أي أصوات مقرئي القرآن الكريم، والكتاب ليس سوى مقابلات صحفية مع مَن كان لا يزال حيًا من القرّاء وقتذاك، كأبو العينين شعيشع والشيخ محمد الطبلاوي، ومع أبناء أو أقارب أو أصهار القرّاء الراحلين وهم الأكثرية في هذه المحاورات
اممم، وكنت في فترة سابقة أقلل كثيرًا من قدر القرّاء، وكان ذلك عند قراءة سيرة أحد أعلام المحدّثين القدماء، ففي سيرته ورد أنه أراد الانصراف إلى القرآن والتفرغ لإتقان حفظ القراءات العشر والقراءات الشواذ وسائر علومه الأخرى، فالتقاه أحد شيوخه ونصحه قائلاً أنه يرى فيه همّة عالية تناسب شخصيّة المحدّث من معرفة فائقة برجال الأسانيد وبعلم الجرح والتعديل وإخراج الأحاديث، فكان ما كان من سيرته المشرّفة في علوم الحديث النبوي على أثر هذا التوجيه
وحتى هذا الكتاب عزّز هذا الأمر بشكل ما، فلا أتذكر في هذه الحوارات مجيء أي ناحية بدا فيها جانب فقهي أو فكري أو ثقافي أثناء الحوار، بل كان الحديث الغالب حول تجربة القراءة والأداء وإحياء الليالي، وكيف كان يقضي الشيخ يومه الاعتيادي وما هو نظامه الغذائي وماذا يحب من الطعام؟!، وهذا كان سؤالا مشتركا بينهم جميعًا، وكانت الإجابة عندهم جميعًا – إلا واحد – أنهم يعشقون تناول اللحوم!، كما لم يبد أثر لأي قراءات خارجية مؤثرة، وسئل أحدهم: ماذا تقرأ الآن؟، فقال: ليس عندي وقت لقراءة أي كتاب في أي مجال فأنا متفرغ لقراءة القرآن!، ثم من خلال هذه السفريات المتعددة للخارج للتلاوة وإحياء ليالي رمضان لم أقرأ في هذه الحورات أي خبر عن نشر الإسلام هناك، ولم يخرج الأمر عن السفر والتلاوة في المساجد والمراكز الإسلامية المختلفة هناك، بل أن في حوار ابن المقرئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، قال أنه وبعد رجوعه من أحد أسفاره الأوروبية قرر أن يتعلم اللغة الإنجليزية، فسألوه: لماذا؟، فقال الشيخ: إنني أسافر كثيرًا إلى الدول الأوروبية، وأتعرض إلى مواقف كثيرة أشعر معها بضرورة تجاوبي مع شعوب تلك الدول
أي لغرض التواصل، ثم يكمل الابن حكايته ويقول أن والده مع ذلك لم يحضر سوى ثلاثة حصص أو أربعة فقط من دروس اللغة الإنجليزية، قبل أن ينقطع عنها لانشغاله وكثرة ارتباطاته خارج مصر
ولكن .. " اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"، ففي هذا الكتاب أتت في حوارات العديد من الشيوخ القرّاء: قصة متكررة بينهم على اختلاف نشأتهم، وهي أن أكثرهم تعلموا تلاوة القرآن أول ما تعلموها عن طريق تقليد القرّاء المشهورين من حولهم في ذلك الوقت، وأنهم وجدوا أنفسهم وقد أتقنوا قراءة القرآن والأداءات المختلفة للقراءة بمجرد الاستماع وحده، دون دخولهم أي دراسة منتظمة أو قبل التحاقهم بأي معهد قراءات، ومنهم مَن كان يتسلل إلى أسفل منصّة المقرئ في المناسبات المختلفة في قريته، ويغلبه النوم وهو يستمع إلى المقرئ طوال الليل، ولا يجده أهله إلا عند تفكيك السرداق وإيجاده نائمًا أسفل المنصّة، ومنهم من كان يسير على قدميه 5 كيلومترات للوصول إلى المقهى الوحيد في قريته الذي يملك جهاز راديو يذيع إذاعة القرآن الكريم
وفي هذا الكتاب أيضًا قصص كثيرة عن إعجاب الناس بصوت المقرئ، وازدحام المساجد بعد أوقات الصلوات من أجل الاستماع بصوت المقرئ الجميل، الذي لا ينفّر الناس، ومواظبة الكثير كذلك على الحضور للمسجد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة، للاستماع بتلاوة المقرئ لسورة الكهف، وما يتبعها من أدعية، وتظاهر المعجبين أيضًا أمام دار الإذاعة لاحتجاب صوت المقرئ عنهم لفترة من الوقت، ونجاح تجربة تسجيل المصحف مرتلاً لأول مرة بصوت الشيخ الحصري، والإقبال الكبير غير المتوقع عليه، ووصول القرآن مرتلاً إلى بلاد ليس فيها من يحسن قراءته بالعربية، فكانوا هناك حقًا سفراء القرآن
ثم أن جميع أبناء القراء كانوا من حافظي القرآن، وتعلموا قراءته مجوّدًا على يد آبائهم، والكثير منهم ورث حلاوة الصوت وطلاوته، وبعضهم استكمل مسيرة والده في القراءة وقلّده في الأداء، وقال أحدهم: أنه عندما كان يقرأ القرآن، يجد الناس من حوله يترحّمون على والده!
ثم أن الأموال التي اكتسبوها من تلاوة القرآن، كانت تصير في النهاية في المشروعات الخيرية وبناء المساجد في قراهم ومدنهم، وهذا أمر تكرر ذكره كثيرًا في الحوارات
أليس يبدو هذا عملاً مباركًا؟
.
.
لو لم تكن قارئًا فماذا كنت تتمنى أن تكون؟
لا أستطيع إلا أن أقول أنه ما كنت أتمنى أن أكون أكثر من ذلك، فأنا والحمد لله في نعمة كبيرة أنعمها الله عليَّ، وهي أن أقرأ كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار
.
.
وما هي الجوائز التي حصلت عليها؟
لقد حصلت على جوائز عديدة .. ولكن ليعلم الجميع أن أعظم جائزة هي فضل الله عليَّ، فهو المعزّ المذلّ السميع البصير بيده كل شيء، والجائزة التي تلي ذلك هي حب الناس، فالتكريم الحقيقي هو تكريم المولى ثم تكريم المستمعين