الحقيقة عندما تقرأ في التاريخ الأوروبي الحديث أو عصر النهضة، يكون من الصعب أن تحدد تاريخًا بذاته فاصلًا بين العصرين الوسيط والحديث كما يقول " هربرت فيشر " ؛ لأنه تم بالتدريج كما أنه لم يكن على وتيرة واحدة في كافة المدن الأوروبية .
هذا الكتاب للدكتور " محمد مخزوم " جيد كمدخل لعصر النهضة ، و الجيد هنا هو عدم وقوع الدكتور في فخ " المركزية الأوروبية " التي روّج لها ماركس وماكس فيبر ، ولذلك هو لا يغفل عن حقيقة استمداد أوروبا للثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات المشرقية في بناء نهضتها .
برأيي أن أهمية الحديث عن " عصر النهضة " هو أنه أقرب العصور الأوروبية للوضع الحالي ، بمعنى آخر أن الواقع الحالي هو نتاج أكثر تطورًا لعصر النهضة ، فكما سيتضح لك من خلال هذا الكتاب المهم أنه العصر الذي بدأ فيه الأوروبيون يفكرون باعتبارهم أممًا قومية ، ويقدمون للدولة القومية الولاء الذي كانوا يقدمونه من قبل للكنيسة ، او على حد قول " كارل شميت " أن الدولة القومية أصبحت مكان الإله .
يُلقي الكتاب الضوء على حركة الإصلاح الديني في أوروبا ، حيث اندلعت شرارة الإصلاح البروتستانتي ، وهو الذي قطّّع أوصال أوروبا المسيحية ، في الوقت الذي كانت فيه قوة العثمانيين تزداد تألقًا ، ولكن الغريب أن " مارتن لوثر " الثائر على الكاثوليكية- بكل خزعبلاتها -وسلطة البابا ، ينحاز إلى الأمراء على حساب الفلاحين والبسطاء ، بل هو تميّز في ذلك ببراجماتية قبيحة ، فعندما ثار الفلاحون على النبلاء الكاثوليك أعداء لوثر ، وقف معهم لوثر وقال الذين ثاروا ليس الفلاحون بل الرب نفسه ، لكن عندما ثار هؤلاء الفلاحون على نبلاء الأمة الألمانية الذين شكّلوا للوثر الحماية ، هنا نقم على الفلاحين وحرّض النبلاء على قتلهم وذبحهم وطعنهم ووصفهم ب " الكلب المسعور " الذي يجب قتله .
هذا الوضع الجديد الذي أحدثته البروتستانتية قاد إلى حروب الثلاثين عامًا ١٦١٨- ١٦٤٨ بين الدول الأوروبية ، ويؤكد المؤلف أنه رغم أن هذه الحروب اتخذت شكل الصراع الديني إلا أن للعوامل الاقتصادية والسياسية أثر في قيامها ، لتنتهي بسلام " وستفاليا" الذي أنهى عصور الإصلاح الديني .
رسم هذا الصلح الحدود بين الدول البروتستانتية والكاثوليكية [ بقي هذا الوضع قائمًا للآن] ، وقد كان أثر هذا الصلح وخيمًا على ألمانيا التي فقدت العديد من الولايات ، وإذا كان هذا الصلح أنهى الحرب بين فرنسا وألمانيا ، فإنه لم ينه الحرب بين فرنسا وأسبانيا التي استمرت أحد عشر عامًا بعد ذلك .
ينتقل الكتاب في الختام لمناقشة تطور الفكر السياسي في أوروبا ، بداية من ميكافيللي الذي فصل بين السياسة والأخلاق [ يقول المؤلف أن رؤياه هي تصوير للوضع في إيطاليا في أوائل القرن السادس عشر ] إلى هوبز الذي تعتبر فلسفته محاولة ارستقراطية لدعم الملكية الإنجليزية ، ثم ينتقل إلى مرحلة سمّاها " الحكم السياسي في خدمة الفرد " ويبدأ ب " لوك" الذي قامت فلسفته على وجوب احترام الدولة للحرية الفردية ، إلى " مونتيسكيو" الذي نصّ على مبدأ فصل السلطات ، إلى " روسو" وكتابه العقد الاجتماعي وقد نص أن السيادة سيادة الشعب .
الكتاب بالنهاية عرض جيد لعصر النهضة ، وقد ذيّله المؤلف بالخرائط المختلفة لسهولة تصور القاريء لأماكن وقوع الأحداث ، الكتاب الطبعة الأولى ١٩٨٣م عن دار الكتاب اللبناني.