من السخف أن تتحول قضية الاعتقال الى امتياز لمن كان قد تعرض لها ولكن من الشرف أن يتحول الاعتقال بعد التحرر منه إلى مسؤولية، مسؤولية الايمان العميق بالحرية وقيمتها وبحفظ الكرامة الانسانية من أن تهدر على أيدي المستهترين بمصائر الناس
لعلها المرة الأولى التي أقرأ فيها في ادب السجون، دون ان يصبني الغثيان، او اتعب نفسيا بعد الانتهاء من القراءة.. المرة الأولى التي يتناول فيها كاتبٌ عربي قضية المعتقلات اللاانسانية المترامية الاطراف في بلد ما.. المرة الأولى التي يتناول فيها أحدهم الجانب النفسي للمعتقلين دون التطرق لاساليب التعذيب التي يتبارى السجانون في تطبيقها على ضحاياهم ان تكتب برقيّ تام عن تجربة شخصية متناولاً الجوانب النفسية للضحايا والسجانين أمرٌ لن تجده في كتب اخرى ماقبل حرب العراق، في الوقت الذي يتصاعد فيه نداء الحرب، تلك الحرب التي انتظرها العراقيون لعلهم يخرجون من متاهة الفقر والجوع والخوف التي دخلوها طوال ثلاثين عاماً، غير أبهين سوى بالخروج من النفق المظلم ولو على حساب دمار سيكون غالباً اقل من الدمار النفسي والمادي الذي يعانون منه أصلا.. "عبد الزهرة زكي" استطاع بدون ان ينقل الصورة بأكملها في ثلاثمائة صفحة ونيف، متناولاً كيف يغير الخوف ايديولوجية شعب بأكمله، باطفاله ونسائه، برجاله وشيبانه، راسماً خطاً جديداً في ادب السجون، مستعيناً بلغة سهلة بسيطة تجعل السرد الروائي بكامل أبهته.
واقف في الظلام: سرد جميل ومشوق لتجربة شخصية عاشها الكاتب وهو الشاعر والصحافي عبدالزهرة زكي من خلال أيام سجنه، يتناول فيها أسوء حقبة التي مر بها العراقيون وما عانوه فيها، الا وهي فترة الحصار وبالتحديد قبيل حرب سقوط هدام العراق بأشهر معدودة...