“مسلمون ولكن” مخاض ثم ولادة؛ فالكتابة فعلاً أشبه بعملية تلاقح بين الفكر والوجدان، تظل في الرحم فترة تكوينها، يتصاعد الألم ومنه أعلم أن الفكرة في طور النضوج إلى أن تأتي لحظة الطلق فتجد الفكرة تنساب على الورق رغمًا عنك. تدور فكرة كتاب: “مسلمون ولكن” حول رصد التصورات الهجينة في المجتمع المسلم والتى تتجلى في أفعال وسلوكيات تكاد تكون تطبيقًا لبعض الفلسفات الغربية الإلحادية مثل الماركسية والوجودية أو عقائد مغايرة للإسلام كالمسيحية واليهودية. وللكتاب قصة ذاتية. ففي فترة أحاطت بي الشكوك حول كيفية معرفة الطريق المؤدي إلى الله، فكل فرقة تزعم أنها الحق، فلماذا إذن الإسلام هو الدين الحق؟ وما هي الخصائص التي تميز هذا الدين عن غيره؟ وبعد طول تفكير وتأمل وقراءة ومخاض ومعاناة، هداني الله إلى ملامح الطريق. وكان من بين ما قرأت الكثير والكثير عن الفلسفات الغربية كالماركسية والوجودية والشيوعية والحداثة وما بعد الحداثة والعقائد كالمسيحية واليهودية. ومما يثير أني وجدت للأسف أن كثير من مسلمي اليوم يطبقون في حياتهم تصورات تتجلى في سلوكياتهم مما قرأت من فلسفات لم تعترف بالله كإله وإن أقرت وجوده، فلم تقدره حق قدره. فمن أراد أن يفهم الواقع المسلم المعاصر يجده في الفلسفات الغربية الإلحادية، لا في الكتب الشارحة للإسلام، وكأن فقه هذا اليوم مستنبط لا مما قال أئمتنا كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل بل مما شرعه ماركس وجان بول سارتر ونتشه وغيرهم. وما إن شرعت القراءة في الدين الإسلامي، صدمت في أن تصورات هذا الدين لا تُعاش إلا في ذوات قلة من الناس، لا يمثلون إلا شذرات متناثرة وسط سيل عرم من عوام تتلبس لديهم تصورات مغايرة بالكلية للتصور الإسلامي. وكانت النتيجة المبكية أن واقع الإسلام في عصرنا أضحى كالعباءة التي يختبئ داخلها ما ليس منها. أما كيف تم هذا؟ فلهذا قصة أخرى؛ فليس موضوع الكتاب السرد التاريخي لما تم من إجهاز على فاعلية الإسلام في حياة المسلم.
يقول كمال سليم في مقدمته للكتاب أنه في إحدى اللحظات الصادقة مع نفسه وجد فطرته تقول له: لماذا لا تبحث عن إجابات بنفسك؟ لماذا تنتظر الإجابات الجاهزة؟ قد تكون الإجابة في رحلة البحث لا في الإجابة ذاتها، ومن ثم فما لبث إلا أن بدأ في قراءة كل شيء تقع عليه يده من روايات وكتب في علم النفس والدين والفلسفة، ولم يكن له منهج واضح أو خطة يسير عليها في القراءة ولكنه كان يقرأ بنهم شديد. وفي هذه الرحلة وجد العجب العجاب، فقد فُتحَت له آفاقًا جديدة في الحياة، وما حدث له كان مثلما يحدث لأرضٍ جدباء اشتاقت أن يلامس الماء الجاري سطحها كما قال هو، وفي هذا الكتاب ينقل الكاتب كمال سليم للقرّاء تجربته في البحث والتفكير والتأمل والقراءة بعد أن أخذ على عاتقه كل هذه الأعباء، وأراد أن يكون هذا الكتاب أحد سُبُل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى في زمن كَثُرَت فيه السبل ولكن طُمِسَت فيه أدوات معرفة الرشد من الغي، وأن يكون أيضًا أحد سُبُل معرفة الدين في زمان أضحت فيه قضية الدين لا قضية ثانوية كما يُقال ولكنه أصبح غلافًا تُزين به الأهواء والفلسفيات المعاصرة المادية العدمية سواءً وعى الإنسان أم لم يعِ.
