دكتور سليمان حريتاني
( الخمرة )
و ظاهرة انتشار الحانات و مجالس الشراب في المجتمع العربي الإسلامي
الحديث عن المحرمات من المحرمات ، أو قد يبدو كذلك . فمن عجائب الأدب العربي و متناقضات الموروث المتناقل شفاهاً و كتابةً ، أحاديث الخمر و مجالسه ،و ندماء اللهو و القصف في مجالس "الخندريس" ، فكيف يفتن السابقون و اللاحقون بأحاديث لهوٍ محرّم بين كتب التراث ، مثل ألف ليلة و ليلة و الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ، و تكاد لا تخلو مدونة شعرية تؤرخ لعصرٍ من العصور الإسلامية المتقدمة و المتأخرة ، من ذكر قصائد في الخمر ، و القصائد العربية في الشراب مميزة في باب معين ، خمريات صرفة تتحدث عن الخمر و مجالسها ، و ليس السُّكْر أو صفة المخمور أو أنواع الخمر فحسب ، بل عشقٌ لا يضاهيه عشق للخمر ، و شعرٌ يساق على السليقة في مجالسها .
ما أذهلني أن المؤلف الذي له ثلاثة كتب أخرى ، في مواضيع تدور حول الشريعة و القيان و أبي نؤاس ، لم أجد له ذِكْراً . و ربما كان طبيباً من حلب حسب موقع نقابة الأطباء السوريين . لكنه أجاد و أوجز في كتابه هذا، و حاول أن يوسع الهوامش قدر المستطاع ليشرح كل ما استلغز أو استعصى على الفهم ، ليسفيد القارئ كما يجب من وقته فلا تعوزه المراجع .
الكتاب ينقسم إلى سبعة فصول : الفصل الأول عن ( الخمرة في التنزيل ) ، و الفصل الثاني عن ( مفهوم النسخ في القرآن ) ، و الفصل الثالث عن ( الخمر في السنة ) ، أما الرابع فيتحدث عن ( التزام السلطة الإسلامية بالتحريم ) ، و الخامس عن ( انتشار الحانات و مجالس الشراب ) ، و السادس عن ( دور الأديرة و العُمَر في انتشار مجالس الشراب ) ، و السابع ( في أدب السمر و الظرف ) .
يتدرج المؤلف في شرح أهمية الخمر في الجاهلية لمجالس العرب ، و مباهاتهم بها ، و احترام الشاربين لصفاتها و مفعولها في العقل و الجسم ، و يتحدث في ما هية الخمر المصنوعة من العنب و التمر ، و الفارق بينها و بين المسكرات عموماً و بين النبيذ ، و حلية الشرب بناءً على عُمْر الشراب و مصدره النباتي . و ينتقل إلى التحريم و تدريجه ، و الخلاف حول أمورٍ فيه ، مبيناً وجهة نظر المذاهب الأربعة مضيفاً وجهة نظر المذهب الشيعي ، و يلقي إلى القارئ في خضم ذلك ، شرحاً مفصلاً لحالات التحريم و الناسخ و المنسوخ ، و دور الحديث في التحريم ، حيث لا صراحة في التحريم القرآني ، و يسوق المصادر و الشروح و المواقف من النص في ذلك .
و المرحلة الثانية من الكتاب تأخذنا في جولةٍ تاريخيةٍ ، عامرة بالشعر و الظرافة و اللهو ، عن دور الخمرة في المجتمع العربي الإسلامي ، و أين كانت تشرب و كيف ، و بم تصرف الخلفاء و الحكام إزاءها ، و دور النصارى و اليهود في انتشار مجالس الشراب ، و كيف كانت تدار الجلسات و يجري فيها السمر و اللهو .
الكتاب رغم صغر حجمه ؛ إلا أنه كثيف المعلومات دقيقها، و ممتع البناء جيد التبويب ، لكن العتب على المؤلف في أن الأمثلة في أغلبها تأتي من الشام و العراق ، و لا يكاد يذكر مصر و المغرب و الأندلس و لا مشرق العالم الإسلامي ، و يركز كثيراً على العصرين العباسي و الأموي ، عدا ذلك فهو يستحق كل دقيقةٍ تمضيها معه .