في هذا الكتاب يتحدث الدكتور سعد الصويان عن طريقة جمع المأثورات الشفهيّة. والمأثورات الشفهيّة، لمن لا يعرفها، تعني ببساطة كل ما تناقله المجتمع عبر الكلام لا الكتابة، من قصصٍ وأشعارٍ وأمثالٍ وأغانٍ وألغازٍ وخرافاتٍ وأساطيرَ وحكاياتٍ عن الماضي. وهي تمثّل ذاكرة المجتمع الشعبي وصوته الأصيل.
قصة ربانزل وسندريلا، على سبيل المثال، مأثورٌ شعبيٌّ في ألمانيا قام الأخوان جريم بتوثيقه للأجيال القادمة لتستمتع به وتنهل من الحكمة التي يحملها، إلى أن أنتجت ديزني فيلمًا عنه، فأصبح مأثورًا شعبيًا شهيرًا عالميًا يعرفه الكبار قبل الصغار.
أما أم السعف والليف فهي مأثورٌ شعبيٌّ محلي، وعلي بابا والأربعون لصًّا مأثورٌ شعبيٌّ كذلك، قبل أن يقوم المستشرق أنطوان غالان بتدوينه.
في هذا الكتاب ينقل الدكتور سعد خبرته في تدوين المأثور الشعبي في الجزيرة العربية، حين شرع قبل أربعين عامًا في مهمةٍ جليلةٍ لجمع المأثورات الشفهيّة وتدوينها، في سنواتٍ كان يُحتقر فيها هذا الموروث، وتسعى الطبقة المتعلّمة إلى تسريع موته جهلًا منها بأهميّته. وهي مهمةٌ محوريةٌ للغاية، فمجتمع الجزيرة العربية، الذين هم بدوٌ في معظمهم، ثقافتهم شفهية لا كتابية؛ أي إن مأثورهم الشعبي يكشف عنهم أكثر من أي أثرٍ مكتوب، كالكتب التاريخية أو دراسات الباحثين.
ومن هنا تكمُن أهمية تدوين المأثور الشعبي، ليس لأنه ممتعٌ أو مليءٌ بالحِكم ويحفظ لنا ثقافتنا فحسب، بل لأنه الصورة الكاشفة للمجتمع وذاكرته، وحفظها مهمةٌ وطنية لا تقلّ شأنًا عن الدفاع في الثغور ضد الأعداء.