كتاب نادر وممتع ومثير، ما فعله حسين علي يونس من جمع لمنجز جان دمّو سيذكره تاريخ الأدب العربي إلى الأبد. / منذ المقدمة والتي حوت على محطات لسيرة وحياة جان دمّو وعمله على منجزه الشعري، حتى هروبه من العراق بدون أي وثيقة سفر، ومساهمته في حركة خيمة كركوك الشعرية، وتطوير أدوات كتابة قصيدة النثر عربياً، مروراً بقصائده القليلة الباقية والمحفوظة لدى إصدقائه، نهايةً بترجماته لتيد هيوز وتشارلز سيميك ومارغريت آتوود ونهايةً بتقريره الصحفي عن دالي، يخبر الكتاب عن حياة جان دمّو الشاعر والمثقف والمترجم، المعني بالإبداع والمغرم به، رغم حياته كشاعر رصيف كحولي كما هو حال الشعراء الصعاليك في عراق القرن الماضي مثل عبدالأمير الحصيري وآدم حاتم وعقيل علي ورابعهم هو، فالرصيف كان بالنسبة لجان هو الأمل والحياة وواجهة الاحتجاج على هذا العالم، فالقصيدة لديه تحمل موقفاً من كل شيءٍ في هذا العالم، تقف عنيدةً ومخلصةً ضد الجميع، كما هو حال حياته، فالشتّام الذي كانه في الحانات والمقاهي وعلى الأرصفة، يحيا داخل أجواء قصيدته برحابة، مثيراً عدداً من الأسئلة حول العالم، حول الحب، حول الناس، حول الموت الذي لا ينكره وفي ذات الوقت لا يعرفه، يظن حسين علي يونس في المقدمة أن جان دمّو نبت في أرض الموصل، بلا أهل ولا عائلة، هكذا كما تنبت الأشجار لذا فقد ظل مقاتلاً حتى الرمق الأخير، قال لي عبدالرزاق الربيعي الشاعر العراقي قبل ثلاث سنوات عن موقفٍ له مع أحد ألمع وأهم أدباء العراق في النصف الثاني من القرن الماضي "حسن مطلك" أنه كان مثقلاً بالهموم في واحدةٍ من زياراته لحسن في قرية الشرقاط، فأخذه حسن من يده، أراه نبتةً صغيرةً لا يتجاوز طولها سنتيمات قليلة، وحفر متتبعاً جذرها فكان يتجاوز المترين، هذا ما يحاول حسين علي تلخيصه في وصفه لجان دمّو، الصعلوك الذي لا يعرف عنه الناس سوى حبه للخمر وشتائمه، بينما ما خلّفه كان من أهم ما أنتجته خيمة كركوك الشعرية. رحل جان بالصدفة في أستراليا التي ذهب إليها لاجئاً عام 2003، كما ظهر على أرصفة بغداد والموصل والعالم صدفةً، رحل مدوياً كما كانت قصديته، ورحل صارخاً كما هو حال كؤوس الخمرة التي كان يشربها دون أن يعدها، يشربها ليكتب قصيدته ويرحل دون أن يهتم لها، فالشعر بالنسبة له ليس تدويناً ونشراً بقدر ما هو موقفٌ من هذا العالم، ولعل ضآلة معرفتنا بموقفة جان دمّو من هذا العالم سيظل واحدةً من الخسارات الأدبية الهامة في العالم العربي.