من خلال قصة حب شغيف، بين جمال الشاب التركي، وجيفكا الفتاة البلغارية في مدينة إيسكي زاغرا، تسلّط الرّوائية سفيتلانا سافيتسكايا الضوءَ على حياةِ طبقات المجتمع المختلفة، ومعيشتها في البقان، عشية الحرب الروسيّة التركيّة (1877 - 1878) وتُجيد استعمال الوثائق التاريخيّة المنسيّة في بنية النص السردي... كاشفةً المجازر التي ارتكبها العثمانيون هناك ضدَّ شعوب المنطقة. تغوصُ الرواية في المآسي التي جرَّتها الحربُ الروسيّة التركيّة، عبرَ نفحةٍ إنسانيّة فلسفيّة، فالشعب البلغاري الذي عانى الأمرّين، من ظلم العثمانيين، وثار بوجههم، يريدُ حرّيتهُ، تعرَّضَ في سبيل ذلك لأشدّ أنواع الجرائم التي طالت الإنسان والبنيان، لكنّه عادَ بعد طرد المحتل لبناء بلاده وتعمير ما تهدّم، كما جاءَ في أحد أجزاء الرواية بعنوان “إعادة إحياء حديقة الورود”.
«البلقان» لسفيتلانا سافيتسكايا: حين يصبح الأدب حارسًا للذاكرة رواية «البلقان» للكاتبة الروسية سفيتلانا سافيتسكايا نص أدبي مختلف، يحار المرء في تصنيفه بين الرواية والتاريخ والتوثيق، لكن الشيء المؤكد أنني قرأت عملًا أدبيًّا وطنيًّا بامتياز. نحن هنا في بلغاريا سنة ١٨٧٧، حيث تتأهب روسيا لشن حرب على الدولة العثمانية، بهدف تحرير بلغاريا والشعوب السلافية من هيمنة عثمانية امتدت قرابة خمسة قرون. لكن الأحداث لا تتخذ من ساحات المعارك الكبرى مسرحًا لها، بل تتمحور حول قرية بلغارية صغيرة، تصبح حكايتها مرآة لمأساة وطن بأكمله. في الرواية قصة حب بين رجل تركي وامرأة بلغارية، تنتصر على الحرب وما تفرضه من عداوات وانقسامات. غير أن الصور التاريخية التي طُعِّمت بها صفحات الرواية تدفع القارئ إلى الإيمان بحقيقية الأحداث كلها، حتى تلك التي تنتمي إلى فضاء التخييل. أما المقاطع الاستطرادية ذات الطابع التاريخي، فتأتي في نهايات الفصول لتؤكد ما ترويه الصور، وتمنح الحكاية أبعادًا توثيقية تتجاوز حدود السرد الروائي التقليدي. لكن ما الحدث الذي تتمحور حوله الرواية؟ في بداية الحرب، وفي القرية التي تشكّل المسرح المكاني للأحداث، ذبح العثمانيون أربعة عشر ألف بلغاري خلال يومين، من بينهم ألفان وخمسمائة شخص قُطعت رؤوسهم داخل كنيسة القرية في غضون ساعات قليلة، ثم أُلقيت رؤوسهم في بئر حتى فاضت بالدماء. إنها فظائع يصعب على الخيال استيعابها، لكن الرواية لا تكتفي باستحضار بشاعتها، بل تسعى إلى انتشال ضحاياها من النسيان، وإعادة أسمائهم وحكاياتهم إلى الذاكرة الإنسانية. في ختام الرواية، التي كتبتها سافيتسكايا استجابة لطلب أحد حراس الذاكرة التاريخية البلغارية، أعقبته دعوة لزيارة مسرح الأحداث نحو سنة ٢٠١٢، خصصت الكاتبة أكثر من أربعين صفحة لاستعراض النصب التذكارية التي تخلّد أبطال الجيش الروسي والمقاومين البلغاريين. واللافت هنا ليس الحرص على الدقة والأمانة التاريخيتين فحسب، بل ذلك الوفاء النادر لمن فقدوا حياتهم خلال عامَي الحرب، والإصرار على إبقاء ذكراهم حاضرة بعد مرور أكثر من قرن على رحيلهم. ويجدر بي هنا التوقف عند مفارقة لافتة أشارت إليها الكاتبة؛ ففي الوقت الذي حرص فيه البلغاريون على تخليد أبطال الجيش الروسي الذين أسهموا في تحرير بلادهم، كانت روسيا الستالينية قد محت آثار هؤلاء الأبطال من ذاكرة وطنهم نفسه. تقع الرواية في ٦٤٠ صفحة، وصدرت عن دار سؤال للنشر والتوزيع سنة ٢٠٢٣، بترجمة مشتركة للدكتور ثائر زين الدين والدكتور فريد حاتم الشحف. «البلقان» عمل مهم ومختلف، يمتزج فيه التخييل الروائي بالصور واللوحات والوثائق التاريخية، ليشكّل مرجعًا أدبيًّا وتوثيقيًّا يسعى إلى حماية ما لا ينبغي أن يُنسى. ولعل هذه واحدة من أعظم قدرات الأدب؛ أن يتجاوز حدود الحكاية، وأن يمنح المنسيين حياة أخرى في الذاكرة، حين يخلص للقيمة والمعنى. #محمد_سمير_ندا