عد أربعة عقود أترك مدنَ المنفى ورائي و أزيحها من ذاكرتي، و أعود للمدينة أ لاولى، قابضاً بأعصابي على مقعد السيارة، وبذاكرتي على تلك المدينة، لأراها بعين الحا ضر. أدخل وجلاً من ثلاثة مخاوف انتظاري: النسيان، اللوم والموت. لن يعرفني الناس في المدينة بعد هذا الغياب، فقد هجر المدينة أبناؤها القدامى إلى بغداد، مغادرين مدينة الكلام إلى مدينة النقود، وسيلومني الباقون لأنني تركتهم في أيام الفجيعة وأعود متأخراً، حين لم يبق غيرالرماد والجنائز. أعبرُ الفرات وبساتينه دون أن أرى شيئاً لأن عيني تترقبانِ مثل كل زائر لمعة القباب الذهبية. قبل أن أراها أطرح السؤال العصي: لمَ هناك وليس هنا؟
كاتب وصحافي عراقي. درس الأدب الألماني في جامعة بغداد واللغة الإنكليزية في جامعة كامبردج ـ لندن. له روايات وكتب عدّة، منها "المستبد: صناعة قائد صناعة شعب"، وروايات "الخائف والمخيف" و"حافة القيامة"، و"مدن فاضلة".
يربط الكاتب العراقي ذكرياته وأحداث حياته بتاريخ مدينة النجف في كتابه المميز (النجف : الذاكرة والمدينة). تلك المدينة التي يتوسطها ضريح الإمام علي عليه السلام والتي تضم في أحياءها وطرقها العتيقة ثقافات متعددة واتجاهات متباينة. ينقلنا الكاتب إلى فترة الخمسينات والستينات حيث المراجع الدينية والحوزات العلمية وطلبة العلم، والزعامات العشائرية، والمثقفين المتمردين الذين اعتنقوا الشيوعية أو القومية أو البعثية. ومنهم الكاتب الذي كان ولا زال يفتخر بعلمانيته رغم أنه سليل لعائلة دينية من المجتهدين وللفقهاء. عايش الكاتب فترة الاستعمار البريطاني وقيام الملكية وانحدارها ثم تأسيس الجمهورية العراقية وما تبعها من انقلابات الشيوعيون والبعث ثم الجيش. ثم يعود المؤلف بعد هجرة لعقود طويلة ليقارن ما كانت عليه النجف بالأمس وماصارت عليه اليوم.
انتهيت قبل قليل من قراءة كتاب النجف ، الذكريات والمدينة للكاتب العراقي ابن النجف زهير الجزائري ، من منا لا يعرف مدينة النجف لاسيم نحن من لدينا تلك الخصوصية الدينية فيها بوجود أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب ع . لكن أكثر من هذا البعد لا نعلم عنها أي شي آخر
هنا تكلم زهير وعيه الأول ، تحدث بما جادت به ذاكرته عن أصوله وعن ما عاشه من احداث وهو القابض عليها كمن يقبض على جمر فلا هي تشفيه ولا هي ترمم حنينه الذي يمضه ويضنيه
تكلم الجزائري عن اصوله منذ المؤسس الأول شيخ أحمد الذي قدم من الحجاز وعاش في الاهوار بعيدا عن الصحراء التي ما امهله شوقه اليها حتى رحل الى صحراء النجف التي سحرته بمناراتها وقبابها ووعيها الديني الذي تشربه واورثه الى ابناءه العاقين الذين طبع على بعضهم بعض اثاره وتمكنت الشيوعيه من الاخرين
عندما يتحدث الجزائري عن النجف فهو يعيش الحدث يشرح طبيعتها بين محلاتها الاربع وبين قبتها الذهبيه وهي المركز الذي يؤمه جميع النجفيين على اختلاف مشاربهم الى مقبرة وادي السلام التي تفتح وعيك على الموت المطمئن
كذلك تقسيم الافراد النجفيين وطباعئهم خصوصا من آل الجزائري بين موامنه وعاديين وشيوعين ولم يغفل توجهاتهم سواء دينية او شعرية . لم ينسى الجزائري الجراحات الاولى الخلافات القبليه وبها نكأ الجراحات الكبرى الانقلابات الوضع السياسي الذي مزق المدينة شرارة الدين وتحريم الشيوعية
