بعد ان تركنا الشاعر في الجزء الاول من اوهام ضائعة يغادر مقاطعته مع عشيقته الأرستقراطية التي من المنتظر ان تدخلك الى المجتمع الأرستقراطي في باريس وذلك لينشر ديوانه الشعري وكذلك روايته.
في اول مواجهة لهم في هذا المجتمع تبدأ حياة باريس لتغيير نفوسهم. فهي رأت اناقة رجال باريس وغناهم وأناقتها وتقارنه بشاعرها الريفي وعدم أناقته وذوقه في اختيار الملابس.
وهو لم يعد يرى جمالها بعد رأى جمال فتيات باريس وأناقتهن. تتخلى عنه لان المجتمع لم يرغب به هذا المدعي للدوقية من جهة أمه.
يبدع بلزاك في تفسير هذه النوازع البشرية وتغيرها وتقلبها بأسلوب رائع وشيق وعميق جدا.
بعد ان يلفظه هذا المجتمع يبقى وحيدا في مدينة لا ترحم. وكان أمامه طريقان السير في مجال الأدب، اما طريق الكرامة والعزة والصبر على الفقر. وأما طريق الصحافة والشهرة بطرق ملتوية.
ويبدع هنا بلزاك في وصف هذا الجو المنافق وعلاقة هؤلاء الصحفيين مع الأدب والفن. فبمقال يرفع العمل الأدبي وتباع كتبه رغم سخافته. ونقد عمل ادبي يوقف مبيعات هذا العمل ويخسر من وراءه الكاتب والناشر على حد سواء ويموت هذا العمل الى حين يتم اكتشافه وأحيانا يتطلب ذلك سنوات طويله فبعض الكتب لم تشتهر الا بعد موت أصحابها.
وكذلك العلاقة ببن طبقات المجتمع فهناك الصحافة الداعمة للملكية والصحافة الليبرالية التي تهاجم الملكية والحكومة والطبقة الأرستقراطية.
سعت الطبقة الأرستقراطية الى استقطابه ووعده بلقب الدوق مقابل مهاجمة الليبراليين وانظمامه الى صفوفهم فأصبح اصدقاء الامس أعداء واعداء الامس اصدقاء واتفقوا على تدميره .
حتى انه لم يجد نقودا للعودة الى مقاطعته الا بعد ان قامت خادمته بالنوم مع احدهم لتعطيه نقودا واقتبس اخر فقرة بالرواية : "وكان يريد ان يعيدها لها، ولكنه اثر الاحتفاظ بها شاهدا على اخر وصمة عار من الحياة الباريسية"
يتناول بلزاك في الجزء الثاني ضيّاع الأوهام الإنسانيّة الكبرى، فقد بيّن في الرواية الأولى" الشاعران" كيف نتنبأ بفقدان الأوهام، في سياقات اجتماعية ونفسية مشحونة بالصراع بين عالمين أنغوليم الارستقراطية وهومو الريفية، والتي كانت بمثابة شاشة عرض كبيرة لعالم هذة الرواية الثانية، التي تعدّ عدسة أكبر تتبع تطوّر الابطال، بنقاط تحوّل صميميه، في فكرهم وسلوكهم ومصائر حياتهم، لعلّ أبرز ما يتناوله بلزاك هو مدى وقع الاطار الاجتماعي المحيط بهم، وتأثيره على أنماط انفعالتهم وتكوينهم واختياراتهم، وحتمية نهاية ما يؤمنون ويحلمون به، فمن وهم الموهبة مقابل الامتيازات الاجتماعية، ووهم الحب العذري مقابل الحب الانتهازي، وهم الجمال مقابل الاتيكيت والعرف الاجتماعي، وهم الانتماء كحصانة الى طبقة النبلاء مقابل الفساد والنفاق والارتزاق، وهم الأصالة مقابل الابتذال، وهم تضارب الانفعالات وتمزقها بين تطلعات