قصص أقرب للمقالات أو مقالت و قصص من باكورة أعماله التى لم تنشر الا فيما بعد بإلحاح من الناشر على نجيب محفوظ
01
هكذا الدنيا قاسية لا قلب لها . والناس لا يرحمون . والحياة أشد وحشية من البحر الهائج والنار المضرمة . فقد لا يعدم الإنسان إذا أشرف على الغرق أن يسبح وراءه السابحون . أو إذا اشتعلت النار فى أطرافه أن يهرع ذوو النجدة . أما فى معترك الحياة فالضحايا لا عداد لهم . تعركهم الرحى وإخوانهم سكارى بأطماعهم ومشاغلهم . فلكم استصرخت بغير طائل . بل كانت ملهاة للنظارة . ثم بعد ذلك متعة للمتمتعين . والدنيا تضيق بمن ينشدون صيدهم بين الضحايا البائسة شردها الجوع والحرمان والأمراض. فوجدت نفسها فى دنيا الشذوذ والعناد حيث تقتتل الضحايا من كل نوع . ضحايا الطموح الكاذب والشهوات البهيمية والفقر المُذل للأعناق . عالم البؤس حيث لا عودة لمن مضى إليه ولا إفاقة لمن نهل من سُمه . قذارته لا تُمحى فليس على القذر إلا المزيد من القذارة والتمرغ فى التراب. وكيف صارت بعد ذلك ؟!.. وراحمتا .. فؤاداً قاسياً وقلباً كافراً ولساناً دنساً ونفساً تنضح بالخبث واللؤم والكراهية . على وجهها الطلاء وفى جسمها المرض وملء روحها الشر ومن مراتعها السجون .
02
وتحولت عيناى على غير إرادة منى إلى مدخل الحجرة. كان الباب مغلقا بيد أن الرسول دخل. دخل دون حاجة إلى فتح الباب. فعرفته دون سابق معرفة فهو رسول الفناء دون سواه. واقترب منى فى خطى غير مسموعة. كان مهيبا صامتا مبتسما ذا جمال لا يقاوم سحره فلم تتحول عنه عيناى . ولم أعد أرى من شئ سواه. وأردت أن أضرع إليه ولكن لم يطاوعنى اللسان. وكأنى به قد أدرك نيتى الخفية. فازدادت ابتسامته اتساعاً. فآنست منه رفقاً ولم أعد أبالى شيئاً. انجابت عنى وساوس الليل وأحزانه وحسراته. وغفلت عن دموع من حولى . ووجدت نفسى فى حال من الاستهانة والطمأنينة لم أعهدها من قبل. سلمت فى محبة لا نهائية وتركت جسمى فى المعركة وحيداً ! رأيت -دون مبالاة البتة- دمى يقاوم فى عروقى. وقلبى يدق ما وسعه الجهد . وعضلاتى تنقبض وتنبسط وأنفاسى تتردد من الأعماق . وصدرى يعلو وينخفض. وشعرت بالأيدى الحنون تسند ظهرى وتحيط بى. رأيت ظاهرى وباطنى رؤية العين بغير مبالاة ولا اكتراث. وقد تحول الرسول عنى إلى جسمى وأخذ فى مباشرة مهمته فى ثقة وطمأنينة والابتسامة لا تفارق شفتيه الجميلتين. وشاهدت نسمة الحياة المقدسة تذعن لمشيئته فتفارق القدمين والساقين والفخذين والبطن والصدر . والدم من ورائها يجمد والأعضاء تهمد والقلب يسكت . حتى غادرت الفم المفغور فى زفرة عميقة. سكن جسمى وصمت إلى الأبد وذهب الرسول كما جاء دون أن يشعر به أحد. وغمرنى شعور عجيب بأنى فارقت الحياة. وأنى لم أعد من أهل الدنيا.