لم يعرف علم من العلوم الدينية في الثقافة الإسلامية تقلبًا واختلافًا قدر ما عرف علم الكلام. فقد مرّ بأطوار مختلفة أدّت إلى تغيير كبير في لغته ومناهجه ومباحثه. ووقفت منه الدولة مواقف متناقضة، فدعمته حينًا وحمّت أهله وروجت أفكارهم، وناهضته أحيانًا أخرى وحاصرت أهله وحظرت عليهم التدريس ومنعت كتبهم من التداول. واختلف علماء الدين في شأنه، فمنهم من حرّمه وأدان المشتغلين به ومنهم من أقرّ بضرورته وأثبتّ شرعيّته.
حسنًا هذا الكتاب مختلف نوعًا عن باقي الكُتب الأخرى التي سبق وقرأتها في علم الكلام الكتاب- كعادة غيره من الكتب – يقوم بعرض تأريخي لعلم الكلام من حيث أسباب ظهوره، ومراحله، والفرق المختلفة وأفكار كل فرقة منها وتاريخها الخاص. لكن ما يميز هذا الكتاب هو طابعه التحليلي، فلا يتوقف عند مجرد سرد الأحداث والأفكار بل يناقشها ويستنبط ما يميزها كما يُضيف على ذلك تحليل ل"منهج" علم الكلام الذي اعتمد عليه المتكلمين في مختلف مراحله وبالتالي العثور على الثغرات والإشكاليات المنهجية التي أدت في النهاية إلى اختفاء علم الكلام نهائيًا رغم أنه لا يقلّ أهمية عن غيره من العلوم الإسلامية الأخرى كالفقه والحديث... إلخ وهذه رؤية جديدة لأسباب تدهور علم الكلام، بخلاف ما نعرفه من نهاية علم الكلام بعد المحنة والصراع بين المعتزلة والحنابلة. وأعتقد أن كلاهما- المحنة والعيوب المنهجية –كانا معًا يشكلان أهم أسباب التدهور!
المنهج
أحد عيوبه
الكتاب الثالث ليّ مع هذه السلسلة سلسلة عبقرية، خارجة عن المألوف، وبها حس نقدي صارم وطرح قوي لموضوعات أقوى جارِ استكمالها...
يعيب الكتاب التكرار، فكان من الممكن عرض نفس القدر من المعلومات في أقل من نصف عدد الصفحات. تذبذب الكتاب ما بين عرض أفكار المتكلمين والتأريخ لهم وهو أمر أدى لتشتت القارىء وعدم قدرته على الاستفادة من المحتوى الذي تضمن بعض التحليلات الذكية.