كتب علي الوردي هذا الكتاب , كتاب أسطورة الأدب الرفيع , لكي يرد على مقالات الدكتور محي الدين الخمس التي هاجمه فيها لان الدكتور علي الوردي وصف الشعر العربي بأنه ضحل المعاني و مقيد و يمتلىء بالقواعد و القوانين اكثر من الخيال والافكار , وقد عمد الوردي إلى تخصيص كتاب للرد على تلك المقالات لان الصحف تمنعت عن نشر ردوده , و هو ما عده الوردي جزء من المشكلة التي تحدث عنها في بادىء الامر , اي مشكلة القواعد والقوانين الكثيرة التي تحكم تراثنا و ��اضرنا , واستعرض الوردي في الكتاب مقالات الدكتور محي الدين الخمس , و التي كانت مقالات تحمل من العاطفة اكثر من المنطق , باستثناء المقالة الخامسة والتي كانت الاكثر اتزانا , و يبدو فيها الدكتور محي الدين قد تخلص من فورة غضبه في رده على علي الوردي , وفي تلك المقالة , وضح محي الدين , ان الشاعر العربي ليس اكثر من موصف أحوال ,و هو يوصف كل ما يدور حوله , وليس مطلوب منه ان يقدم أفكاراً أو ابحاثا او حتى محاججات منطقية و عاب على الوردي تحميله ما لا طاقة له به , و من ثم نقد الوردي بانه استخدم الشعر استدلالا على مشكلات اجتماعية او تحليلات نفسية , و نصحه بأن يلزم حدود معرفته العلمية , وان يترك الجماليات والفنيات لاصحاب الاختصاص . واعتقد ان هذه الجملة او هذه النصيحة هي ما اشعلت الوردي غضباً , فعمد الى الرد على الدكتور محي الدين , اما ما رد به الوردي , فهو مقسم ايضاً بحسب مقالات الدكتور محي الدين , اي لكل مقالة مقال , و قد شاب بعض الردود ما يمكن وصفه بالسخرية اللاذعة من قبل الوردي , و هي سخرية يمكن ان تحلل بوجهتي نظر , الاولى و هي أن الوردي قد تأثر كثيراً بمقالات الدكتور و غيره و قد تركت شعورا بالمهانة لديه , والثانية ان الوردي فقد الامل من مقارعة المنطق بالمنطق فعمد اسلوب ديستوفيسكي في رواية الانسان الصرصار , بأن يأتي الوعي عن طريق الاهانة !مهما يكن الامر , فقد وجدت نفسي كقارىء أميل للوردي , فالوردي لم يقلل من قيمة الشعر , انما وضعه في مكانه , و لعل كلامه افضل دلالة عليه لما فيه من مباشرة و بساطة و لهذا اقتبس مما قال ما يلي " ان الشاعر العربي مضطر أن يركز اهتمامه في القافية واعرابها قبل ان يبدأ بنظم البيت " و " الشعر العربي القديم جميل في موسيقاه اللفظية , ولكنه في معانيه ضحل نسبياً , ولو ترجمنا بعض تراثنا الشعري إلى لغة حديثة لما حصلنا منه الا سواد الوجه ! و مثل هذا يمكن ان نقول عن كثير من تراثنا الثقافي , فنحن قوم اشتهرنا منذ قديم الزمان بحسن البيان " و " إني لا أحب أن يحمل القاىء مع كل كتاب يقرأه قاموساً او معجما يرجع إليه في كل جملة لكي يفهم ما خرج من بطن الكاتب فيها , فوقت القارىء اليوم أضيق من أن يبذره في ذلك , وان اصررنا على التعالي عليه باسلوبنا اضطر إلى تركنا " و " ان أدباء اليوم يتهمون من يكتب للشعب بأنه تاجر يرتزق بأدبه , اما من يكتب ليمدحهم بقصائده سعيا وراء الجائزة فهو في نظرهم أديب عبقري و له في قلوبهم مكانة عالية " في الختام الكتاب مميز جداً لانه يحوي مقارعة افكار , واتمنى كثيراً ان أجد كتباً اخرى تحوي هذا النزال الفكري , الذي يخرج القارىء منه دوماً بالكثير من الافكار , تقيمي للعمل 4/5
مقتطفات من كتاب أسطورة الأدب الرفيع للكاتب علي الوردي
---------------------
يصدر بعض اصحابنا مجلات أدبية فيملأونها بتمجيد فلان او فلان من الشعراء القدامى , ثم تموت مجلاتهم تباعاً , فيأخذون بالبكاء على مصير الأدب الرفيع في هذا الزمان , و يصبون الرحمات على تلك العصور الادبية التي كان فيها الاديب مكرماً معززاً , انهم يريدون من القارىء ان يكدح طوال يومه ليشتري ما يكتبون او يتحذلقون , فاذا وجوده يفضل شراء مجلات السيقان العارية على شراء مجلاتهم انحو عليه باللائمة و أمطروا عليه الويل والثبور , ومادروا أنهم أولى باللائمة منه !