زهير الذي غادر النجف في العشرين من عمره، وغادر العراق بعد أربعة عشر عاما، متنقلا بين خمسة مناف و42 بيتا و7 أماكن عمل و3 زوجات. بدّل حياته وشكله ولهجته ولغته مرات ومرات ، وكان خلال تنقله في المنافي يزيح المدن تباعا من ذاكرته، لأيهيّئ نفسه للمدينة الجديدة عاد اليها الى الوطن الذي لم يفتح ابوابه امام الذاكره بل خاتلته بوجهها الجديد مولية ظهرها عنه
النجف كما لا تُرى بعيون زائريها! - لا أعلم إن كانت المراجعة ستعكس مدى تأثري بالكتاب وقربه مني، لكني سأكتب على أي حال. حكايتي مع الكتاب بدأت عندما رأيته في صف الكتب المعروضة في دار المدى بمعرض ٢٠١٥. أخذته من عنوانه ولم أقرأ حتى الغلاف الخلفي. بقي الكتاب على الرف خمس سنوات، إلى أن شعرتُ برغبة بقراءته أخيرًا في ٢٠٢٠! وخير ما فعلت عندما سحبته من مكانه على الرف، لأنه جاء في فترته تمامًا! ينقل لنا زهير الجزائري حياته وطفولته في مدينة النجف، مدينة المنائر الذهبية، الحاضنة لمرقد الإمام علي، واصفًا إياها بمدينة الموت كونها أيضًا حاضنة لمقبرة وادي السلام: إحدى أكبر مقابر العالم. فسيل الجثث والموتى لا يتوقف في هذه المدينة، وكما يصف الجزائري "عالم الموتى الممتد أمامي يوازي عالم الأحياء في المدينة ويزحف نحوه" المذهل أثناء قراءتي، أنني في خضم تفكيري بالموت وحتميّته، أقرأ عن الموت في هذا الكتاب، ويعزز في داخلي فكرة الفناء والرحيل عن هذه الحياة. بالأخص عندما قرأت في فصل "وادي السلام" هذه الفقرة: "عند وادي السلام تهدأ الدورة ويتحقق سلام النفس عند الأحياء وتصغر هموم الدنيا وأطماعها الصغيرة حين يرى الحي نفسه وسط بحر من الموتى لم تبقَ منهم غير هذه الشواهد المتربة. رأيت المقابر في أوروبا وقد تحولت إلى حدائق ومتنزهات. القبور هنا، بتقشفها وفقرها، هي الشاهد الأكيد على واقعية الموت، وبالأحرى عودة الإنسان إلى مادته الأولى، ترابًا." بدا تأثر الجزائري بالموت واضحًا في كتابه، فقد كتبها بنفسه: "تربيتي النّجفيّة علمتني قدسية الميّت" عجبتُ من هذه المدينة، كيف أصبح الموت رمزًا لها. لا أنسى عندما كتب عن زيارة الأصدقاء للنجف وأخذهم في جولة حول المدينة ومعالمها، ومنها المقبرة الشاسعة حيث يقف الأصدقاء مشدوهين "لأنهم لم يتصوروا الموت بهذه الواقعية والاتساع بعد أن كان في ذهنهم تجريدًا". زهير الجزائري قرّب إلىَّ صورة الموت في هذا الكتاب.
أحببتُ عندما كتب حول الكوفة ومسجدها وبساتينها. وكيف وصف الكوفة أنها تجسيدًا لحياة الإمام علي كونها عاصمة الخلافة آنذاك. فـ "النجف لا تمنحنا صورة الإمام حيًّا لأن فيها ضريحه. في قبره يتحول رمزًا. الكوفة تقربنا منه حيًا." لامستني بداعة وصفه لمسجد الكوفة وفساحته وقصص التاريخ التي ارتبط بها المكان، حتى في زيارتي للمسجد لم أشعر بالشعور الساحر الذي شعرتُ به وأنا أقرأ عنه في هذا الكتاب!
أشعر أن روح الكتاب تغيّرت مع تغيُّر المدينة ودخول التجديد والتطورات. ولاحقًا في الفصول التي يتحدّث فيها عن الثورات والانقلابات في تاريخ العراق ودخولها المدينة، نسيتُ أنني أقرأ عن النجف! لم أكن أعرف شيئًا عن تاريخ العراق السياسي لذا بحديث الجزائري عن الانقلابات، دعاني للتعرف عليه بعض الشيء. لكني أيضًا عجبت كيف تحولت النجف برمزيتها الدينية ومرقدها إلى ساحة للقتال بين الأحزاب. ربما بسبب فكرتي عن المدينة ومركزها المُقدّس.
