فتح الله على شيخنا أبي عمر في هذا الكتاب، فأجاد حفظه الله في بيان غاية كل ركن وذكر بل وكل حركة وسكنة في الصلاة وحقيقته وحكمته وفي توجيه المصلي للعناية بما يعينه على الخشوع في صلاته وتأديتها حق الأداء ولشيخنا حفظه الله عناية خاصة بهذه المباحث مشفوعة بعلم واطلاع واسعين وقد جمع في هذا الكتاب ما تفرق من كلام ابن القيم رحمه الله في كتبه حول هذه المعاني وأغناه بفوائد ونكت علمية وفقهية وختمه بمباحث مفيدة حول أوقات الصلاة وسننها بالاضافة إلى مبحث جميل في الحث على صلاة الجماعة فجاء الكتاب كمرجع لكل من يريد العناية بصلاته وتحقيق الخشوع فيها لتكون راحة له كما كانت لنبينا عليه الصلاة والسلام ولصحبه الكرام
*الوقفة الأولى: مقدمة: قال تعالى: { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون } جاء بحرف (قد) الذي يدل على التحقيق مع الفعل الماضي (أفلح) مع أن الفلاح يكون في المستقبل في الجنة، ليؤكد وقوع الفلاح عليهم وأنه متحقق لا محالة. والفلاح هو: الفوز والنجاة والسعادة ونيل كل مطلوب ومرغوب، مع البقاء فيه. من مراتب الناس في الصلاة وأعلاها من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه –عز وجل- ناظرا بقلبه إليه، مراقبا له، ممتلئا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حُجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه – عز وجل - قرير العين به. وعلامة قبول الصلاة أن تترك وتمتنع عما أنت عليه من المعاصي: لأن الله تعالى يقول: { وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } فالله – عز وجل - جعل الصلاة سببًا موصلا إلى قربه ومناجاته ومحبته والأنس به، وجعلها سبحانه بحكمته – وهو الرحيم الودود - عبودية جامعة للخيرات وما يقرّب العبد من ربه ذي الجلال والإكرام، يأخذ منها كل واحد ما يحتاج إليه قلبه من النور والحياة، وما يناسبه من الخيرات التي يتطهر بها مما يكون قد علق به من الأدران والأنجاس بسبب المعاصي والزلات التي حصلت له بين الصلاتين فأبعدته عن ربه وأورثته الهموم والغموم والأحزان والحسرات التي لا يدري سببها وأنها سبب بعد القلب عن ربه سبحانه وأنواره ذي الجلال والإكرام، فكانت هذه الصلاة تطهيرًا له من هذه الأوساخ وحياة للقلب وصحة له وقوة، إن صلاها العبد كما شرع له الحكيم سبحانه.
*الوقفة الثانية: الطهارة قبل الصلاة: وقد ذكر الله تعالى الحكمة من التطهر قبل الصلاة في آخر آية الطهارة من سورة المائدة حيث قال سبحانه: { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } من فوائد الذكر بعد الوضوء: شرع للعبد إذا توضأ متطهرًا أن يتذكر طهارة قلبه فيدعو ربه قائلًا: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" فمن حقق هذه الطهارة في قلبه قبل الصلاة، فهو الذي تفتح له أبواب السماوات ويصلح أن يقف بين يدي ربَه ومولاه، متلقيًا أنواع الرحمة والبركات وأنوار رب الأرض والسماوات، فيالها من دخلة عظيمة على الله ووقفة خاشعة بين يديه لا يعادلها إلا الدخول عليه تعالى في جنته دار كرامته، والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم جزاء من الله سبحانه وعطاء منه على ما كان من العبد من نظر إليه بقلبه في هذه الحياة، فوالله إنها للذة ليس بعدها لذة، ونعيم مقيم لا مثال له ولا نفاد. نسأله سبحانه بمنه وكرمه أن يجعلنا من أهل هذا النعيم، وأن يزين قلوبنا بمعرفته وأن ينورها بكلامه وطاعته، وأن يبعد عنها أسباب الظلمات وأنواع الوساوس، إنه سميع مجيد.
