغض النظر عن أحوال الرواة، سواء اعتُبِروا عدولاً أم مجروحين، وسواء اعتُبِرَت رواياتهم صحيحة أم حسنة أم ضعيفة، أم حتى متواترة كما قد يتوهم كثيرون.

وخلاصة الدراسة التي انتهى إليها هذا الكتاب تُري، بشكل قاطع لا لبس فيه ولا غموض، بأن الرواية وحدها لا تكفي معياراً للتحقق من صحة المتون، كما تُري، فرضاً لازماً على المشتغلين بالتراث، أن تسير الدراية عندهم جنباً إلى جنب مع الرواية، حتى تعمل الدراية في الرواية عمل ورق عباد الشمس الذي يغمس في المحاليل الكيماوية فيكشف إن كان المحلول حامضياً أم قاعدياً.

فالدراية التي يتناولها هذا الكتاب ليست هي الدراية في معرفة أحوال الرواة، كما يجري التعامل معها في علم الجرح والتعديل، بل هي الدراية في معرفة صحة المحتوى الفكري أو الخبري الذي تنطوي عليه الأخبار والروايات.

غير أن الدراية، في هذه الحال، لا تعني قبول الروايات أو ردّها كيفما اتفق، انسياقاً وراء الهوى أو المصلحة أو التقليد الأعمى، أو أي اعتبار شخصي آخر، وإنما تعني إخضاع متونها للدرس والفحص والتمحيص، طبقاً لقواعد ضبط وربط صارمة مشروعة، لا تدع مجالاً للجرأة الجاهلة أو الجرأة الغاشمة، للعبث في دين الله، أو العبث بشرعه وأحكامه، وأصوله وفروعه. وذلك كأن كانت تلك المتون تخالف قطعي القرآن، أو يكذبها الواقع المدرك المحسوس، أو تناقض السنن الكونية أو القوانين الإلهية أو الطبيعة البشرية، أو تناقض أحاديث متواترة فعلاً، أو يناقض بعضها بعضاً، أو يناقض الحديث نفسه، إلى غير ذلك من المتناقضات القطعيات الواضحات.

والدراية، بمعنى امتحان المتون وفق قواعد قطعية في منهاج فكري متكامل، كانت غائبة غياباً كاد يكون عاماً شاملاً عن عملية تمحيص الأخبار والروايات، في مختلف جوانب التراث، من سنة وحديث، وتفسير وفقه، وسيرة وتاريخ. وهذا ما فسح المجال واسعاً لأعداء الإسلام، وللحمقى من أبنائه في ميدان الترغيب والترهيب، وللوضاعين في ميدان النزعات الفرقية والأهواء السياسية، نقول هذا ما فسح المجال لسائر هؤلاء أن يدسوا كثيراً من الروايات المختلقة، وأن يقدموها للأمة في سلاسل من الروايات الذهبية، كي يطمسوا بها على العقول والقلوب، وأن يجعلوا الميدان خالياً للباطل، يسرح فيه ويمرح، لا معقب له ولا كابح لسلطانه.

ولقد انطلت هذه العمليات الكبرى من الخداع على جماهير الأمة الإسلامية عبر العصور، علماء ومتعلمين ومقلدين، حتى صارت تلك الدسائس والأكاذيب والضلالات والخرافات والسخافات تشكل أجزاء محورية أساسية في تصور المسلمين للإسلام نفسه، أصولاً وفروعاً.

وكان ذلك حدثاً جللاً وطامة كبرى حلّت بالأجيال كلها، حتى ران على عقول الأمة غشاوات وظلمات بعضها فوق بعض، باتت لا تقوى معها على أن تميز في مرويات تراثها الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والحقيقة من الأسطورة. فقد غاب من حياتها أي باع لها أو ذراع في الدراية تدفع به وهماً، أو تصحح به فهماً، أو تنشئ به حكماً. فضاعت الحقيقة في جنباتها بين الجهلة، والمتطفلين، والمتخلفين، والمتقاعدين فكرياً وعقلياً، وبين أرباب الملل والنِحل الضالين المضلّين، وبين أرباب الأجندات الهدامة من حاقدين ومبغضين ومتآمرين. فانطفأت من حياة الأمة برمتها أنوار الحق المبين، متمثلة في كتاب الله وسنة رسوله الأمين.

