بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
يتميز الملف الإلحادي بالعشوائية, عشوائية في طرح المسائل, عشوائية في محاولات حلها وعشوائية في تقييم تلك الحلول. عشوائية يتيمز بها طرفي الصراع الفكري على حد سواء. بالرجوع إلى تلك الحقيقة, أرى أن كتاب حسام الدين حامد أقل عشوائية وأكثر إثارة للاهتمام من باقي الكتب العربية التي تتعامل مع الملف الإلحادي. وسأعمل على توضيح ذلك حسب التقسيم الثنائي للكتاب, أي : الإلحاد ك"توهم" و الإلحاد ك"عدم".
Paradigms
تعجبني جدا كلمة "Paradigm"
من اللغة الانجليزية, والتي تترجم الى اللغة العربية ك" نموذج " أو " صيغة " , وأحب أن أتخيل هذا النموذج كدائرة, تماما كالدوائر التي درسناها في الرياضيات, أو "المجموعات". فمثلا, في علم النفس هناك من يدرس الانسان من وجهة نظر عملية Behaviorism,
وهناك أيضا من يدرسه من وجهة نظر معرفية Cognitivism
وفي غير المجالات أيضا, تتنوع طرق التفكير وصيغ تحليل المواضيع. بالنسبة لمسألة الالحاد, فوجود هذه الدوائر الفكرية أمر واقعي البتة.
فهناك من ينقد الالحاد من وجهة نظر منطقية, وهناك من ينقد الالحاد من وجهة نظر نفسية, وهناك من ينقد الالحاد من وجهة نظر قيَميّة. تختلف أيضا الصيغة المستعملة في هذا النقد, فهناك من يستخدم اللغة الأكاديمية, وهناك من يستخدم اللغة الدينية - أي لغة النصوص الدينية -, هناك أيضا -بالطبع- من يعتمد على اللغة المستعملة يوميا نقطة ارتكاز لنقد الالحاد.
كل هذه الدوائر معروفة للباحث في هذا المجال, ولمجالٍ بهذه العالمية وبهذه الأهمية, ربما يكون هناك تفاضل في الدائرة المعرفية الأولية التي يبدأ بها الناقد نقده لمواضيع الإلحاد.
للأسف, يبدو أن معظم ناقدي الالحاد في العالم الإسلامي لم يُجدّدوا صيغ النقد ولم يرتكزوا على دوائر معرفية كفيلة بتغطية الفجوة الفكرية مع قرون الفلسفة الاسلامية الذهبية, بل تميزت معظم أبحائهم وأعمالهم باستخدام نفس اللغة الفكرية للقرون الوسطى! بل واستمرت في الوسط الأكاديمي إعادة نفس الحجج القديمة, الغث منها والسمين, والذي كان سبب ضعف معظم كتب الرد على الإلحاد في القرون الحديثة.
وثوقية التوهم
أول نقطة لفتت نظري عند قراءة كتاب حسام الدين حامد, هي ظهور دائرة فكرية جديدة, صيغة تفكير لا نراها في كتب نقد الالحاد العربية/الإسلامية. يبدأ حسام الدين حامد نقده للإلحاد من وجهة نظر علمية, بالأخص -فلسفة العلم- , معتمدا على أعمال الكثيرين من مشاهير فلاسفة العلم ككارل بوبر وغيره. الأمر الذي أعجبني جدا, بل استمتعت صراحة بالإطّلاع الواسع للكاتب, والذي جعلني أحترم الجهد الفكري المبذول في صناعة هذا الكتاب, بل الأجمل من ذلك هي طريقة توظيف الكاتب لقضايا فلسفة العلم المثيرة للجدل - كالتطور والمنهج العلمي- في مركز الصراع الفكري بين الايمان والالحاد. والذي يعطي الكتاب قيمة كبيرة لمواكبته مشاكل القرن ال 21, خصوصا المسائل التي تودي/أدت بالكثير الى الالحاد, وأهمها مسألة التطور.
بالنسبة لي, مقال "توهم" كان من أفضل المقالات أفكارا, وربما يجمع معظم أفكار الكتاب (في نصفه الأول) في مقال واحد
خواء العدم
مع الإستعانة الكثيفة بأعمال البير كامو, يقوم الكاتب بنقد الأسس القيمية للإلحاد Axiological.
