الرواية الشيقة هذه (سقيفة الصفا) ينقلنا عبرها مؤلفها الأستاذ حمزة محمد بوقري ــ رحمه الله ــ إلى سنين خلت، لنقف على الصورة الاجتماعية في مكة المكرمة، ونعيش معه تفاصيل تلك الحياة، وما كانت تزخر بها من عادات وتقاليد، وأفكار وموروثات، ويعرج بنا على طبيعة الجو العلمي الذي كان سائدا آنذاك، من خلال بطله محيسن، ويجسد لنا المفارقات والتطورات التي طرأت على البيئة المحلية عبر كفاحه. إنها رواية تمثل معلما واضحا من معالم الفن الروائي في هذه البلاد، كما تصور البيئة المحلية تصويرا حيا يذكرنا برواد القصة الطويلة الذين صوروا بيئاتهم المحلية تصويرا دقيقا رائعا. والرواية من ثلاثة وثلاثين فصلا
"الحياة تسير على وتيرة واحدة في العموميات، ولكنها لا تفعل ذلك في التفاصيل... والموت والحياة يتعاقبان.. ولا يعرف أحد أيهما كان الأول أهو الليل أم النهار".
كنت أقرأ في مقاله عن تاريخ الرواية المحلية وبداياتها وما آلت إليه وعن تعمقها في أرشفة التاريخ المكاني والزماني للبلدان والعواصم السعودية من خلال هذا الرابط (https://www.almanwar.com/publications...)، وجاء الذكر على رواية "سقيفة الصفا" بإعتبارها من أوائل الروايات السعودية التي كان فيها الحضور المكاني والزماني واضحاً من خلال أن أحداث الرواية تقع في "مكة"، وتؤرشف من خلال شخوصها لطابع المكان وأهله وعاداتهم وطرق معيشتهم في تلك الحقبة التاريخية، حيث ينقل لنا "حمزة بوقري" شكل المعيشة في شعاب "مكة" في تلك الفترة من خلال سرد أحداث ومجريات الرواية من ذاكرة بطلها "محيسن البلي" الذي يصور لنا تاريخ المنطقة وأناسها في تلك الفترة الزمنية، ويأخذنا في جولة شيقة متنقلاً في مراحل مختلفة من حياته التي تقاطعت مع دهاليز وتعرجات "مكة" وأهلها، فينطلق في حكايته من المرة الأولى التي رأى فيها إنساناً ميتاً وهو "عمه/زوج أمه" وعن تجربة إداركه للموت وحقيقته للمرة الأولى، ومن ثم يخوض في تجارب متعدده بين زملاء الدراسة ونشأته في كنف أمه ومعاشرته "للخاله أسماء" وأهل الحارة وأناسها وغريبي الأطوار من "المعتوهين" وتشيعه للموتى في الحرم المكي وسفره للمدينة وإلتحاقه بحلقات الدرس في المسجد الحرام وإلتحاقه بالتعليم العالي وتجربته في القراءة وتعرفه على عالم الكتاب والكتابة ومغامراته مع "سفيان" وتجاربه التي كان "سفيان" يقوده فيها وتعرفه على "الفرمسوني" ومكتبته و عن تجربة عمله كمدرس بعد تخرجه مباشرة وفي سن صغيرة وعن كل الوجوه والأسماء والأماكن التي عبر من خلالها ليخرج منها بذاكرة متشعبة تؤرخ لتلك المنطقة والحقبة الزمنية آنذاك.
في كل فصل من فصول الرواية يطلعنا "محيسن" على فصل جديد من فصول حياته أو شخصية جديدة تركت أثراً في حياته فينطلق من مراحل مختلفه بين النشأة والنضج والصبا والبلوغ ويخوض في الذكريات التي تتشعب بين ذكرياته مع أمه وأزواجها ومغامرات الصبا في فصول الدراسة وتعرجات الحي وذكرياته داخل أروقة الحرم المكي ورحلته إلى المدينة مع والدته وخالته "أسماء" والجولات البرية التي كان يقوم بها مع "سفيان" بعيداً عن الحي والإكتشافات التي يكتشفها في كل مرة يرافق فيها "سفيان" في مشواراً طويل خارج حدود الحي والخزبعلات والخرافات التي كانت تؤمن بها "الخالة أسماء" وتخط مسار حياتها وتصرفاتها من خلالها وعن الحكايا الموروثة التي هي راسخه في أذهان أهل ذلك الزمان على سبيل المثال لا الحصر حكاية "أهل الفريش" أو"هول الليل" وغيرها من الحكايا والمعتقدات التي تبنى عليها و عن "الدكه" التي تروى عليها قصص "الأسياد" وتعاملهم مع عبيدهم وقصص "العم بشير" وإنتقال "محيسن" للدراسة في المدرسة الفخرية الأهلية والأساتذة الذين كان لهم الفضل في عمل تغيير جذري في حياته وطريقة تفكيره والطلاب من "العمالقة" وتنمرهم على من هم أصغر سناً و"الدهل" الذي كان يحامي ويدافع عنهم وحلقات الدراسة في "باب أم هانئ" و"حاشية الأشموني" وممارسة النشاط الجنائزي في الحرم المكي وتجربته مع "العم عمر/الفرمسوني" وتجارب النضج والبلوغ والزواج ودورة الحياة كاملة حتى اللحظة التي شعر فيها بأنه أصبح كبيراً في السن من خلال تجربته لفقدان والدته ووفاتها.