*الوقفة الرابعة: استقبال القبلة: قال ابن القيم رحمه الله: أمر أن يستقبل القبلة بيته الحرام بوجهه، ويستقبل الله – عز وجل – بقلبه لينسلخ مما كان فيه من التولي والإعراض، ثم قام بين يديه مقام الذليل الخاضع المسكين المستعطف لسيده، وألقى بيديه مسلما مستسلما، ناكس الرأس، خاشع القلب، مطرق الأطراف لا يلتفت قلبه عنه ولا طرفة يمينة ولا يسرة، بل قد توجه بقلبه كله إليه وأقبل بكُلٍيَتهِ عليه. فليحرص كل منا -إخوتي- وليحذر كل الحذر من أن يُكذب قلبه لسانه وجوارحه وهو واقف بين يدي الله موجهًا وجهه للقبلة قائلًا: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا..." ويكون قلبه متوجهًا لغير الله سبحانه من ملذات هذه الدنيا وشهواتها وملهياتها.
*الوقفة الخامسة: التكبير ورفع اليدين ووضعهما على الصدر: أما وضع اليدين على الصدر فقد سئل عنه الإمام أحمد –رحمه الله- فقال كلمة مختصرة تدل على مدى فهمه وفقهه لمعاني الصلاة، قال: ذل بين يدي عزيز. ولذلك يرفع يديه على تلك الهيئة ليدل على استسلامه لله وأنه سلّم ظاهره وباطنه له، متبرءأ من الحول والقوة معتمدًا عليه في جميع شؤونه، فرفع اليدين فيه إشارة إلى هذا الإستسلام، وفيه إيذان بأنه أعرض عما سوى الله ودخل في مناجاته سبحانه، كما أنه تعظيم لأمر الله وزينة للصلاة وعبودية خاصة لليدين كعبودية بقية الجوارح واتباع لسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فهو حلية للصلاة وزينتها وتعظيم لشعائرها كما يقول ابن القيم –رحمه الله-. كذلك احرص –وفقني الله وإياك- أن لا تلتفت بوجهك ولا بقلبك عن ربك وأنت واقف بين يديه، وتذكر أن الله لا يزال مقبلًا على العبد بوجهه ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه ربه، نعوذ بالله من ذلك. واعلم أنه على قدر صحة هذا الوقوف وتعلق القلب بالله وعدم الالتفات إلى غيره على قدر ما يصح للعبد وقوفه بين يدي الله يوم القيامة ويسهل عليه حتى كأنه في صلاة فرض صلاها في هذه الدنيا، والله المستعان. والعبد إذا استشعر بقلبه أن الله أكبر من كل ما يخطر بالبال، أخرجه هذا التكبير من التكبر المنافي للعبودية، ومنعه من التفات قلبه إلى غير الله الكبير، واستحيى منه أن يشغل قلبه في الصلاة بغيره، فلا يكون موفيًا لمعنى (الله أكبر)، ولا مؤديًا لحق هذا اللفظ، ولا أتى البيت من بابه بل الباب عنه مسدود، فلو قضى حق (الله أكبر) وأتى البيت من بابه لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات، فإن الله تعالى لا يقبل الدخول عليه إلا من باب التعظيم، ولذلك جعله التحريم بالصلاة.
*الوقفة السادسة: أدعية الاستفتاح 1 : من الأدعية ما رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يسكت سكتة بين التكبير والقراءة، فقلت بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد".