هذا الكتاب يُعتبر بالنسبة لي -وأثق تمامًا أنه سيكون كذلك لكل من يقرأه-نموذجًا للإصلاح الفكري للجيل الحالي من فلسفيات مادية عدمية ولكنها ارتدت رداء الدين بشكل غير مُتَعَمَّد، ويعتبر أيضًا هدفًا ساميًا لكل قارئ نَهِم يبحث عن المعرفة الصحيحة؛ فمن النادر جدًا أن يجد القارئ كتابًا دينيًا معاصرًا مكتوبًا بأسلوب بسيط وسهل يسع لأي شخص يقرأه فهمه، مع أن القارئ يجد في هذا الكتاب العديد من وجهات النظر النفسية والعلمية والفلسفية مثل نظرية إسحاق نيوتن (السببية الآلية) وفلسفة فريدريك نيتشه (السوبرمان) وفلسفة ألبرت أينشتاين (النسبية المطلقة) إلى جانب وجهات النظر والحقائق الدينية، ويتضمن إضافة إلى كل ذلك تحليلًا واقعيًا منطقيًا لما يحدث حولنا من انتشار الزيف الفكري والفلسفي المغلف بغلاف الإسلام، عابرًا بكل تفصيل فيه فيأخذ منه العظات والعبر، ويجرده من مظاهره السيئة القبيحة، وينزع عنه الغلاف الساتر له تاركًا الحقيقة وحدها لا غير ليراها القارئ بوضوح، كما ينزع عن القارئ بعض الفِكْر المنتشر في المجتمع المصري كآفات اللسان التي يقولها هذا الشعب يوميًا ظانًّا أنه كلام عادي بدون أن يعرف مصدر هذا الكلام والفِكْر، وأنه قد يكون هناك بعض الآفات المَقولة ليس فقط تُناقض الدين الإسلامي ولكنها تناقض الأديان والفِكْر الصحيح بشكل عام.
يرصد الكتاب ويحلل بتفصيل وبمنطق يقبله كل عقل في هذا الكتاب بعض الأفكار الفلسفية والدينية الغربية وكيفية انعكاسها على تصورات المسلمين ومعتقدهم وسلوكهم كما قلت، ويأخذ منحنً تحليلًا لذلك مستعينًا بمواقف مستمدة من الحياة اليومية والخبرة الواقعية الذاتية للكاتب وتجربته الـمُعاشة، وقد تكون تجربته الشخصية أو تجربة منقولة عمن يثق في روايته، ويذكر الكاتب كل هذا في اثني عشر فصلًا في الكتاب هي: (تجزئة الحق، التربية بالقهر، أصنام المجردات، إماتة اللغة، السوبرمان، السببية الآلية، النسبية المطلقة، المادية في ثوب الإسلام، حُمِّلوا ولم يَحْمِلوا، الإسلام بطعم المسيحية، الوجودية، فلسفة الحداثة)، وإليكم إيجاز لبعض الفصول من الكتاب سيجعلكم تدركون ما أقصد: في الفصل الأول (تجزئة الحق): يقصد الكاتب أَخْذ بعض تعاليم الدين وتنفيذها والبعض الآخر لا أو إظهار بعض الأفكار وطمس الأفكار الأخرى، واقتطاع التعاليم وتطبيقها منفصلة عن المنهج الكامل ووسطيته، فيتحدث الكاتب عن هذا الأمر بتفصيل شديد ويتطرق إلى سلبياته وقد أجاد نقضه وهدمه بدليل أن الدين الإسلامي دينًا يجمع بين الأضداد ولكنه يُكَوِّن الصورة الصحيحة بهذا الجمع فمثلًا يقول