سامح خضر، بين عشرين قوسًا، عشرة من كل طرف: (المفاجأة)..
منذ أن تلقيت خبر إصداره لرواية وحتى ما بعد الانتهاء منها وحاجبي الأيمن يشدّ على عيني تاركًا الأيسر مرفوعًا مقتربًا من شعري، وما زلت متعجبًا منه، كيف له أن يكتب لأول مرة مثل هذه الرواية! يبدو أنه يمارس عادته "الكتابيّة" على غفلة من كل المتجمهرين حوله، كَتَب فأحسنَ، وصَف فأتقنَ، ضرب فأشجنَ، بسَم فأسكنَ.
رواية #يعدو_بساق_واحدة لـ #سامح_خضر، والبداية من العنوان الغريب، فالعدو هو الركض والسير بخطوات متباعدة كغزال يقفز قفزات متتابعة، ثم (ساق واحدة) تجعل من هذا العدو أشبه بأضحوكة سرعان ما يقف الناظر مشفقًا على ما يرى أمامه، فيتألم ويوبّخ نفسه على ما بدر منه.
شاب فلسطيني ترعرع في مصر وعاد بعد اتفاقية أوسلو إلى غزة، فيكتشف أن الوطن ضيّق لأن المكان لم يتسع لما حلم به قبل العودة، من وطن كبير يختزل في أقل من مخيم، وفلسطين المتخيلة ليست ما حصل عليه. ثم تبدأ فكرة الهجرة والخروج من هذه القوقعة للسعي وراء الحلم الذي انكسر وتبعثر في ما سمّي "وطنًا" فهل تكون البلدان غريبة الجنسية وطنًا، ونكون أغرابًا في أوطاننا؟ ولكن المفارق في الحياة كثيرة، ولن أكشفَ عن اللوحات المعدنية التي ثبتت عكسًا على المفارق تاركًا لكم المجال لتكتشفوا ما خبئ بالمقلوب.
مع أول فقرة في الرواية يظهر الأسلوب الصحفي أو الإذاعي، والمفارقة أن النهاية انطبقت على البداية كما تنطبق أصابع اليدين على بعضهما.
سامح خضر دخل البيوت الفلسطينية دون أن يطرق أبوابها، وربما قفز من النافذة وتربّع وأكل ونام وأصغى جيدًا لأحاديث الجدران. وخرج إلى الشوارع بدون قناعٍ، فحكت له الأرصفة دون أن يسأل. فمثًلا، كيف للجار أن يذلل العقبات لجاره إن كان الأخير حسن السمعة وكيف له أن يعزله إن كان عكس ذلك. وكيف يتشابه الناس فتتكون فيما بينهم روابط المجموعات. وعندما تهتمّ الخادمة بابن سيّدها فيحبها أكثر مع أن أمه على قيد الحياة، وطنان أحدهما يحضن والآخر يمدّ يده للصفع، مع الترتيب.
وبعدها يبدأ بإضرام النار على المكشوف، وله القول - في فلسطين لا تستخدم نفس الضمير، فأنتم ونحن ضميران منزوعا الضمير حاضرين على الألسنة بكثرة، وعلى إثر هذا الأمر يمنع المجتمع تكوّن العلاقات بحكم الصفات من مدني لفلاح للاجئ.
في معظم الأحيان يواسي المرؤ أخاه ونفسه قائلًا إن المسألة مسألة وقت، فتطول ويمر الزمن ويدور فيستيقظ الجرح النائم على صوت ليس بغريب عنه، هو صدى تأجل أعوامًا وقدم الآن بساق واحدة.
المرأة حاضرة في الرواية على شكل أخت وأم وصديقة وحبيبة، ولكن لم تقف عقبة أبدًا كما توقعت في أحد المواضع في وجه قاسم، بل كنّ شمعات في الظلام يمهدن الطريق بالدعوات والاهتمام والحب.
هناك وقفتان صغيرتان مع رواية الجهل لميلان كونديرا ورواية فئران أمي حصة لسعود السنعوسي.
في الجهل، تعود الشخصيات إلى الوطن الذي عاشت فيه ذكرياتها الأولى ثم هجرت منه، هذه العودة لم تحيِ المدفون، فبقي ميتًا فانتهت الرحلة القصيرة بالرجوع إلى الوطن الجديد وتفضيه عن مسقط الرأس. أما في يعدو بساق واحدة، فالوطن وطن وإن جار الزمان.
في فئران أمي حصة ويعدو بساق واحدة تشابه لطيف بحكم تداخل فترة زمنية بين هذه وتلك، وهو (روايات إحسان عبدالقدوس).
رواية سرديّة شيّقة، أنصح بها وآمل أن تنال ما تستجقه.