*الوقفة السابعة: أدعية الاستفتاح2 : وعن عائشة وأبي سعيد وغيرهما –رضي الله عنهم أجمعين- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان إذا استفتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". وقد صح عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أفضل الدعاء الحمدلله" والذكر الذي بين أيدينا –أحبتي في الله- تضمن أكمل الثناء على الله واستوعب الباقيات الصالحات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن، كما في صحيح مسلم: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيَها بدأت" وتبارك اسمك: البركة هي: زيادة الخير وكثرته وثبوته واستقراره وعلوه وظهوره، كما يدل عليه فعل (برك). والمراد باسمك: جميع أسمائك، لأنه مفرد مضاف فيدل على العموم. والمعنى تباركت جميع أسمائك وكثر خيرها وعظم برها وانتشرت بركاتها، فما يكون اسمك في شيء إلا باركه، فما كان في قليل إلا كثَره، ولا ضعيف إلا قواه، ولا ذليل إلا أعزه، ولا فقير إلا أغناه. ولذلك شرع لنا أن نبدأ جميع أقوالنا وأفعالنا ببسم الله، لنجعل فيها البركة والنجاح ببركة أسماء الله تعالى، ونبعد عنها كل خلل ونقص، فالشيطان لا يمكنه أن يشارك العبد في طعامه ولا في شرابه ولا في مسكنه ولا في أولاده ولا في غير ذلك إذا ذكر اسم الله على ذلك كله، بل تكون محفوظة مباركة ببركة الله تعالى وأسمائه الحسنى.
*الوقفة الثامنة: أدعية الاستفتاح 3 : روى مسلم في صحيحه عن علي –رضي الله عنه- قال: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، وأنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك" لبيك وسعديك: معنى لبيك: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، مستمر على ذلك. والعرب تقول: لبّ بالمكان وألبّ به، إذ أقام.
*الوقفة التاسعة: أدعية الاستفتاح 4 : من الأدعية التي وردت في الاستفتاح أيضا غير ما سبق: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قوله: "الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه" وما رواه مسلم من حديث ابن عمر –رضي الله عنه- "الله أكبر كبيرا، والحمدلله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا" ومعنى "سبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا" أي أول النهار وآخره، قبل طلوع الشمس وقبل الغروب كما قال تعالى: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } وخص الله تعالى هذين الوقتين بالتسبيح من بين الأوقات لأنهما وقتان لرفع الأعمال كما ثبت عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- فهما فاصلان بين الليل والنهار تحمل الملائكة فيهما الأعمال إلى الله تعالى، فمن المناسب ألا يصلي فيهما بل يكون فيهما التسبيح حتى تنتهي هذه المرحلة وتبدأ مرحلة أخرى من العمل. ما رواه أبو داوود من حديث عوف بن مالك –رضي الله عنه-: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" ما رواه مسلم من حديث عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان يفتتح صلاته من الليل بقوله: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"
*الوقفة الثانية عشرة: قراءة الفاتحة 1 : قال ابن القيم –رحمه الله- : فإذا أخذ في قراءة القرآن فقد قام في مقام مخاطبة ربه ومناجاته، فليحذر كل الحذر من التعرض لمقته وسخطه؛ أن يناجيه ويخاطبه وهو مُعرض عنه، ملتفت إلى غيره، فإنه يستدعي بذلك مقته ويكون بمنزلة رجل قرّبه ملِك من ملوك الدنيا، فأقامه بين يديه، فجعل يخاطبه الملك وقد ولّاه قفاه أو التفت عنه بوجهه يمنة ويسرة، فما الظن بمقت الملك لهذا؟ فما الظن بالملك الحق المبين الذي هو رب العالمين وقيوم السماوات والأراضين. وتأمل –أخي- ما أخبر به النبي –صلى الله عليه وسلم- عن ربه في الحديث القدسي الصحيح عند مسلم وغيره، فإنه قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله تعالى: مجّدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله تعالى: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل" وقد كان شيخ الإسلام –رحمه الله- يجلس كل يوم بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس يردد الفاتحة ويتأمل معانيها وما فيها، فسئل عن ذلك فقال: إني أرى فيها عجبا. وهذا ابن القيم يؤلف في بيان معنى { إياك نعبد وإياك نستعين } كتابه (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) وهو في ثلاثة مجلدات كبار، ضمنها مراتب العبودية القلبية لله –عز وجل- وما ينبغي أن يكون عليه العبد في سيره إلى الله –عز وجل- من أنواع العبودية الباطنة.
