In this book Raymond Boudon examines the main theories for the explanation of beliefs, providing a major contribution to the analysis of beliefs and the theory of rationality.
يمكن أن نقول أن الكتاب أقرب إلى “مانيفستو معرفي نفسي اجتماعي” من كونه كتابًا تنظيريًا جامدًا، هو تأملٌ ساخر وفلسفي في آنٍ معًا في كيفية اشتغال الذهن البشري حين لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن تبرير قناعاته، حتى لو كانت تلك القناعات مهترئة، هشّة، ومريبة المنبت والمصير. الكتاب لا يُعنى بتحديد الصواب والخطأ وفق معيار خارجي، بل يُعنى بكشف آليات “العقلنة الزائفة” التي يستعين بها الإنسان ليجعل ما يشتهيه يبدو معقولًا، بل نبيلًا أحيانًا.
الكاتب لا يدخل علينا من باب الفلسفة الصارمة ولا من باب علم النفس التقليدي، بل يقدّم نفسه كـ مُلاحظ فاحص لحيل الذهن حين يتورّط في الدفاع عن نفسه ضد نفسه. اللافت أن هذا الكتاب لا يتحدث عن “الآخرين” بقدر ما يجعل كل واحد منا يقف أمام مرآة صلبة، لا تُجمّل، بل تفضح. وهو لا يسعى إلى إصلاح مباشر، بل إلى تفكيك ما نظنه “راسخًا فينا”، ليكشف أنه ليس إلا ركامًا من الاستجابات النفسية المؤثثة بلغة فلسفية أو رمزية أو أخلاقية، لكنها واهية من حيث المنطق أو البرهان.
في قلب أطروحة الكتاب يقف سؤال شائك ومحرج:
لماذا نقتنع بأفكار لا نؤمن بها حقًا، ثم نُعطيها شكلًا جميلاً كي لا نُتهم بالضعف أو التناقض أو الجهل؟ في الكتاب أربع عشر طريقة تمثل هشاشة التفكير لدى الكل في المجتمع الفكري والفلسفي والأكاديمي والعوام ، وطبعا عارف إن مثل هالكتب صعب الشخص يقرأها كاملة بحاول هنا تلخيص هالطريقة مع وضع مثال واحد لكل طريقة:
1- تحكيم الهوى ثم عقلنة النتيجة يختار الإنسان الفكرة لهواً، ثم يبحث عن تبريرات لإقناع نفسه. مثال: شخص يرفض الحجاب لأنه “يُشعره بالقيد”، ثم يبرر موقفه لاحقًا بأن الحجاب عادة اجتماعية لا دينية."
2- تحويل الذات إلى معيار للحقيقة يجعل من مشاعره أو ذاته مصدرًا مطلقًا للحكم على الأفكار. مثال: “أنا لا أشعر بأن هذه الآية تنسجم مع قلبي، إذن تأويل العلماء خاطئ "
3- اعتبار التناقض علامة على العمق يُؤلّه الارتباك والتناقض بزعم أنه يدل على تفكير عميق. مثال: “أنا لا أؤمن بشيء، ولا أرفض شيئًا… وهذا ما يجعلني حُر التفكير.”
4- التستر وراء الغموض اللغوي يستخدم كلمات غير مفهومة لإبهار المستمع وإخفاء هشاشة الفكرة. مثال: “الوعي الجمعي للأنا الطولانية يتشابك مع معمارية الزمن المطلق…”.
5- تعظيم الأسلوب على حساب المحتوى يُقنعه صوت المتكلم أو ثقته، لا مضمون حجته. مثال: “ما أعرف وش قال، بس أسلوبه أقنعني تمامًا!”
6- الشخصنة بدل المناقشة رفض الفكرة بناء على قائلها، لا على مضمونها. مثال: “ما أقبل كلامه لأنه من بيئة محافظة، ففكره مغلق سلفًا.”
7- الاستناد إلى النوايا بدل الحجج يخلط بين صدق القصد وصحة الفكرة. مثال: “أكيد فكرته صحيحة لأنه إنسان صادق ونظيف نية.”
8- اللجوء إلى شعارات الحياد والحرية لإغلاق النقاش إغلاق باب النقد باسم التعددية. مثال: “كل شخص حر في رأيه، فلا أحد يملك الحقيقة، وانتهى النقاش!”
