الجمع والتحقيق في هذه النسخة غريب بعض الشيء؛ فقد أثبت فيها كرم البستاني الأبيات التي لَفَّقَهَا عبدالقيس بن خفاف التميمي ومرة بن سعد بن قريع السعدي -كقصيدة منفردة- للنابغة التي أنشدوها النعمان بن المنذر رغم انه يذكر في التعليق أنها أبيات مُلَفَّقَة! ويذكر أيضا في تعليقه على المعلقة أن النابغة يمتدح ويعتذر بها إلى النعمان عما رماه به المُنَّخَل اليَشكري وأبناء قريع، وكان الأجدر أن يقول أن النابغة يبرئ نفسه من الأبيات التي لفقها له ابنا القريع! فالنابغة يقول في المعلقة: فلا لعمرُ الذي مَسَّحتُ كعبَتُهُ ~*~ وما هُرِيقَ على الأنصاب من جسدِ والمؤمنَ العائِذاتِ الطير تمسحها ~*~ رُكبَانُ مكة بين الغَيلِ والسَّعَدِ ما قلتُ من سَيّءٍ مما أتيتُ به ~*~ إذا فلا رفعتْ سوطي إلي يدي فينبه في عينيته التي مطلعها: "عفا ذو حُساً مِنْ فَرتَنى فالفوارعُ ~*~ فجَنبَا أريكٍ فالتّلاعُ الدّوافِعُ" عن بطلان دعوى أبناء القريع، فيقول: أتاكَ بقولٍ هَلهَلِ النَسْجِ كاذبٍ ~*~ ولم يأتِ بالحقِّ الذي هو ناصعُ أما الحق: فهو أن النابغة مدح الغساسنة (وهم في عداء مع المناذرة الذين يتزعمهم النعمان) عندما أسروا أناسا من قريته، وأما القول الكاذب: فهو أن النابغة هجا النعمان عند الغساسنة. والمسألة الثانية هي اعتبار ان المعلقة اعتذار أيضا عن القول الذي قاله في المتجردة (زوجة النعمان) اعتمادا على القصيدة التي مطلعها: أمِن آلِ ميَّةَ رائحٌ أو مُغتَدِ ~*~ عَجْلانَ ذا زادٍ وغيرَ مُزَوَّدِ فالنابغة يذكر في مطلع القصيدة التي يذكر فيها تفاصيل مَيَّةَ وأجزاءها أنه سيهرب! فيكف تكون هي المتجردة! فضلا عن أن النابغة كان سفير قومه فكيف يذكر زوجة النعمان أمامه والنعمان له في كل سنة يوما للبؤس ما يلمح فيه أحدا إلا ويقتله ويوما للفرح ما تلمح فيه عينيه أحدا إلا وأحسن إليه كل الإحسان! وهذا كله اعتمادا على أُولىٰ المرويات الثلاث التي رواها أبوالفرج الأصفهاني (فالروايات الثلاث أسندها علماء ولكن المشكلة في المتن) في كتاب الأغاني والقصة سخيفة لا يقبلها عقل. فقبل كل هذا إذا أردنا أن نحكم على قصيدة ما؛ فعلينا أن نعلم عن خبر هذا الشاعر ما يجعلنا نقبل ما نُقِل عنه من شعر أم لا. فهذا هو أبو أمامة زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيض بن مرة بن عوف بن سعد الذبياني وهو من غَطَفَان. قيل أنه لُقِّبَ بالنابغة لكونه نبغ في الشعر فجاءة هكذا وهو في الأربعين. كانت تُضْرَبُ له خيمة حمراء من جلد في سوق عكاظ وَيُحَكَّمُ في الشعراء. قال عنه ابن سلاَّم الجُمَحِي: "كان أحسن الناس ديباجَةَ شعر (والديباج هو تطريز أو تبطين للثوب أو أطرافه ويكون من الحرير؛ أي أن شِعره مُحكَم الصنعة من حيث أن البيت لا ينتهي كأنه قد قص فجأة) وأكثرهم رونق كلام (الرونق هو البريق أو الرقرقة التي تبدو في السيف وفي الماء، تشعر بأن شعره فيه ماء) وأجزلهم بيتا (أنه لا يوجد حرف إلا وهو موظف، أي أن النابغة يُقَسِّم الكلام إلى جمل مُكْتَفِيَة) كأن شعره كلام (كلام يراد به أنه كالنثر، من حيث أن الجاهليين كانوا يلقون الخطب ويلقون الرسائل هكذا ارتجالا). ويكفي قوله: ولستَ بمُسْتَبْقٍ أَخَاً لا تَلُمْهُ ~*~ على شَعَثٍ أيُّ الرجال المُهَذَّبُ - لولا حبائلَ من نُعْمٍ علِقتُ بها ~*~ لأَقْصَرَ القلبُ عنها أيَّ إقْصارِ - فإن تَحْيَ لا أَمْلَل حياتي وإن تَمُتْ ~*~ فما في حياتي بعد موتك طائل
فلا تتركنَّي بالوعيد كأنني ** إلى الناس مطليٌّ به القارُ أجرَبُ ألم ترَ أن الله أعطاك سَورةً ** ترى كل ملْك دونها يتذبذَبُ؟! بأنك شمس والملوك كواكب ** إذا طلعَتْ لم يَبدُ منهنَّ كوكَبُ ولستَ بمُستبقٍ أخًا لا تلمُّه ** على شعث، أي الرجال المُهذَّبُ؟