*الوقفة الثالثة عشرة: قراءة الفاتحة 2 : رب العالمين: الرب من التربية، كل من سوى الله تعالى فالله هو الذي ربّاك يا ابن آدم قبل خلقك، وهو الذي ربّاك فخلقك في أحسن تقويم، فحسن ظاهرك بأجمل صورة وزين باطنك بالفطرة الحسنة، وهيأ لك وأنت في بطن أمك كل ما تحتاج إليه من الرزق والحياة والحماية، ثم أخرجك من مخرج ضيق لا يمكن الخروج منه إلا بتيسير منه، ثم ربّاك صغيرًا ضعيفًا لا حول لك ولا قوة، وهيأ من يقوم عليك ويرعاك ويسر لك رزقك من حيث لا تدري، ولما كبرت هيأ لك أسباب الرزق والهدى، وأنزل عليك كتبه وأرسل إليك رسله، ليتمم بذلك فطرتك ويرشدك إلى خيرك ويبعد عنك مكائد عدوك.. وهكذا أنت لا تزال تتقلب في رعايته وعنايته وتربيته في كل لحظة ولا تستغني عنه طرفة عين، فكيف بعد ذلك تكفره وتعصي أمره، وتترك طاعته والاستعانة به في جميع أمرك وتظن أنك بغنى عنه وأن الأمور بيدك أنت لا بيده؛ فتعتمد على حولك وقوتك وأنت الفقير الضعيف الذي لا حول له ولا قوة. الرحمن الرحيم: قال تعالى: {الرحمن الرحيم} اسمان لله تعالى يتضمنان وصف الله تعالى بصفة الرحمة اللازمة له والتي من آثارها تراحم جميع المخلوقات، والتي كمالها أن يرحم الله العبد يوم القيامة. الرحمان الرحيم سبحانه ربًا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان، متحببًا إليهم بصنوف النعم، ويسع كل شيء رحمة وعلما، وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلا، فوسعت رحمته كل شيء ووسعت نعمته كل حي، فبلغت رحمته حيث بلغ علمه، فاستوى على عرشه برحمته، وخلق خلقه برحمته، وأنزل كتبه برحمته، وأرسل رسله برحمته، وشرع شرائعه برحمته، وخلق الجنة برحمته، والنار أيضًا برحمته؛ فإنها سوطه الذي يسوق بها عباده المؤمنين إلى جنته، ويطهر بها أدران الموحدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته.
*الوقفة الرابعة عشرة: القراءة بعد الفاتحة: اعلموا أحبتي في الله- أن أفضل أذكار الصلاة ذكر القيام، وهو قراءة القرآن، كما أن أحسن هيئات المصلي هيئة القيام. ثبت عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المئة آية، سورة المؤمنون، سورة ق، سورة الطور، وكان من هديه –صلى الله عليه وسلم- إطالة الصبح أكثر من غيرها، وذلك لأن قرآن الفجر كان مشهودًا، يشهده الله تعالى وملائكته. الظهر والعصر: سورة الصافات، سورة السجدة، سورة الليل، سورة الأعلى، سورة البروج، سورة الطارق، سورة لقمان، سورة الذاريات، وكان يقرأ قدر سورة السجدة نحو 30 آية. المغرب: سورة الأعراف، سورة الدخان، سورة الطور، سورة ق، سورة المرسلات. العشاء: أوساط المفصل كسورة الليل، سورة التين والزيتون، سورة الانشقاق، سورة الشمس، ونحوها. ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بأعمالهم وصلاتهم تعرضها على الرب –جل جلاله- بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم، لاهتموا بتحسينها وتزيينها وفعلوا أفضل ما يمكن فيها.
