-سيزورك البحر في بلاد كان فيها و نسمة طين تتسلل للروح و هدير يضج في المدى
-أنت تعلم أن للنخلة أشواكها و أن الجمرة في قلبك رماد أسلافك هذا الرماد فتيلك الأبدي و تعلم أنك " مثل عثق التمر و النخل لجله نطيح "
- هل تشم رائحة الحب في عناق الآخرين هل تحذف تطبيقات بلاد و تثبت بلادا جديدة ؟
*** يا للشعر و تمرده ؛ يا لصدقه في كذبه و حقيقته الكامنة خلف خياله . في إصداره الشعري " سيزورك البحر " الوليد حديثا من رحم منشورات تكوين يكرس الشاعر محمد العتابي فكرة مثول الوعي أمام الذاكرة ، بحيث تتعدد النصوص في موضوعاتها غير أنها تحاور في كل مرة تلك الذاكرة التي تحوي استحضارا لأحداث سابقة ضجت بها الحياة كما في " فتاة واحدة .. أغنية وحيدة " ، أو الذاكرة التي تقلّب صور الراهن لتبحث عن الأوطان البديلة السالفة ؛ كما في نص " كم سنة تشيخ بين هجرتين " ، أو الذاكرة التي تناور أشياء الراحلين أو حتى في الأنا السابقة التي كُناها يوما ما . . . لغة الشاعر ولّادة على وضوحها ، تحفر في أثر التركيب اللغوي أكثر مما تنبش في جِدة المفردة ، تلك اللغة تمنح النصوص نطاقا أكبر للتفاعل لدى المتلقى ؛ كما أنها تمنحها عدة أصوات للتأويل ...أصوات قادرة على تضمين النصوص في قوالب إنسانية متعددة الحالات و متنوعة الصور . .
اسم الكتاب: سيزوركِ البحر الكاتب: محمد العتّابي دار النشر: تكوين عدد الصفحات: ٨٣ صفحة
اسم الكتاب: سيزوركِ البحر الكاتب: محمد العتّابي دار النشر: تكوين عدد الصفحات: ٨٣ صفحة
"الذاكرة درعٌ وطوق نجاة؛ فتَذَكّر."
منذ لا أدري متى، وهذه الجملة مركونةٌ في عقلي، عند الباب. وكأنني أخاف نسيانها أكثر من كل شيء آخر كالمواقف، واللحظات، وأوراق العمل، ما قرأته، وما أنوي قراءته وفق خطة. أما الآن، فأجدني أخاف السير نحو الباب، وأخاف أن أراها بشكلها الذي تغيّر حديثًا. بعد قراءة هذه القصائد.
إلى أي مدى يمكن للذاكرة أن تصمد؟ وهل لصمودها، بكل ما تحويه من ألم، وأفكار شائكة، وتعارضاتٍ يضرب بعضها بعضًا، أي داعٍ؟
" أجبني.. يا موجةَ تأْلَفُ خشونةَ الصّخرِ، تُرتِّلُ صلاةَ الجِراحِ وتلعقُ مِلحَ الذاكرة "
لقاءٌ أول مع محمد.. لا في مكتبة بل في كتاب. هو يعرف كيف يكون الشتات، فجاء شعره حرًا وحائرًا، يُشرك القارئ، رغمًا عنه، في الربط والتوقع والتأويل. هنا، قد زارني جدي بعد غياب طويل، شهدَت عليه الوسائد والأحلام غير المكتملة.
يقول: وفاءً للشعر الذي يُساندني في الوحدة والحب والغربة. للشِعر "فن الأقليّة الهائلة".
أعرف محمد العتابي منذ البدايات، وقد قرأت أعماله كلها. والتقيته في معارض الكتب مرات كثيرة، وعرفت كيف يتكلم عن الكتب التي أحبها، وكيف يروج لها بطريقته.
لذا، ما كان غريبًا أن أقرأ هذا الديوان وأجده يُسائل الذاكرة بهذه الرهافة، يطرق بابها، ويتملى بها، ويعقد معها هدنة من نوع ما، أن اتركيني أكتب، أن اجعلي هذه اللغة تذهب إلى أقصى الممكن، لعلي بهذا أجدني.. أو تجد نفسك أيها القارئ، بطريقة أو بأخرى.
أحببت اللمعات الشِعرية، التي أتت مكثفة، إذ "سيزورك البحر في بلادٍ كان فيها" حتى "تخبرني عن الصباحات في المدن الجديدة". وهذا السؤال الواقف كنصل: "لماذا لا يُسأل العشاق عن أسباب محبتهم؟" رُبما " لأنك حضور في هذا الغياب.. يحيّيك الضوء النحيل مثل ظلك: ولو كنت وحيدًا.. نحن واحدون كثر".. ولأنك وحيدٌ إلى درجة تعجز معها عن أن تكون.. تتساءل:" من أنا؟ لأكون كل هذا الفراغ الرخو/ من أنا دون ذاكرتي ؟ من أنا.. وذاكرتي خيطٌ من الهمس"ولن تجد الإجابة لأنك:"قابعًا في آخر أنفاس الوقت.. تهز حبل الأخيلة..تتساقط الصور من أيامك" تعود لتذكر نفسك:"لو كان هذا الغصن ذاكرة.. لنسيت ما يقول الحب .. لو كانت ذاكرتي هذه الشجرة.. لما كنت هنا.. لنسيت كيف أفك أزرار الصباح" لكنك أيها الوحيد: "أنت في هذا الغياب ذاكرة.. اذكر فقدك.. ربّ الألم.. ربّت على كتفه" لأنك "أينما تفتح بيتًا للطين..تجرّ بحرًا من ورائك"وهكذا، تعود إلى النقطة التي بدأت منها.. هذا البحر.. الدمع المالح "كيف تراك سمائي؟ هل يمر دمعي حاملًا مطرك؟"