9- الهروب من الحسم باسم الانفتاح يُمجّد اللايقين ويهرب من الالتزام برأي واضح. مثال: “أنا ما أؤمن بشيء أكيد، كل شيء قابل للنقض والتأويل والاحتمال.”
10- الانبهار بالاختلاف من أجل الاختلاف يتبنى الفكرة لأنها صادمة أو مرفوضة فقط. مثال: “أنا أرفض فكرة الزواج لأنها خرافة اجتماعية. لازم نكسر النمط!”
11- استخدام التجربة الفردية كحُجة نهائية يجعل تجربته الشخصية مرجعًا كليًا. مثال: “أنا جرّبت العلاج بالطاقة، وتشافيت… فالعلم اللي ينكره جاهل!”
12- التباهي بالنسبية واللامعيارية يُنكر كل معيار للحكم بحجة أن الحقيقة نسبية. مثال: “ما في صح وخطأ، كل شي نسبي حسب وجهة نظرك.”
13- التسويق الهويّاتي للأفكار يقدم الفكرة لا لأنها صحيحة، بل لأنها تمثل فئة مضطهدة. مثال: “فكرتي تمثل النساء المهمّشات، فلا تُخضعها لمعايير الذكورة الفكرية.”
14- تمجيد المعاناة كمصدر للمعرفة يجعل الألم الشخصي أساسًا للحقيقة. مثال: “أنا عانيت كثيرًا، لذلك أنا أفهم الحياة أفضل من أي منظّر".
الكاتب يُفكّك هذا كله، لا بلغة الاستعلاء، بل بلغة المكر التحليلي؛ فهو يتظاهر بأنه واحد من هؤلاء، ثم يُصعق القارئ بكشف مداخله النفسية قبل الفكرية. وهنا تكمن براعة الطرح: لا يَدين الأفكار مباشرة، بل يُدين المنطق الذي يسمح للفرد أن يروّج لفكرة يعلم داخليًا أنها ضعيفة، لكنه لا يستطيع أو لا يريد أن يواجه هشاشتها.
ولعلّ أحد أروع فصول الكتاب هو حديثه عن “العقل البسيط”، وهو ليس دفاعًا عن السذاجة، بل عن الفطرة العقلية الواضحة التي تعرف أن 2+2=4، وأن القتل ليس موقفًا فلسفيًا، وأن الغموض لا يعني العمق. العقل البسيط هنا ليس نقيضًا للعقل المفكر، بل هو العقل الذي لم تُشوّهه الأكاذيب الجميلة، ولم تُخدعه الأساليب الساحرة، ولم يخدع نفسه حين أراد أن يصدق الكذبة التي تريحه.
ثم يتابع المؤلف عمله التفكيكي كمن يمسك مشرطًا ويشرح أجساد الحجج الخادعة: يُظهر كيف أن بعض الناس يفضلون أن يُقنعوا أنفسهم أنهم “مختلفون”، لمجرد أن يكون لهم حضور في مشهد مكتظ، أو كيف أن البعض يتمسحون بتجربتهم الشخصية كأنها دليل نهائي على صدق كل فكرة يعتنقونها، أو كيف أن الحديث بصوت واثق ونبرة رزينة كفيل بأن يجعل المستمع يغفر للمتحدث هشاشة منطقه، لا بل ويتبعه كما يُتبع نبي. في كل هذا، المؤلف لا يعادي “الفكرة المخالفة” بل يعادي الطريقة التي يُسلّح بها الإنسان فكرته الضعيفة كي لا يضطر لمواجهتها.
ومن جهة أكاديمية، فإن هذا الكتاب يلتقي - دون تصريح - مع مدرسة ريمون بودون في تحليل القناعات الاجتماعية، من خلال نموذج “العقلانية المحدودة”، حيث يقوم الأفراد باتخاذ قرارات تبدو معقولة من زاويتهم الخاصة رغم أنها قد تكون خاطئة على المستوى الجمعي أو البرهاني. كما يلتقي مع نقد زيمل للتمثيلات الاجتماعية والهوية، حين تتحول الأفكار إلى رموز تُعاش لا تُختبر، وتُتداول لا تُراجع.