-----------
بعض أدبائنا يحتقرون الصور الخليعة , بينما يحترمون الشعر الخليع , و ارجح الظن أنهم يتمتعون برؤية تلك الصور سراً ثم ينكبون لائمين حانقين
-----------
الدكتور محي الدين : ليس الشعراء في أغلب الأحوال أصحاب رسالة في الحياة سوى هذه الرسالة الفنية , ولا هم اصحاب مذاهب سلوكية او عقائدية او سياسية يلتزمونها , فالشاعر شاعر قبل ان يكون شيئاً آخر , واذا اتفق لأحدهم ان كان ذا رأي و عقيدة او مسلك في الحياة فذلك لا يمس فنيته او مقاييسها , لذلك فقد يخرج على رأيه , او يتظاهر بخلافه , كما يستجيب رأي مخالفيه , ويعجب بمسالك خصومه اذا استوى لها النصاب الفني و تهيأت لهم أسباب الإجادة
-----------
الدكتور محي الدين : الشاعر العربي القديم كألة التصوير المحدثة , تقع على مختلف الاشياء فتصورها , سواء عليها ان تقع على ملاك او شيطان , و بهذا نفسر التناقض الحاصل في شعر ابي العلاء من تردده بين الايمان والشك , و التفاؤل والتشاؤم , ونصل بين دعاوي أبي الطيب المتنبي في العزة والكرامة , وخضوعه و تقلبه على باب كافور
-----------
الدكتور محي الدين : في ضوء امتداد تاريخ الشعر العربي , واتساع مواطنه و افاقه و تنوع قائليه في السلالات والثقافات , واستخدامه في اغراض النفس المختلفة لا يصح لدارس الظواهر الاجتماعية ان يسبغ على الشعر العربي في كل اطواره و احواله قيم البداوة اللهم الا ان يتعامى عن ابسط قواعد الاجتماع , و من تأثر الفنون ببيئاتها و ثقافات أهلها , واختلافهم في السلالات والاصول
-----------
الدكتور محي الدين : القصائد لا يصدق منها الا الجانب الفني الذي لا ينتفع منه الدارس النفسي الا في اهون الاعتبارات
-----------
علم الاجتماع لا يدرس فروع المعرفة المختلفة الا من الناحية الاجتماعية , فهو حين يدرس حادثة تاريخية مثلاً , لا يهمه كيف توصل المؤرخون الى تحقيق تلك الحادثة او الى استقصاء القرائن و الدلائل فيها , وانه يتركهم و شأنهم في اتباع منهجهم الخاص بهم , ولكنه يأتي أخيراً فيأخذ النتيجة التي توصلوا إليها و يستعين بها في دراسة المجتمع البشري بوجه عام
-----------
أرجو ان لا ننسى بأن للشعر ناحيتان فنية واجتماعية , و هو في ذلك لا يختلف عن أي شيء من شؤون الحياة , فالقصيدة الشعرية هي قبل كل شيء قطعة فنية , وانما هي بالاضافة الى ذلك ظاهرة اجتماعية لها مساس مباشر بما ينشأ بين الناس من صلات التعاون والتنازع
-----------
ان أدباء اليوم يتهمون من يكتب للشعب بأنه تاجر يرتزق بأدبه , اما من يكتب ليمدحهم بقصائده سعيا وراء الجائزة فهو في نظرهم أديب عبقري و له في قلوبهم مكانة عالية
-----------
الحياة الجديدة تقضي علينا ان نغير من اسلوب لغتنا كما غيرنا من اسلوب مساكننا و ملابسنا و غيرها
-----------
إني لا أحب أن يحمل القاىء مع كل كتاب يقرأه قاموساً او معجما يرجع إليه في كل جملة لكي يفهم ما خرج من بطن الكاتب فيها , فوقت القارىء اليوم أضيق من أن يبذره في ذلك , وان اصررنا على التعالي عليه باسلوبنا اضطر إلى تركنا
------------
من المؤسف أن نجد بعض ادبائنا باقين على رأيهم القديم في وجوب الارتفاع بأسلوب الكتابة فوق مستوى الجمهور , و هم ينعون على الصحافة لغتها المبسطة , وقد اصبح الاسلوب الصحافي عندهم ذما يتقززون منه , فاذا ارادوا الانتقاص من قيمة احدهم قالوا عنه انه يكتب بلغة اهل الجرائد
------------
الكتابة فن كسائر الفنون , والاجادة فيها تنتج عن المران و الموهبة اكثر مما تنتج عن حفظ القواعد والتزام القيود
-----------
ان الاديب يكتب للناس لا لنفسه , و من الضروري اذن ان يفهم طبيعة هؤلاء الناس الذي لهم , اما اذا بقي في برجه العاجي يدرس القواعد التي جاء بها الاسلاف قبل ألف سنة , فسوف لا يجد له بين الناس سوقاً , و سيبقى يشتم الناس على نفرتهم من الأدب الرفيع
------------
ان الشاعر العربي مضطر أن يركز اهتمامه في القافية واعرابها قبل ان يبدأ بنظم البيت
------------
الشاعر العربي يصعب عليه ان ينظم الملحمة الطويلة , لان المحافظة على سلامة الوزن والقافية والاعراب تنهكه و تكلفه شططاً , إنه يشعر بالتعب قبل ان يشعر به الشعراء الآخرون الذين تحرروا من هذه القيود كثيراً او قليلاً
------------
الشعر العربي القديم جميل في موسيقاه اللفظية , ولكنه في معانيه ضحل نسبياً , ولو ترجمنا بعض تراثنا الشعري إلى لغة حديثة لما حصلنا منه الا سواد الوجه ! و مثل هذا يمكن ان نقول عن كثير من تراثنا الثقافي , فنحن قوم اشتهرنا منذ قديم الزمان بحسن البيان
------------