قرأت هذة الرواية بنسخه إلكترونية رغم عدم تفضيلي للنسخ الإلكترونية من الكتب، حيث بعد البحث عن نسخة ورقية عن طريق الإنترنت والمكتبات وجدت صعوبة في توفرها لذلك شرعت في قرائتها عن طريق تحميل نسخة إلكترونية رغبة مني في الإطلاع على فحوى الرواية وأخذ فكرة عنها ومعرفة إن كانت تستحق المواصلة في البحث عن نسخة ورقية منها ولكنني وجدتني مندمجاً مع أجواء الرواية وبساطة أسلوب "بوقري" ومتشوق للأحداث التي يعلب "محيسن" بطلها ما إن شرعت في القراءة في النسخة الإلكترونية فآثرت أن أكمل القراءة فيها حيث لا مجال للإنتظار لحين الحصول على نسخة ورقية، وخيراً فعلت فقد كانت القراءة في الرواية والتعرف على حكاية "محيسن" ممتعة ومشوقة بغض النظر عن طبيعة النسخة التي كنت أقرأ من خلالها الرواية سواء كانت إلكترونية أم ورقية.
في الفصول الأخيرة من الرواية يجد "محيسن" نفسه وقد كبر وأصبح رجلاً في الثلاثين من عمره ويشعر أن دورة الحياة أخذت مجراها في غمضة عين، فبعد أن كان مدرساً أصبح مديراً لمدرسته، ووجد "جميلة" إبنة "العم عمر" الفتاة التي أغرم بها وأحبها حباً عذرياً وهو يقوم بتقديم دروس خاصة لها وقد نضجت وأصبحت أمرأة بالغة تفوح منها رائحة الأنوثة، كذلك وجد نفسه متورطاً ويائساً حيال مرض أمه المفاجئ والذي عجز عن معرفة سببه فأصبح يأخذ بأقوال نساء الحي حول مسببات المرض حتى قام دكتور مختص بتشخيص حالتها وتشخيص مرضها بكونها مصابه بالسرطان فوقف "محيسن" عاجزاً غير قادر على شيء ساعياً في البحث عن علاج يعيد لها صحتها وقدرتها على مزاولة الحياة من جديد حتى أفضى إليه الدكتور المعالج بأن حالتها ميؤس منها ولا سبيل للعلاج وعليه أن يتهيئ إلى فراقها حتى وجد نفسه يوماً وقد غادرته والدته إلى مثواها الأخير بعد أن تغمدها الله برحمته تاركة له ممارسة الحياة والتقلب في أحوالها لوحده حتى وجد نفسه غارقاً في بحر الفقد وشعر وكأنه تائه في دروب الحياة من دون والدته حتى تلقفه "العم عمر" وأسرته وأنقذوه من الغرق والهلاك في بحر الفقد والأوهام ووضعه تحت رعايتهم وأعادوه إلى مسار الحياة الطبيعي ومنحه بعد ذلك "العم عمر" بركة الزواج من إبنته فدخل "محيسن" فصلاً جديداً من حياته يمارس من خلاله نوعاً من الإستقرار والرضى عن حياته وما صارت عليه وبهذا إنتهت الرواية وحكاية "محيسن" المشوقة والطريفة. بالمجمل كانت القراءة في فصول هذة الرواية مُمتعة بحق فقد شعرت من خلالها بخفة عالية وأنا أتنقل بين فصولها وذكرتني بالروايات الكلاسيكية المحلية التي تبقى معك إلى زمن طويل حتى عقب أن تفرغ من قرائتها بفترة زمنية طويلة.
مكة في أوائل القرن الرابع عشر ترتسم لنا من خلال حياة الراوي محيسن . لا أنكر أني في أول صفحة من الرواية ظننت أني سأعاني من أسلوبها اللغوي لكن أذهلت كيف كان الأسلوب اللغوي مناسب لخلفية بطل الرواية