طامحه للشهرة والمجد، ومحدودية واقع شاب ريفي فقير بموهبة بسيطة بلا نسب ولا جاه، يختزل استعارة عن واقع طبقة اجتماعية بأكملها، بحلم أجيال عديدة، تواجه نفس الصعاب، من دور نشر، لعالم الصحف والأدب والفن والمسارح، المهيمن عليهم من قبل لصوص وتجار عديمي الموهبة، لجماهير بلا فكر و ذائقة فنية، وهكذا تتناوب الأوهام بالتلاشي، ومعها تتلاشى شخصية لوسيان، مع كل ازاحة مكانية يتجه اليها لموقع يتطلع فيه لانتماء جديد يمنحه دعامه ووساطة في عالم الحياة الباريسية، تصاغ مكنونات نفسيته بشكل يلائم الواقع، وتتغير قيّمه وتطلعاته، تموت موهبته، وتنحط سماته الطيّبة، تتلوّن بما يتناسب مع المجموعة التي ينتمي اليها، وبعد ان كان مدفوعا لتخطي مشاعر الضآلة والعجز، صار مدفوعا بالطمع والنهم، فلا شيء كان كافيا لملء عوزه لأن يتحرر من كل العار الذي لحق بأصله، ولينال قبول المجتمع الراقي ويتمتع بسلطته و ملذاته. ظل صوت الراوي، في لحظات خاطفة، يحلم بالعودة الى أصله، كشاعر حقيقي دفن في بلدة ريفية مع احلامه الأكثر صفاءًا، او ربما انها تمثل حلم بلزاك نفسه لمخلوقه البائس، الذي ابدا تعلقًا شديدا بالميكافيلية الباريسية، وسطوة اغراءاتها.
جعلنى بلزاك احيا هذه التجربة الأدبية الحقيقية بكل كيانى وكما توقعت كان الجزء الاول من ثلاثية أوهام ضائعة بعنوان الشاعران مجرد مقدمة للتعريف بالشخصيات ودواخلها واطار العلاقات فيما بينها أما فى الجزء الثانى الذى نحن بصدده فإنه ذروة أحداث الرواية التى يبرع بلزاك بشده فى تصوير الشخصية التى تبدو واعدة فى شبابها ويمنحها الله كل مقومات النجاح التى لا تتوافر الا بمنح الهية كحب حقيقى وجمال طبيعى واصدقاء اوفياء وموهبة أدبية بارعه الا ان امثال هذه المواهب وهى ليست بالنادرة غالبا ما تنخدع بالواقع وتغتر بمواهبها المعطاة وتنسي واجبها نحو العمل الجاد الحقيقى وترغب فى الحصول على كل شىء بسهولة حصوله على جمال الملامح وبمرور الزمن وبالنجاحات الصغيرة ينخدع الشخص مَعقَد الآمال حتى يخسر كل ما حصل عليه حتى الشرف والنخوة وحتى أوفى وأحب الناس يخسرون خسارات مريعة بسبب من أحبوهم من أمثال لوسيان شاردون بطل هذا العمل الرومانتيكى . الا ان أحب ما اجده فى أعمال بلزاك هى المعلومات التاريخية التى تتخلل أعماله مما يكسبها صورة حية امام القارىء فلا تخلو أعمال بلزاك من التأريخ لعصره وأغلبها أحداث داخلية فى فرنسا سياسية واجتماعية وفنية وفلسفية على عصر نابوليون وعصر عودة الملكية . فأعمال بلزاك إذن ليست مجرد أدب صرف بل هى ثروة ثقافية حقيقية وهى رغم الواقعية الشديدة فى أحداثها الا انها رمانتيكية من حيث الطابع العام والغاية الكامنة وراء العمل وهى أهم ما يحب ان يصل اليه القارىء فى فكر الكاتب . ولنختم الثلاثية بالانتقال لآخر اجزائها بعنوان آلام المبتكر .