أحد أسباب إعجابي بالكتاب هو استخدام الأسلوب الأدبي في الكتابة عن الرموز الدينية. فقط عندما تمنّيتُ قراءة الثورة الحُسينيّة من منظور أدبي وشخصي مختلف عمّا أسمعه من المنابر، قرأتُ هذا الكتاب واصطدمتُ بزهير الجزائري! ضحكت في مواضع كثيرة من الكتاب، لكن وأنا أقرأ آخر صفحات الكتاب، ترقرقت دموعي. تساءلت: كم مرة ذرف زهير الجزائري دموعه وهو يكتب؟ لم أقرأ كتابًا وتمنّيتُ الالتقاء بمؤلفه كثرما تمنّيتُ الالتقاء بزهير الجزائري شخصيًا كي أعبّر عن ذهولي وإعجابي به. شعرتُ أنه يكتب ويروي لي..
صفحات وحكايات كثيرة من الكتاب لا تُنسى، لكن سأتوقّف في مراجعتي هنا...
هذا الكتاب عظيم بمعنىٰ الكلمة، يتحدّث عن وجه النجف الآخر (أنا في صدد البحث عنه)، أي اقتباسٍ منه يظلمه؛ زهير الجزائري، المشاكس منذ صغره حفيد آيات الله وابن الأفندي السكير، كتب عن مدينته منذ الأربعينيات حتىٰ الستينيات، حيث تركها ولم يعد إليها إلا بعد ٢٠٠٣. المدينة التي ساهمت بتشكيل الدولة الحديثة عاطفيًّا أكثر من أيّة مدينة أخرىٰ ثم انكفأت لتنتج رجال دين معارضين وشيوعيين غاضبين! في الكتاب، لمحات عن أدب النجفيين الستينيين وصراعهم مع العموديين، الأكثر عددًا في الشعر العربي الحديث... حضرتُ ندوته في اتحاد أدباء النجف قبل أربع سنوات، وكان هادئًا في صوته، حادًا في آرائه؛ بدأ حديثه عن مجيء آل بحر العلوم (التميميين) من البصرة إلىٰ النجف! فتدّخل أحدّهم وقال: أن كبر السن قد أثرّ علىٰ ذاكرة الجزائري! الندوة، موجودة علىٰ يوتيوب بعد تعديلها. مشكلتي مع الكتاب، أنّه مقتضب.
ملحمة سردية من وجهة نظر مستقلة وساخطة احياناً . النجف في وجهها الآخر. لا اتفق مع كل ما ذكره الكاتب ، الا انني لا املك الا ان اقدر عالياً قدرته في وصف الاحداث والامكنة. انصح بقراءته لمن يريد ان يعرف النجف اكثر.
زهير الجزائري في كل مرة يدهشني بإلتقاطاته وطريقة سرده للأحداث الكتاب سيرة غنية يحتوي على صور وقراءة لذاكرة الطفل وللأحداث والصراعات زهير صحفي عراقي غادر العراق متنقلا بين خمسة مناف و٤٢ بيتا كعادة كل الذين غادرو اوطانهم منفيين تبدو الأوطان الجديدة مجرد تأشيرة عبور .. في كتابه عن النجف يكشف لنا عن النجف مدينة الدين والصحن ومقبرة وادي السلام المدينة المقدسة لتبدو مدينة صاخبة بالحياة متنقلا بين طفولته الى انتهاء الملكية والخلافات التي حدثت بعد ذلك يبدو العراق صاخباً حتى في اتخاذ قرار الحرية ليعود التاريخ ويتكرر من انقلابات وسحل ودم وكما يقول عقاب الضمير يكافئ الجريمة مهما كبرت وللموت قدسيته ، زهير الذي تربى على احترام وقدسية الميت يعود في زيارته الأخيرة ليري مقبرة السلام وقد تحولت الى مدفن كبير والعراق كل يوم في مأتم لا البيوت نفسها ولا الناس ولا حتى الموت ! يعود خائفاً من النسيان واللوم وحتى الموت
الكاتب يسرد سيرة حياته وما عايشه من احداث ومن صرعات في مدينة ولدة الصرعات مع ولادتها احببت الكتاب لا لكوني احد ابناء هذه المدينة الغريبة انما لما احتواه الكتاب عن جزء من سيرة مدينة امير المؤمنين وابنائها زهير الجزائري لك مني كل الحب خمس نجوم وبجدارة
This entire review has been hidden because of spoilers.