المسلمون: "لا إله إلا الله" فالجزء الأول الذي هو "لا إله" ينفي وجود الخالق والجزء الثاني "إلا الله" يحتم على المسلمين الإيمان بوجود الخالق، فيجمع الإسلام بين النقيضين ليشكل الصورة الكاملة وهي: "لا إله إلا الله" فلا إله في هذا العالم كله فعلًا إلا الله، فلا يجب على المسلمين اقتطاع جزء من العقيدة بل يجب الإيمان بها ككل وليس جزء والآخر لا، ويبدأ الكاتب من هنا بعرض بعض التصرفات التي تدل على اقتطاع أجزاء من الدين الإسلامي وكيفية ظهورها في المجتمع، ويتطرق الكاتب إلى بعض المصطلحات السياسية مثل: الليبرالية والشيوعية والفكر اليساري وينفي العقيدة عند بعض المسلمين الذين يقولون: "أنا مسلم يساري أو مسلم ليبرالي أو مسلم يساري" وينقض تلك الأقوال فِكريًا ومنطقيًا ودينيًا ويدعم أقواله بالبراهين والأدلة. وفي الفصل الرابع (إماتة اللغة): يتحدث الكاتب عن بعض الوسائل التي تم تطبيقها تدريجيًا لقتل اللغة العربية مثل ظاهرة "الفرانكو عربي" فهذه الظاهرة تنتهك اللغة العربية انتهاكًا صارخًا ويقول الكاتب أن هذه الظاهرة تعد تطبيقًا لفلسفة نيتشه الذي يزعم أن الكون سائر إلى العدم، وأن الحياة خالية من المعنى ومن ثم فاللغة خالية من المعنى لأنها لا تعدو كونها مجرد إشارات، ويقول الكاتب أن هذا التطبيق لن يقوم فقط بانتهاك اللغة ولكنه سيكسر الجسر الذي يربط الأجيال، وسيحول بين معرفة التراث الضخم من علوم الثقافة العربية سواءً كانت إسلامية أو غيرها؛ لأن اللغة العربية هي الوعاء الذي حمل كل هذا التراث الفكري والعلمي الضخم مما سيدفع الأمة بعد ذلك إلى تسول الأفكار والعلوم من الأمم الأخرى مثلما يحدث الآن وبالتالي ينتج عنه ما يحدث حاليًا للأسف من تغيير جذري لحال العرب من مبدعين ومبتكرين وكتّاب فلاسفة وعلماء إلى مجرد مقلدين يسيرون وراء الفكر الغربي بلا حتى أي إدراك لما يفعلون.
وأورد الكاتب في الفصلين الأخيرين من الكتاب ملامح التصور الإسلامي للقضايا التي طرحها في الفصول السابقة، وقام بوضع الحلول للإشكالات التي أفرزها هذا النمط من التأثر بالآخر تأثرًا سلبيًا على النحو الذي استعرضه، وقام بختم كل فصل بعبارة "نحن مسلمون ولكن" ملخِّصًا بعد ذلك الاستدراك خطأ التصور والسلوك الذي عليه المسلمون بسبب تأثرهم بالفكرة الغربية في موضوع كل فصل؛ مما ينفي ما قد يتبادر إلى ذهن البعض من أن الكاتب يكفر المجتمع المسلم أو يصفه بالخروج عن دائرة الإسلام كما يفعل الكثير من الشيوخ الجاهلون الآن، ولكن الكاتب يُلمح في هذا الاستدراك شفقة الناصح وحدب الراغب في صلاح مجتمعه وأمته.