ركّز هذا النصف على مسألة الانتحار, الخواء القيمي للإلحاد, وأعجبتني صراحةً طريقة بناء المقالات, ويبدو أن كاتبنا لديه لغة أدبية لا بأس بها, وظفها توظيفا حسنا في نقده لقيم الالحاد. يظهر لي أن الكاتب كان في هذا النصف أكثر مرونة في اختيار المواضيع, أكثر ارتياحا, رغم أن هذا لا يعني ان هذا القسم أقوى حجة ولكن أظن أنه أعطى للكاتب عمقا وبعدا فكريا مهما في المادة المطروحة.
كمادة أدبية للقراءة, يحتوي هذا القسم على الكثير من الافكار المثيرة للاهتمام, خصوصا طريقة استعمال البحوثات العلمية وما يترتب عليها من نتائج كمواد ادبية لنقد قيم الالحاد, وكل هذه العوامل تجعل من كتاب " الالحاد" كتابا جدّ ملائم للقراء الشباب وللباحثين في هذا الموضوع الشائك.
مآخذ
على الرغم من أهمية هذا الكتاب برأيي, خصوصا في سياق كلامنا عن نقد الالحاد في الوسط العربي, إلا أنه لم يجتاز بعد كل تحديات الناقدين للالحاد.
أولا, صيغة البحث والمادة العلمية المقدمة الجديدة نسبيا تُحسب للكاتب, بل تزيد جدا من أهمية الكتاب, إلا أن طريقة الطرح والحديث ما زالت بنفس الضعف, خصوصا في النصف الأول "العلمي" , والذي تميز بالكثير من الأسئلة الاستنكارية والاستعجابية, والذي يضعف جدا من قابلية الكتاب في التأثير في القراء الملحدين, أحسست صراحة بلهجة تتميز بالعدوانية في قسم المقالات العلمية, والتي يجب أن تكتب بلهجة علمية صرفة, للحصول على أكبر قدر من الموضوعية.
لفت نظري أيضا تركيزالكاتب الكبير على مسألة التطور, والتي نُقدت نقدا قويا برأيي, ولكن لا أظن أن نقد التطور كافي لحسم مسألة الالحاد, لا أقول أن مسؤولية الكاتب كانت أن يضم كل مسائل الفلسفة قديمها وحديثها في خضم نقد الالحاد, ولكن كان من الأوجب اكمال هذا النقد ببعض مسائل الانطولوجيا و"الالهيات", تلك المسائل التي أولاها الفلاسفة المسلمون اهتماما كبيرا في اعمالهم. أدرك أن هذا ليس من تخصص الكاتب, ولكن هذا يعني أن الكتاب لا يغطي بشكل كافٍ الدوائر الفكرية اللازمة لنقد الالحاد, وبالتالي قد يتسائل القارئ عن كفاءة الكاتب في الوصول لنتيجة العنوان: الالحاد ك "وثوقية للتوهم"..
مجملا, كتاب حسام الدين حامد كتاب جديد في نوعية الطرح, متميز عن معظم الكتب في هذا المجال, الا أنه لم يفلت من مشاكل التعبير الغير موضوعية, كما أنه سلط الضوء على جزء صغير جدا من مشكلة الالحاد.
أطمح أن يتجاوز العلماء المسلمون الفجوة الفكرية والفلسفية الكبيرة, وأرجو أن يُضْحي العالم المسلم أكثر أكاديمية في نوعية المادة الفكرية التي يقدمها,ولكن أيضا في طبيعة اللغة والأسلوب اللذان يستخدمها لطرح هذه المادة.
وأسأل الله أن يهدينا ويهدي كل باحث عن الحق, كما أسأله ألا يؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا. والله أعلم
تحياتي للأخ العزيز عبدالرحمن فتحي على هذه القراءة المميزة, الجميلة والمفيدة بكل تأكيد, وإن شاء الله نستمر في قراءة الكتب المفيدة في هذا الباب وفي غيرها من الأبواب. عسى أن تكون هذه القراءات ذات فائدة وخير علينا