*الوقفة الخامسة عشرة: الركوع: أدعية الركوع: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" و "سبحان ذي الجبروت والملكوت ولكبرياء والعظمة" كان الرسول –صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"
*الوقفة السادسة عشرة: الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمد، ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا، طيبًا، مباركًا فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وفي رواية زيادة: اللهم اغسلني بالماء والثلج والبرد. يطيل هذا الركن أكثر من الركوع والسجود ويكرر قول: ربنا ولك الحمد...
*الوقفة السابعة عشرة: السجود: فاستحضر وأنت تقول: (سبحان ربي الأعلى) علو الله جل وعلا وظهور أسمائه وصفاته كما تستحضر وأنت تقول: (سبحان ربي العظيم) قربه سبحانه من عباده ودنوه منهم وإحاطته بهم، مع علوه سبحانه وتعالى فوق كل شيء واستوائه على عرشه، فيشعر القلب عندها بعظمة هذا الرب الذي نسجد له، ونعظمه، وكمال صفاته. من أدعية السجود: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره". "اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت" "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" نسأله سبحانه أن يملأ قلوبنا معرفة به، وفهمًا لأسمائه وصفاته، وتدبرًا لمعاني جلاله وكماله. وإيمانًا يقربنا إليه سبحانه ويكون سبب نجاتنا يوم لقائه إنه سميع مجيب.
*الوقفة الثامنة عشرة: الجلوس بين السجدتين: يقول كما صح عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- : "رب اغفر لي .. رب اغفر لي ... رب اغفر لي" وفي رواية صحيحة زيادة : "اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وعافني واهدني وارزقني" وهذه الدعوات تضمنت جلب خيرات الدنيا والآخرة، فبالرحمة تحصل الخيرات، وبالمغفرة تبعد الشرور، والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق إعطاء ما به قوام البدن من الطعام والشراب، وما به قوام الروح والقلب من العلم والإيمان وهذه الخمس هي جماع الدنيا والآخرة؛ فإن الرزق يجلب له مصالح دنياه والعافية تدفع مضارها، والهداية تجلب له مصالح أخراه، والمغفرة تدفع عنه مضارها، والرحمة تجمع ذلك كله.
*الوقفة التاسعة عشرة: الجلوس للتشهد: سبق معنا –أحبتي في الله- في معاني الصلاة العظيمة التي شرعها لنا ربنا جل وعلا لنتقرب بها إليه ونزداد خضوعًا بين يديه، كيف أن العبد إذا انتصب قائمًا في الصلاة شاهدًا بقلبه قيمومية الله تعالى، وتذكر قيامه بين يديه، فإذا قال (الله أكبر) شاهد كبرياءه وعظمته، فإذا استفتح شاهد كماله وسلامته من كل عيب ونقص ورأى بالمقابل عيوبه ونقائصه، ومعاصيه فسأل الله تعالى أن يبعدها عنه ويغفرها له، فإذا استعاذ آوى إلى ركنه الشديد واعتصم بحوله وقوته من عدوه، فإذا قرأ الفاتحة رأى فيها من عجائب الأسماء والصفات والأفعال ما يزيد في معرفته بالله والثناء عليه وحمده وتمجيده.. من معاني السلام: كان الله سبحانه هو السلام السالم من كل عيب ونقص، المسلم لعباده من العيوب والنقائص والآفات، شرع لنا أن نطلب منه السلام لخاصة عباده الذين ارتضاهم لنفسه واختصهم بعبوديته خاصة في موقف الصلاة والحضور بين يديه، وشرع لنا أن نبدأ بأكرم عباده وأحبهم إليه وأقربهم منه منزلة، فنسلم على رسوله -عليه الصلاة والسلام-، ثم نعمم السلام على جميع المؤمنين الصالحين كما قال –صلى الله عليه وسلم- "فإذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أصابت كل عبد صالح في السماوات والأرض". وهو في الصحيحين وغيرهما.
