صناعة الكراهية بين الثقافات وأثر الاستشراق في افتعالها
يتحدّث الكتاب عن الاستشراق وأثره في تصعيد حالات التّوتّر بين دارسيه ومن تقع الدّراسة عليهم
والجديد في هذا الكتاب الفكرة التي عرضها في أنّنا لا يجب علينا التّحامل على جميع المستشرقين فيوجد كثير منهم منصفين قاموا بدراستهم على أسس علميّة فاستفادوا وأفادوا..
ولكن للأسف لا نكاد نسمع لهؤلاء صوتٌ يُذكر.. والسّبب أنّ المتحاملين من المستشرقين المغرضين لا يهمّهم أن تتفاهم تلك الشّعوب مع بعضها، بل أكثر من ذلك يهمّها أن تبقى حالة الصّراع والتّوتّر قائمة تؤثّر وتحرّك الشّعوب التي لا تكاد تعرف عن الآخر إلا ما يُقدّم لها..
أعجبتني الكثير من الأفكار التي وردت في الكتاب.. من بينها ما ورد في شرح قوله تعالى (.. ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لهُدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله ولينصرنّ الله من ينصره إنّ الله لقويٌ عزيزٌ).. إذ يقول من المؤكّد أنّ هذا التّدافع والتّنافس إنّما هو في مضمار الصّلاح والإصلاح، واستغلال اختلاف المشارب والمناهجِ على أنّها وسيلة إلى الاستباق في مجال الخيرات.. والاستباق والتّسابق يقتضي التّدافع بين المتسابقين، قد يسقط في الحلبة الضّعيف، كما قد يسقط من يحاول مجابهة الإصلاح ومقاومته، لكنّ هدف التّسابق والتّدافع في النّهاية هو حماية الإنجازات الإنسانيّة – الحضاريّة- على وجه الأرض، أي عمارة الأرض واستخلافها..
بينما يقول في قوله تعالى (ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين إلّا من رحم ربّك ولذلك خلقهم...) فوجود الاختلاف بين الأمم ومن ثمّ الاختلاف بين الثّقافات، يعتبران من الأصول المُحفّزة، فلا يعني هذا الاختلاف، بالضّرورة، الخلاف والتّضاد والتّخاصم بينها، كما أنّ الاختلاف من حيث المفهوم لا يعني التّماثل، لذا فإنّ الاختلاف سنّة كونيّة من سُنن الله تعالى في هذا الكون. وهو في حدّ ذاته أحد موجبات التّدافع والتّسابق الذي به يُجابه الفساد ويحقّق في الكون الإصلاح، وتتمّ به الخيرات.
وهنا نرى وفقاً لما قرأنا أنّ ما يحدث الآن في ظاهره الشّر ولكن باطنه خير كثير بإذن الله تعالى..
فمن يتعمّق في رؤيته لما يجري حوله اليوم من أحداث وهجرة وتغيّرات طبوغرافية لم تكن لتخطر على بال أحد.. لا شكّ أن يكون من وراء ذلك خير عميم سنراه واقعاً مُعاشاً في القريب العاجل بإذن الله تعالى.. وهنا يمكننا أن نُسقط بيت الشّعر الذي قد يردّده بعضاً متشائماً، ولكن يمكن أن نوظّفه هنا بشكل إيجابي (تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن) فمن كان وراء تلك المصيبة التي حلّت بشعبنا وبلدنا ستجري رياحه بما لا يشتهي وستتفلّت منه الأمور ويراها تجري بعكس ما خطّط له ونفّذ..
ولكن لا يعني ذلك أنّ كلّ من ذهب إلى بلد الغرب اليوم سيكون له دور إيجابي فعّال، أو سيعرض صورة مشرقة... ولكن طبعاً لن يخلو الأمر من الأمثلة الإيجابيّة الكثيرة والكثيرة جدّاً..
هذا الانفتاح على الآخر والوقوف معه وجهاً لوجه لا بدّ أن يأتي بخير مهما كان ظاهره شرّاً.. فتلك سنّة رب العالمين في كونه وبين عباده..
وقد أكّدت لي صديقتي التي تعمل الآن مترجمة للاجئين إلى ألمانيا أنّ هناك بالفعل الكثير من النّماذج المشرقة الإيجابيّة التي لجأت إلى هناك.. وهؤلاء إن استمسكوا بقيمهم ومرتكزاتهم الدّينيّة الصّافية والعقائديّة ونهلوا من بعد ذلك من حضارة الغرب العلميّة دون أن يتعرّضوا لثوابتهم.. سنرى منهم الخير العميم بإذن الله تعالى..
هذه رؤيتي للحدث وفق ما يجري وبناء على ما قرأتُ في هذا الكتاب..
ويثبت مصداق كلامي هذا ما ذكره المؤلّف في أنّنا يجب أن لا نغبن كلّ المستشرقين ونضعهم جميعاً في خانة واحدة، فنكرّر ما نعترضه عليهم في نظرتهم غير الموضوعيّة لنا..
فيذكر أنّه رغم مساوئ دور الاستشراق في تأجيج النّزاع بين المسلمين والآخر، والذي غالباً ما تكون أسبابه سياسيّة استعماريّة، (إلّا أنّه يبقى رهطٌ من المستشرقين عازفين عن هذا الأسلوب في طرح القضايا، وتظلّ رؤاهم ثابتة لا تؤثّر بها الأحداث السّياسيّة المتتالية، ومن هذا القبيل تأتي الطّعون على الإسلام بآثار إيجابيّة على المتلقّين غير المسلمين، إذ يعمد بعض المتابعين لهذه الطّعون للتّحقّق منها من خلال البحث في مدى صحّة هذه الطّعون، فنرى من جاء إسلامه لا من خلال القراءات عن الإسلام من مصادره، ولكن من خلال كتابات الطّاعنين فيه، حيث تمتلئ الكتب الاستشراقيّة المؤلّفة عن الإسلام بالتّحامل والمطاعن والعرض الظّالم)..
وهنا أعود فأؤكّد على الفكرة التي ذكرتها، فالدّين دين الله وهو الدّين الخالد الذي اختاره حتى قيام السّاعة وحفظ كتابه من التّحريف والتّبديل ليبقى لنا مرجعاً ثابتاً للنّهوض.. ولكنّها كبوة نعيشها اليوم لن تطول وها هي مؤشّرات نهوضها قد بانت، فها هو التّلاقح بين الشّعوب يسير على قدم وساق ليقضي الله أمراً كان مفعولاً..
و (كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ الله قوي عزيز)
فلنتابع السّير وفق معطياتنا المتاحة لنا اليوم، ونفوّض أمرنا لوليّ الأمر والتّدبير سبحانه وتعالى..
وفاء
تشرين الثّاني 2015