يأتي كتاب فؤاد زكريا , كتاب التفكير العلمي لكي يحل الجدل حول ابسط مبادىء التفكير العلمي و بديهياته في العالم العربي وضمن هذا النسق يستعرض الكاتب سمات التفكير العلمي و عقباته والابعاد الاجتماعية للعلم ,ومحطات تطور العلم , موارباً الحديث عن الخرافة والاسطورة و التي عدها من جهة مرحلة من مراحل تطور العلم و من ثم وصمها بأحد اكبر عوائقه في عصرنا الحالي لان تلك المرحلة أخذت تتمدد أفقيا مع خط الزمن , وقد شعرت بأن هذا الكتاب هو حلقة وصل بين الاصدار 20 من السلسلة كتاب التفكير المستقيم والاعوج و الاصدار 235 الانسان الحائر بين العلم والخرافة و بين كتاب الاصدار 5 العلم ومشكلات الانسان المعاصر , فالكتاب يتحدث عن الاسطورة والخرافة - الخنوع للسلطة - انكار قدرة العقل - التعصب - الاعلام المضلل من جهة و عن مشكلة الغذاء والسكان - مشكلة البيئة - مشكلة الموارد الطبيعية - مشكلة الوراثة - مشكلة التسلح من جهة أخرى مما خلق جسراً بين معوقات التفكير و تحدياته , و اضاف الكاتب فصلاً آخر عن العلم والتكنولوجيا و ختم الكتاب بفصل عن سمات العالم مسهباً في سمة نقد السائد و الذات , الكتاب ممتع و يحوي الكثير من الافكار واعجبني كثيراً حديث الكاتب المسهب عن التعصب والعنصرية في العلم و خاصة قوله " التعصب يمثل حاجة لدى الإنسان إلى رأي يحتمي به , ويعفي نفسه من التفكير في ظله. والواقع أن الحماية هنا متبادلة " ختاماً تقيمي للكتاب 3/5
مقتطفات من كتاب التفكير العلمي للكاتب فؤاد زكريا
----------------
التفكير العلمي ذلك النوع من التفكير المنظم , الذي يمكن أن نستخدمه في شئون حياتنا اليومية , أو في النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المعتادة , أو في علاقاتنا مع الناس ومع العالم المحيط بنا. وكل ما يشترط في هذا التفكير هو أن يكون منظما , وأن يبنى على مجموعة من المبادىء التي نطبقها في كل لحظة دون أن نشعر بها شعورا واعيا , مثل مبدأ استحالة تأكيد الشيء ونقيضه في آن واحد , والمبدأ القائل أن لكل حادث سببا , وأن من المحال أن يحدث شيء من لاشيء.
-----------
أننا لا نكف عن الزهو بماضينا العلمي اﻟﻤﺠيد , ولكننا في حاضرنا نقاوم العلم أشد مقاومة. بل أن الأشخاص الذين يحرصون على تأكيد الدور الرائد الذي قام به العلماء المسلمون في العصر الزاهي للحضارة الإسلامية , هم أنفسهم الذين يحاربون التفكير العلمي في أيامنا هذه
------------
أية محاولة لاعتراض طريق. التفكير العلمي , في عصرنا الحاضر , إنما هي معركة خاسرة.
------------
كل تقدم أحرزته البشرية في القرون الأخيرة إنما كان مرتبطا-بطريق مباشر أو غير مباشر-بالعلم
--------------
أننا لا لا نترك أفكارنا- تسير حرة طليقة , وإنما نرتبها بطريقة محددة , وننظمها عن وعي , ونبذل جهدا مقصودا من أجل تحقيق أفضل تخطيط كن للطريقة التي نفكر بها. ولكي نصل إلى هذا التنظيم ينبغي أن نتغلب على كثير من عاداتنا اليومية الشائعة , ويجب أن نتعود إخضاع تفكيرنا لإرادتنا الواعية , وتركيز عقولنا في الموضوع الذي نبحثه , وكلها أمور شاقة تحتاج إلى مران خاص , وتصقلها الممارسة المستمرة.
----------------
هناك أنواعا أربعة من الأسباب:
أ- السبب المادي : كأن نقول عن الخشب الذي يصنع منه السرير انه سبب له.
ب- السبب الصوري : أي أن الهيئة أو الشكل الذي يتخذه السرير , والذي يعطيه إياه صانعه , هو أيضا سبب له.
ج- السبب الفاعل : أي أن صانع السرير , أو النجار , هو سببه.
د- السبب الغائي : أي أن الغاية من السرير , وهي استخدامه في النوم , سبب من أسبابه.
----------------
المعرفة العلمية معرفة شاملة , بمعنى أنها تسرى على جميع أمثلة الظاهرة التي يبحثها العلم , ولا شأن لها بالظواهر في صورتها الفردية
----------------
الاختلاف واضح بين العمل العلمي والعمل الفني أو الشعري. ذلك لان الموضوع الذي يتناوله هذا العمل الأخير هو بطبيعته موضوع فردي , وحتى لو كان يتناول قضية عامة-مثل أزمة الإنسان-فان الفنان أو الشاعر يعالج هذه القضية العامة من خلال شخصية فردية , ومواقف محسوسة وملموسة. ومن ناحية أخرى فان العمل الفني يظل على الدوام مرتبطا بصاحبه , وبالأصل الذي نشأ منه , ارتباطا عضويا , بحيث لا يُفهم أحدهما فهما تاما بدون الآخر. وهكذا يتعرف الخبير في الموسيقى أو الشعر على مؤلف القطعة الموسيقية أو القصيدة الشعرية من خلال إنتاجه ذاته , وكل من العمل وصاحبه يحيلنا على الدوام إلى الآخر. أما العمل العلمي فلا يوجد ارتباط عضوي بينه وبين جميع العوامل والظروف الشخصية المتعلقة بكيفية نشأته والشخص الذي ظهر على يديه
--------------------
الأحلام , في حياة الإنسان , مصدر دائم للخرافة , إذ أن الصور الخيالية , غير المترابطة وغير الواقعية , التي تظهر في الأحلام يمكن أن تختلط بالواقع , وتكتسب في حياة الناس طابعا متجسدا يتخذ شكل الخرافة.