ورسالة هذا الكتاب هي دعوة حارة لبعث منهاج الدراية الحقيقي الشامل المتكامل الفعال، بين ظهراني الأمة، حتى تتم عملية تطهير تراثها من الشوائب والأدران، والفواحش والموبقات التي علقت به أو اختلطت معه على مر العصور؛ كما أنها دعوة حارة كذلك لإجراء عملية تصويب لموازين الإدراك لديها، لكي تصبح في خاتمة المطاف صاحبة منهاج فكري مبدع خلاّق، مبني على مادة معرفية لا تشوبها شائبة، كفيل بأن ينقلها من حال الهبوط والتخلف والانحطاط إلى ذرى التقدم والإبداع والقوة الباهرة، ليس في ميدان واحد من ميادين المعرفة البشرية، بل وفي سائر الميادين والمجالات، إنسانية كانت أم علمية، وسيان كانت تنتمي للماضي أم للحاضر أم للمستقبل.

ولا يفوتنا في هذا المقام، أعني مقام التعريف برسالة هذا الكتاب، أن نؤكد مخلصين، بأن هذا الكتاب، مع ما فيه من حدة فكرية، فإنه ليس من قبيل عرض العضلات للدخول في مبارزات فكرية مع أصحاب الدعوات والحركات. بل هو دعوة خالصة لشتى أصحاب الاتجاهات، أن نعيد النظر سوية في كثير من القواعد والأصول والمسلمات، كي يأتلف الجميع في ظل منظومة فكرية وحركية واحدة واعدة، ليس فيها غالب ولا مغلوب، تعيد بناء الأمة على أسس ومحاور جديدة، وطيدة الأركان، راسخة البنيان، نثوب بها إلى رشدنا، ونهتدي بها إلى الحق المبين كما أراده الله تعالى لنا في قرآنه الكريم، وفي سنة نبيه خاتم الأنبياء والمرسلين.

ولا ينبغي لأحد، عنده مسكة من عقل ودين، يرى ما تمرّ به أمته اليوم من أزمة فكرية وتفكيرية قاتلة، أن تأخذه العزة بالإثم، مردداً شعار السابقين الأولين من الكفار والمشركين: “إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون”.

فلنرفع غطاء العصمة عن كافة العلماء والمتعلمين، أقزاماً كانوا أم عمالقة مرموقين، فليس من بشر معصوم في العالمين غير سيد المرسلين...

605 pages, ebook

1 person is currently reading
9 people want to read

About the author

عثمان صالحية

3 books1 follower

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
0 (0%)
4 stars
1 (33%)
3 stars
0 (0%)
2 stars
2 (66%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 of 1 review
Profile Image for Abdelrahman Badran.
227 reviews103 followers
January 25, 2016
يعتقد الكاتب أن الأمة الإسلامية مصابة بالإعاقة الفكرية الأمر الذي أدى إلى حالة شلل عام أصابها في ميدان الواقع ، هذا الأمر يرى الكاتب أن سببه غياب الدراية عن قراءة النصوص التراثية من أحاديث وتاريخ وتفاسير ، الدراية بمفهومها الخاص هنا هي تفعيل أو استحضار نصوص القرآن والأحاديث الأخرى في ظل المدخلات العقلية من حس وقواعد عقلية كالسببية عند قراءة أي حديث بما فيها الصحيح مع التأكيد على أن أخبار الآحاد لا يؤخذ بها كعقائد لأنها ظنية الثبوت وليست قطعية ، الكتاب طرح العديد من الأمور وحاول أن يطبق "الدراية" على الأحاديث الواردة في سياقها ، كمضمون بشكل عام ما جاء به الكتاب أرى أنه من الضروري جداً أن يفعل بصورة جدية من كافة الذين يتحدثون في أمور الدين ، مع مخالفتي للكاتب في بعض الجزئيات هنا وهناك ومخالفتي له في الأسلوب إلا أنه كتاب يستحق القراءة.
Displaying 1 of 1 review

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.