قسّم ابن شقيق العقاد هذا الكتاب إلى بابين، باب عن معاركه السياسية، وباب عن المعارك الأدبية، ولم أحب له أن يستخدم كلمة "معارك" بالذات، فأكثرها لم يكن سوى تعبير عن الرأي في الحالة السياسية والأدبية وليس سجالاً وجدالاً بين طرفين متناقضين على طول الخط، ثم أن مقالاته السياسية كانت تجري على مبادئ ثابتة ولم ألحظ عليها أنها مالت يومًا ومدحت شيئًا كانت بالأمس تذمّه
وأجمل أجزاء الكتاب وأكثرها خصوبة هو الباب الأول عن المعارك السياسية، فهذه ناحية غائمة من حياة العقاد، رغم أنه حقق جزءً كبيرًا من شهرة اسمه وقتذاك من جرّاء مقالاته السياسية التي كان يتخطفها الناس وينادى عليها باعة الجرائد بالاسم وتُصادر الجرائد بسببها، والتي ظلّ العقاد يكتبها في حماس سياسي حتى آخر أيام الملكية في مصر، ثم عند بداية الثورة بدأ في كتابة سلسلة مقالات حول نهاية الملك فاروق والنتيجة الطبيعية التي انتهى إليها الحال وحلل فيها شخصية الملك السابق، ثم انتهى عهد وأُسدل الستار، وتوقف العقاد إلا نادرًا جدًا عن الكتابة في السياسة الداخلية المصرية بعد الثورة، وانصرف تمامًا إلى الحياة الأدبية والفكرية حتى نهاية عمره، رغم ما خالط العهد السياسي التالي من عوار كثير وتخبّط حكومي وقرارات سياسية جائرة تفوق في مجمل أخطائها كلّ أخطاء حكومات العهد الملكي من وزارات مصطفى النحاس ومحمد محمود ونسيم باشا وعلي ماهر وغيرهم التي طال انتقاد وتقويم ومتابعة العقاد لأعمالهم، فلم يجر قلمه بشيء عن هذا لأن النظام الجديد، ولطبيعته العسكرية، لم يرحّب كثيرًا أو قليلاً بأصحاب الصوت المخالف وكان بطشه عليهم أقوى من أي ردّ فعل قامت به نحوهم الحكومات الملكية السابقة، فمصطفى أمين مثلاً ورغم كل الصعاب التي واجهها وهو يهاجم الملك وينتقد رجال الوزارة في جريدة الأخبار، لم يصل به الحال إلى سوء العاقبة التي نالته في العهد التالي، من اعتقال طويل متتابع وتدجين سافر لصحيفة الأخبار منذ ذلك العهد إلى أن أُمّمت إلى صحيفة تعبر عن لسان الحكومة، ومَن يطالع عناوين السنوات الأولى منها قبل هذا الأمر لا يصدّق كيف انتهت "الأخبار" إلى حالتها الراهنة بعد أن كانت تحفل بكل هذا الشغف والحدّة والجرأة في الرد، ولذلك قال مصطفى أمين أن الصحافة كانت قبل التأميم: سيدة الجلالة الملكة، وأصبحت بعده: لآنسة الرقيقة
.
.
والكتاب خصب للغاية في جانبيه السياسي والأدبي، وإن كانت روح المحبّ تملأ صفحاته، ولا عجب!، ولكن رغم هذا يتضّح جهد تتبع المقالات المختلفة في شتى مواضعها، وحسن عرض عامر العقاد لهذه المقالات الكثيرة جدًا التي هي منذ عام 1907 وحتى وفاة العقاد في ستينيات القرن الماضي، وحسن تقصّيه وتبويبه لرؤوس عناوين القضايا المختلفة التي تتناولها وضمّ الأشتات المتوافقة معًا حتى يتابع مع القارئ بداية ونهاية هذه القضية أو تلك وما قيل فيها وما توابعها بعد ذلك
واعتبرت هذا الكتاب عندما وصلت إلى صفحته الأخيرة: أجمل ما كتبه عامر العقاد عن عمّه الراحل، وكأنه قد أدى من خلاله القسط الأخير من دينه نحوه!