*الوقفة العشرون: الدعاء قبل السلام: عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ من أربع: من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" والمأثم والمغرم من الأدعية المأثورة قبل التسليم من الصلاة دعاء علمه الرسول –صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر يدعو به في صلاته، "قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" وما رواه مسلم وغيره عن علي –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان يقول من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت" وما رواه أحمد وأبو داوود والنسائي بإسناد حسن أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- سمع رجلا يقول في تشهده: "اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم. فقال –صلى الله عليه وسلم- قد غفر له، قد غفر له"
*الوقفة الحادية والعشرون: التسليم: من معاني التسليم وحكمته: كان الدعاء بالسلامة عند الخروج من الصلاة والانصراف من بين يدي الله تعالى مناسبا أعظم المناسبة، وذلك أن المصلي ما دام في صلاته بين يدي ربه فهو في حماه الذي لا يستطيع أحد أن يخْفَرُه ويتعدى عليه، بل هو في حمى من الآفات والشرور، فإذا انصرف من بين يديه تبارك وتعالى ابتدرته الآفات والبلايا والمجن له من كل جانب، وجاء الشيطان بمصائده وجنده، فالعبد أحوج ما يحتاج أن ينصرف مصحوبًا بالسلامة من الله فلا يزال عليه من الله حافظ إلى وقت الصلاة الأخرى، فكان من تمام النعمة وكمال الشرع أن يكون انصرافه من بين يدي ربه بسلام يستصحبه ويدوم له ويبقى معه، وكان من تمام الاحسان إلى المؤمنين أن يدعو لهم بهذه السلامة ليشعر برابطة الإيمان التي تربطه بهم. نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بفهم أسمائه وأسرار أحكامه وحِكَمه وأن يجعل ذلك حياة لقلوبنا، ولذة لنفوسنا، وراحة لأبداننا وسبيلًا لدخول الجنان، حيث نتمتع بلذة النظر إلى وجهه الكريم في أعظم نعيم مع خير العالمين إنه سميع مجيب، والحمدلله رب العالمين. ولابن القيم قال –رحمه الله-: وسر الصلاة ولبها هو إقبال العبد على الله بكليته، فكما أنه لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربه إلى غيره، فالكعبة التي هي بيت الله قِبلة وجهه ويديه، ورب البيت تبارك وتعالى هو قِبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرض أعرض الله عنه، وكما تدين تدان، وللإقبال في الصلاة ثلاث منازل: إقبال على قلبه فيحفظه من الشهوات والوساوس والخطرات المبطلة لثواب صلاته، أو المنقصة له، وإقبال على الله بمراقبته حتى كأنه يراه، وإقبال على معاني كلامه وتفاصيل عبودية الصلاة ليعطيها حقها من الخشوع والطمائنينة وغير ذلك، فاستكمال هذه المراتب الثلاث تكون إقامة الصلاة حقًا، ويكون إقبال الله على عبده بحسب ذلك. كما شرع له هذا الاستغفار بعد الحج: بقوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}
*الوقفة الثانية والعشرون: الذكر بعد الصلاة: فأول ما يبدأ به الاستغفار ثلاثًا بقوله: (أستغفر الله) والاستغفار هو طلب المغفرة. والمغفرة هي ستر الذنب والحماية منه. "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام" ويقول ما علّمه النبي –صلى الله عليه وسلم-: لمعاذ -رضي الله عنه- "أن يقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" شرع للمصلي أن يختم بالمئة بعد سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر بـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقد جاء في فضل الباقيات الصالحات أنه يُغفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر وجاء أيضًا أن من قالها أدرك من سبقه بالجهاد والصدقات وجاء بأفضل ما يمكن. آية الكرسي والمعوذتين. قال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}