وتظهر دقة الكاتب في التفرقة بين بعض المصطلحات وانعكاسها على الفِكْر مثل الفرق بين التسوية والمساواة والفرق بين السعي والحركة فمثلًا في سياق الحديث عن السببية الآلية (الفصل السادس) والسببية الآلية هي القوانين التي صاغها نيوتن للحركة التي أعادت صياغة تصورات المجتمع الأوروبي في مطلع القرن الثامن عشر ورؤيته للخالق والكون والإنسان، فــ (السعي): "حركة واعية متصلة بمراد الله من خلقه" وليست (حركة): "نابعة من الأهواء والرغبات الذاتية"؛ فالتعبير الأول وهو السعي منطلق من تصور أن الله خلق الكون ويدبره ويحفظه، وأن النفخة الإلهية التي في الإنسان تجعله خارج قوانين المادة الصارمة التي تسري على ما هو جسد وحسب، والسعي تعريف نابع من الفلسفة والفِكْر الإسلامي، أما التعريف الثاني وهو الحركة كما في فلسفة نيوتن ( السببية الآلية) تؤمن بأن الله خلق هذا الكون المحكم ثم تركه يعمل بقوانين السببية الصارمة التي أودعها فيه دون أن يحتاج إلى الإله بعد ذلك، بل وأعطاها الإله قوة أكبر من قدرته على أن يتدخل في هذا الكون مرة أخرى، ويذكر مثالًا يُشَبِّه فيه الله كمخترع الساعة -حاشاه-الذي يصنع الساعة ويضبطها على الوقت ولا يستطيع بعد ذلك أن يغير الوقت حتى وإن كان هو مخترع الساعة، وطبعًا تبعًا لذلك فهذه النظرية تنفي ضرورة إرسال الرسل والتوجه إلى الله بالعبادة والطاعة.
ومن خلال عرضي لهذه الأمثلة وهذه المراجعة رغم طولها إلا أنني أوجزت فيها قَدْرَ ما استطعت لأقدم للقراء تسهيلًا بسيطًا لكتاب يساعد في تكوين هذه الآلية من آليات التفكير لدى الشباب المسلم، وهي الربط بين السلوك المُشَاهَد في المجتمع والفكرة الغربية التي كانت انعكاسًا لها بشكل مباشر أو غير مباشر مما يشكل جزءًا من الوعي المطلوب واللازم لجيل الشباب الحالي ليس لتجنب الوقوع في دائرة التأثير الغربي فحسب؛ بل لأن هذا التكوين الفكري الصحيح للشباب يعتبر أحد أهم الخطوات للتقدم ولعودة العرب مرة أخرى لأمة مبتكرة لها فكر ينبع من ذاتها ليس مقتبسًا أو مستنبطًا من الفكر الغربي وتعاليمه التي تناقض العقيدة، وإن أردت أن أفي لهذا الكتاب حقه سأضطر إلى كتابة كتاب عن هذا الكتاب ليس مجرد مراجعة وهذا بدون مبالغة وأقسم بذلك، لذلك فعلى كل قارئ قراءة هذا الكتاب العظيم وبالذات المسلمون وهذا أمر وليس طلب، لما عرضت من أسباب وفوائد تعود على قارئ هذا الكتاب، كما أن من يقرأ مراجعاتي عمومًا للكتب والروايات يجد أنني أكتب اقتباسات بعد كل مراجعة إلا أنني إذا أردت أن أكتب اقتباسات من هذا الكتاب فبلا مبالغة سأضطر إلى كتابة ما لا يقل عن ثلاثة أرباعه، ولذلك وبلا شك أو تفكير كثير حول هذا الكتاب الرائع التقييم: 10 من 10.
تدور فكرة كتاب: “مسلمون ولكن” حول رصد التصورات الهجينة في المجتمع المسلم والتى تتجلى في أفعال وسلوكيات تكاد تكون تطبيقًا لبعض الفلسفات الغربية الإلحادية مثل الماركسية والوجودية أو عقائد مغايرة للإسلام كالمسيحية واليهودية.