-------------------
شعور الإنسان بالعجز كان يتخذ في العصور القديمة شكل الحجز عن الفهم , والقصور في معرفة العالم المحيط به , ولذا كان يعلل الظواهر التي لا يفهمها تعليلات خرافية. أما في العصر الحديث. بعد أن توصل الإنسان إلى معرفة تتيح له إجابات علمية عن الأسئلة الأساسية التي كان يعجز من قبل عن فهمها , فان المسألة لم تعد تتعلق بالحجز عن الفهم أو المعرفة: بل أصبح العجز يتمثل في عدم القدرة على التحكم الواعي في مسار اﻟﻤﺠتمع , وفي القوى التي تسيطر عليه , أي أنه أصبح عجزا اجتماعيا
----------------------
يميل الناس إلى تصديق ما يرغبون فيه , أو ما يتمنون أن يحدث , وعلى العكس من ذلك فانهم يحاربون بشدة ما يصدم رغباتهم أو يحبط أمانيهم.
---------------------
المتعصب لا يفكر فيما يتعصب له , بل يقبله على ما هو عليه فحسب. وهنا تتمثل خطورة التعصب من حيث هو عقبة في وجه التفكير العلمي. فالتعصب يلغي التفكير الحر والقدرة على التساؤل والنقد , ويشجع قيم الخضوع والطاعة والاندماج , وهي قيم قد تصلح في أي مجال ما عدا مجال الفكر
--------------------
التعصب هو الذي يفرض نفسه على الإنسان , وهو أشبه بالجو الخانق الذي لانملك مع ذلك إلا أن نتنفسه. فالتعصب يكره الآخرين من خلال , أو يقتلهم بواسطتي. وما أنا (أو أي فرد) بالنسبة إلى التعصب سوى أداة يتخذها لتحقيق هدفه المشئوم. ذلك لأنني , حين أقع تحت قبضته , لا أصبح شيئا , ولا أسعى من أجل شيء , إلا لكي ألبي نداءه
--------------------
التعصب يمثل حاجة لدى الإنسان إلى رأي يحتمي به , ويعفي نفسه من التفكير في ظله. والواقع أن الحماية هنا متبادلة: فالرأي الذي نتعصب له يحمينا , لأنه يؤدي إلى نوع من الهدوء أو الاستقرار النفسي , ويضع حدا لتلك المعركة القلقة التي تنشب في نفوسنا حين نستخدم عقولنا بطريقة نقدية. ولكننا من جهة أخرى نضمن الحماية لهذا الرأي ذاته عن طريق رفض كل رأي مخالف و مهاجمته بعنف و السعي الى تصفيته
----------------
عدد العلماء الذين يعيشون الآن يساوى ثلاثة أرباع مجموع العلماء الذين عاشوا على هذه الأرض منذ بدء التاريخ البشرى
-----------------
ليس العلم ظاهرة منعزلة , تنمو بقدرتها الذاتية وتسير بقوة دفعها الخاصة وتخضع لمنطقها الداخلي البحت , بل أن تفاعل العلم مع اﻟﻤﺠتمع حقيقة لا ينكرها أحد
-------------------
وسيأتي اليوم الذي ينظر فيه اﻟﻤﺠتمع البشرى إلى مسألة إنجاب كائن جديد على أنها مسؤولية يجب أن يمارس بحساب , وفي إطار ضوابط وضمانات معينة , لأنها تلقى عبئا على مجتمع كامل , ولأن هذا اﻟﻤﺠتمع سيصبح بالفعل مسئولا عن هذا الكائن تثقيفه وتعليمه ورعايته , ومن ثم فلا بد أن تكون للمجتمع كلمة تقال في هذا الموضوع.
-------------------
أن العلم لا يحمل في ذاته اتجاهات عدوانية , وإذا كان يعادي شيئا فهذا الشيء هو الجهل والشعور بالعجز أمام قوى الطبيعة. ولكن طبيعة البحث العلمي , في عصرنا هذا , قد طرأ عليها من التعقيد ما يجعل العالم مضطرا إلى الإذعان لسلطة أقوى منه. فالأجهزة العلمية أصبحت باهظة التكاليف , وأدوات البحث , من كتب ومراجع , لا بد أن توفرها الدولة , ومن هنا أصبح العالم مجرد ترس في آلة ضخمة هي الدولة , أو هي الشركة الكبيرة إن كان في بلد يسوده النشاط الاقتصادي الخاص. وهكذا أصبحت الاعتبارات السياسية أو الاقتصادية هي التي تتحكم في عمله العلمي , وهي التي ترسم له الخطة , وتحدد الاتجاهات بحثه , وتتخذ القرار النهائي بشأن التصرف فيه.
----------------------
فأهم ما يميز العالم قدرته على أن يختبر الآراء السائدة , سواء على المستوى الشعبي العادي أو في الأوساط العلمية أو كليهما معا , بذهن ناقد , لا ينقاد وراء سلطة القدم أو الانتشار أو الشهرة , ولا يقبل إلا ما يبدو له مقنعا على أسس عقلية وعلمية سليمة
------------------------
العيب الأكبر في الاستغلال التجاري للعلم هو المبدأ نفسه , أعني إخضاع البحث العلمي للاعتبارات التجارية
-----------------------